الإسلام ما بين مطرقة الاستشراق وسندان العلمانية .. - نورالدين الجزائري

المتواجدون الأن

103 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

الإسلام ما بين مطرقة الاستشراق وسندان العلمانية .. - نورالدين الجزائري

 

نظرة تأمّلية ..
 
لا شكّ أن علم الاستشراق هو فن الاختراق الذي أوتيت الاُمٌة الاسلامية من قِبَلِه، ونال من صيتها وهيبتها وعلمها ككيان حضاري نهضوي غير لاهوتي، وزرع فيها فيروس التشتت والفُرقة والتناحر المذهبي كمرحلة استباقية انقضاضية، ففعل فيها ما لم تفعله جيوش إمبراطوريات بأكملها، فهو أوَّل من اعتنى بدراسة العالم الاسلامي سياسياً ومذهبياً وثقافياً واجتماعياً وعسكرياً، فتخصص في دراسة علوم القرآن والحديث والسنّة والأثر، فجذوره اختُلِف فيها من حيث النشأة، فمنهم من عزاه إلى عهد بني أميّة، وآخرون إلى الحملات الصليبية، ومنهم أيضًا من قال بنشأته في الأندلس، وكان الهدف منه أولًا وآخرًا اختراق المنظومة السياسية للمسلمين وتعطيلها، ودراسة المذاهب الفكرية من حيث العقيدة والفقه وتسفيهها، فَأَلَّفوا بذلك المصنّفات والمجلّدات مجملها الافتراء والتشكيك، وكانوا قليل الانصاف فيما نسجوا من خيوط تآمرية من حيث النظرة للعالم الاسلامي ومعتقده ..
ففي موسوعة دائرة المعارف الاسلامية مثلا وهي تأليفات من البحوث لأكثر من 300 مستشرق من الغربيين عامة والأوروبيين خاصة والتي تناولت التشكيك في القرآن ككتاب منزَّل وقيل أنّه مزيج ما بين الديانة اليهودية والمسيحية وخليط من عقيدة أحبار اليهود والقساوسة النصارى، وكذا الحديث النبوي واستحالة صدوره من عبد أُمِّي، وأدّى بهم الحال إلى وضع بعض السموم من الإسرائيليات والاحاديث الموضوعة والمدسوسة للنيل من الحديث كمصدر للتشريع الاسلامي، فكانت بوابة التصوّف والتشيّع أول أدوات الهدم لباب الحديث، فَهُم مجموعة من أخصائيين وعلماء اللاّهوت والمنصّرين كان هدفهم تشويه الدين الإسلامي في أعين أبناء الغرب أولاً، والتشكيك في المعتقد عند أبناء الإسلام ثانيًا، ومحاولة صدّهم وإبعادهم وفصلهم عن دينهم بجملة من التحريفات والتلفيقات بضرب المعتقد خاصة وازدرائه، وقد أكّد ذلك أستاذ التاريخ الاسلامي بجامعة سانتا باربارا بكاليفورنيا ستيفن همفري Stephen Humphreys في كتابه "التاريخ الاسلامي" بأن " دائرة المعارف الاسلامية مؤلفة بالكامل من باحثين غربيين أصل بحثهم الاستشراق، لا تكاد تعبّر الاّ عن النظرة والمفهوم الغربي للحضارة الاسلامية من زاوية واحدة، تختلف تماماً عن فهم المسلمين لدينهم، ولا تكاد هذه الموسوعة ان تتوافق الاّ مع اهوائهم وبعيدا كل البعد عن المراجع الاسلامية كالأزهر وما شابه" ..
فهدف الاستشراق في بدايته كانت مهمّته إضعاف الأُمَّة عقديًا وسياسيًّا وثقافيًّا كما أشرنا، وهو دور استباقي مهّد الطريق إلى ما بعده من كوارث حلّت بالعالم الاسلامي وتشرذم المسلمين تحت كيانات ممّزقة جغرافيًا ومنقطعة الأوصال دينيًّا وفكريًّا، فبعد تفكيك الأندلس ومن بعده الدولة العثمانية أضحت الأُمَّة بلا كيان سياسي أو فكري ينوب عن هذا المصاب، فكان البوابة الأفضل والوقت المناسب إلى الظفر بالهدية بعد عمل شاق من التخطيط واحتلال البلدان الاسلامية، فسقطت الدويلات المقسّمة في رجس الامبراطورية البريطانية والفرنسية، ومن ضمن أول الاعمال عند دخول المستدمرين بلاد الإسلام تدمير كل ما هو مَعْلم ديني أو مركز فقهي وتسويّته بالأرض وفي ذلك شواهد عديدة، ناهيك عن هدم بعض المساجد الرائدة في النهضة وقتل واعتقال مشايخها وعلمائها، وبعد تثبيت الأقدام وغربلة الصفوف وحصر المناوئين ومقاتلة المتمردين، جاءت ببعض المتصوفة وأصحاب الخرف وقدّمتهم للأمّة كنماذج دينية، والهدف من ذلك مسخ الهويات العربية والإسلامية فكريًا، ولتسهيل التحكّم في رقاب العامة من خلال دراويش تدين بالولاء للسيّد الجديد، فاستقرّ الحال على ذلك عبر مراحل من الاستدمار إلى أن هُمِّش المعتقد والوازع الديني وكاد أن يُستخرج من صدور المسلمين، فَلَمَّا استطاب الامر للمحتلّين وأيقنوا أنّهم تمكنوا من المعتقد بزرع ثقافة الغرب في المجتمعات الاسلامية من نوعية الحكم فيها وأنّه الأفضل من سياسة الحكم بالشريعة راهنوا بعدها على التبعية الفكرية من أبناء المسلمين لهم، فقرّبوا إلى دوائرهم الأكثر انسلاخاً عن دينه، وعلّموه وثقّفوه وزجّوا به في الدوائر الحكومية، فعمّموا التجارب وأعطوا المناصب حتى كانت الوظائف حكرًا على ذلك النموذج الغربي، وأصبح يُنظر إلى كل ما هو ديني نظرة دونية، كادوا بهؤلاء إلى أن تُختصر الأدوار في مراسم عرفية وتحفيظ أبناء الفقراء القرآن داخل جدران مساجد المدن والقرى النائية، فبعد كل هذا التغريب والسلخ وغرس ثقافة المستعمر لم يجد نفسه إلّا أن يخرج من بلاد المسلمين مطمئنا على ما قدّم من عمل يثبّت به التبعية الابدية، ومن خلالها التّحكم في المسلمين وخيراتهم عن طريق ما أنفق من مخططات، بدأها بفن الاستشراق وانتهى به المطاف إلى سياسة التغريب، لازالت إلى يومنا نتائجها وارتداداتها سارية المفعول وغير منتهية الصلاحية ..
فالمستدمر وبعد أن خرج من البلاد الاسلامية، وضع الخطط الاستباقية لتقويض كل رجوع إلى الهويّة، فأسّس لذلك جامعات ومعاهد ومراكز للبحوث، ووضع الاستراتيجيات لذلك، لاستمرارية السيطرة على مقوِّمات النهوض لأبناء ونفض غبار الهيمنة، فأدرج لذلك عدّة طرُق تضمن له السيطرة على سياسة البلدان المستعمرة، فأوجد ساسة وعائلات حاكمة تُقْسم له بالولاء وأحكم من خلالها على المفاصل الحيوية في كل بلد، تضمّنت الجيش، والتعليم، والإعلام، والثقافة، تتستر من وراء كل ذلك أكاديميات متشعبة، تنطق بلسان الأعداء في الدّاخل، وتكرّس الاحتلال بحفظ تركة سايكس-بيكو، مستعملة سلاح الاعلام الموجّه للتضليل العام ومن تنفيذ أدوات احتكرت أدوات إيصال الكلمة إلى المسلمين من خلال التحكّم في المساجد والجامعات والمعاهد الاسلامية عن طريق ثقافة تغريبية معادية لكل ما هو عربي وإسلامي، وَمِمَّا زاد الامر تعقيدًا غرس بعض الجامعات الأجنبية في بلاد الاسلام وابتعاث طلبة مسلمين إلى الغرب للتحصيل العلمي، فالأمر أُريد له عدم الانضباطية ومفتعل لتوريد ثقافة غربية تدين بها الأُمَّة في نهجها النهضوي، فما كان من كل هذا العبث الداخلي والتخطيط الخارجي إلّاَ مزيدًا من مسك خيوط التبعية في الكبيرة والصغيرة، فالأمور اُسنِدت إلى أصحاب الشهادات الغربية في بلادنا ممن اختارهم الغرب بعناية فائقة وتمركزهم في مناصب حساسة من مفاصل دول الفرز الاستقلالي، لم تجنِ الأُمَّة منهم إلاًّ فصل دين الله على كل ما هو مشروع نهضة حقيقية للبلدان الاسلامية، والخروج من الهيمنة الاستعمارية المستمرة، فمن يحكم المسلمين اليوم وأدواته ليسوا إلاًّ مشروع إبقاء الاسلام في المساجد وحصره بين جدرانه، وكل من يصدع به فالتّهم جاهزة ومتّفق عليها محلّيًا ودوليًّا، وأدوات تنفيذية جاهزة في كل وقت وحين لكل من يحمل شُعلة قيادة أبناء بلده لما هو خير الدين والدنيا ..
فبعد أن كان الاستشراق بوابة دخول أعداء الله إلى العالم الاسلامي في أوجّ قوّته ومن خلاله دُرِست الأُمَّة من حيث القوة والضعف، فمرحلة الاستعمار والهيمنة إنّما هي وقعٌ وتحصيل حاصل لما بعد مرحلة الاستشراق، فاستبدلوا كل ذلك بتخريج وتفريخ مسخ من أبناء المسلمين في معاهد الفرز العلماني من جامعات محلية وابتعاث علمي، فما كان من هؤلاء إلاًّ ربط خيط التبعيّة كلّما خُدِش أو أُحرِقت فصوله ولو مرحليًا من طرف أشراف أبناء الأُمَّة، فباب السياسة لا يدخله إلاّ من تخرّج من المدارس العليا للسياسات المعاصرة، والأوسمة العسكرية لا يتقلّدها إلاّ من درس في كلّيات الناتو والشيوعية، وقرّبوا من الدوائر العلمية والثقافية للحكم كل من نبذ اللّغة العربية كأساس للمعرفة، ناهيك عن فرز صفوف كل هؤلاء ونفي عنهم كل عقيدة، وما نراه اليوم من سياسة حكم في البلدان الاسلامية ومحاربتها لكل صادق يحمل بذور الاسلام أو معالم نهوض أصيلة لهو من التخطيط والتنفيذ للأجندات المعلنة والخفيّة، وللاستمرارية في حكم المسلمين بالنيابة وبسواعد أبناء الملّة، واقتصر كل ذلك بمزيد من التّحكّم بخيوط الهيمنة على البلاد العربية والتي هي عامل نهوض للاُمّة ونفض غبار الاستدمار الى عير رجعة ..
فالاستشراق اليوم أضحى العولمة بلسانها العلماني، فبعد أن كان الابتعاث من الغرب إلى الشرق لدراسته، تخلل مفهوم آخر له إبان الاحتلال من خلال تثبيت سياسة الحكم الاستعماري في بلدان الاسلام بسواعد أبنائها بعد خروجه، فاليوم بات يتحكّم في عقل الأُمَّة من خلال نشره للأفكار الهدّامة، و للكتب المكرّسة للعلمانية، تخدمه أيضًا مجلات وصحف متبوعة، والقنوات الفضائية والإنترنت أصبحت أدوات تخدم وتدعم الثقافة الأحادية الاتجاه وكل ذلك لإحكام الوثاق على المارد العربي السُنّي، فالاستشراق أو العولمة اليوم ساند ويساند كل فكر يريد بالغرب نموذجاً ومثالاً، ويقف صفًا معه وضد كل تيار يريد اجتثاثه، فالعولمة اليوم وفن الاستشراق الجديد وجد حصان طروادة من نوع فريد استطاع من خلاله السيطرة على مفاصل كل دولة، فأعطى للأقلية التغريبيّة أو ما يُسمى بالعلمانية أدوات الحكم واتّفق معها و تطابق حول أغلب القضايا في الأُمَّة، فكل من الاستشراق والعلمانية تراهم اليوم أداة طعن في القرآن والسنة، والسيرة النبوية، وتاريخ المسلمين، مشككين في كل ما هو خُلُق مصدره التشريع الإسلامي، فبعد أن كان بداية الاختراق من باب التعرف على المجتمعات الاسلامية أصحى اليوم أداة تخريبية وعائق نهضوي لأبناء الأُمَّة لابد من اجتثاثه والقضاء عليه من خلال سلسلة تخطيطية علمية وفكرية وإن تطلّب الامر العسكرية في نهاية المطاف ..
فلم يكن فن الاستشراق إلاّ مؤسسة هدّامة بأيادي علمانية لقيّم الانسان وللمكون والمكمّل للثقافة الانسانية من عنصر بشري لا يرى مفهوما للحياة وللإنسان كالذي يراه من احترف فن الاختراق لدوافع استعمارية ونزوات عنصرية، فحالَ هذا الفن التخريبي ما بين الاسلام والديانات الاخرى لتمرير الرسالة، فكان عائقاً لتقديم الدين الاسلامي كنموذج حياة صالحا لكل عهد وزمن بعلم وموضوعية، وكان من المفترض لهذا الفن أن يزيل الألغام ويُبعِد الاصطدام ما بين الحضارة الغربية والعربية الاسلامية، ولكن أبى إلاّ أن يكون أداة كراهية ما بين العالمين الغربي والشرقي، ولكن لكل علم تنظيري سقف لعطائه، ونهاية لأدواته، فالعالم اليوم أصبح مكشوفاً بسواعد الاستشراقيين الجدد داخليًّا أو من وراء البحار، فالمواجهة أصبحت مفتوحة علنية، وظَنُّوا أنّهم أجهزوا على دين الله بخططهم الجهنّمية، ويأبى الاسلام إلاّ أن تتعاظم أوّار شعلته من خلال حروبهم إيّاه، ويذكر أن من تفطّن لهذا الفن الاستخرابي وألّف فيه موسوعات وأضحى صاحب معرفة هذا المصطلح بامتياز هو ادوارد سعيد الفلسطيني الأصل حيث يقول " الشرق سيكون في أيدي أهله طال الوقت أم قصُر، وأنّ الشرق الذي يصنعونه أو ينشؤونه إنشاء، لأغراض في المعرفة والسلطة، وبالتالي غرض الدفاع عن الذات بخطط استباقية أمام شرق أصيل ( الاسلام ) لا ولن يهدأ حتى يستوعب الآخر ( الغرب ) بحكم عالمية الرسالة الإسلامية الكامنة فيه ..
/
السلام عليكم

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث