إسكندرية كافافيس وبيروت هوكني - صبحي حديدي

المتواجدون الأن

135 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

إسكندرية كافافيس وبيروت هوكني - صبحي حديدي

دافيد هوكني، التشكيلي والفوتوغرافي الإنكليزي، هو أحد كبار رموز مدرسة الـ«بوب آرت»، وقد اعتُبر بين أشدّ فنّاني بريطانيا نفوذاً وتأثيراً على امتداد القرن العشرين. ذات يوم، في سنة 1960، استعار من المكتبة العامة في برادفورد، مسقط رأسه، ترجمات مختارة من قصائد الشاعر اليوناني قسطنطين كفافيس (1863ـ 1933)؛ فوقع في غرام ذلك الشعر، كما يجوز القول حرفياً. وهكذا، وإذْ أغراه مشروع الاشتغال على رسومات مستوحاة من تلك القصائد، سافر هوكني إلى مصر، فزار الإسكندرية؛ ثمّ إلى لبنان، فأقام في بيروت، ورسم هناك عدداً من أفضل أعمال الحفر في مسارات حياته الفنية؛ بينها تلك الصورة الأشهر للشاعر اليوناني، واقفاً أمام مشهد مديني يجمع بين العمارة الغربية والشرقية (اتضح، فيما بعد، أنه مخفر شرطة في قلب العاصمة اللبنانية).
الحصيلة كانت سلسلة رسوم حفر، من 13 عملاً بعنوان «رسومات لأربع عشرة قصيدة من ك. ب. كافافيس»، نُشرت سنة 1967؛ لترافق ترجمات جديدة، كان قد أنجزها ستيفن سبندر ونيكوس ستاغنوس. على سبيل المثال، عمل هوكني المعنون «مرآة، مرآة على الجدار»، مستوحى من قصيدة «المرآة في القاعة»؛ و«موكب مهيب للأشراف على الأسلوب شبه المصري»، مستوحاة من القصيدة الشهيرة «في انتظار البرابرة»؛ ورسومات أخرى تستوحي قصائد «اتّباع وصفة السَحَرة القدماء من السوريين الإغريق»، أو «في كتاب عتيق»، أو «في القرية المضجرة»… ولأنّ الرسومات، وقبلها القصائد، تتغنى بالحبّ المثلي؛ فقد شاء المتحف البريطاني، في لندن، أن يكرس لها معرضاً خاصاً يحتفي بالذكرى الخمسين لتخفيف الصفة الجرمية عن العلاقة المثلية، والتي شهدها العام 1967 في إنكلترا وويلز.
ولكي يثبت هوكني أنه مصاب بداء التنميط الاستشراقي، رغم حسن النيّة بالطبع، والرغبة المخلصة في تكريم المكان في شعر كافافيس؛ فإنّ الغالبية الساحقة من الشخوص الذكور الذين تلتقطهم الرسوم (عراة، أو أنصاف عراة، في الأسرّة)، يُنسبون إلى أهل بيروت؛ بينما هم، في واقع الأمر، لأشخاص من أصدقاء الفنان ومعارفه. ليست هذه مشكلة معنوية، عنصرية أو حتى أخلاقية، بالطبع؛ ولكنها ثقافية بمعنى ما يمكن للمزاج الاستشراقي أن يذهب إليه في تمثيل الآخر، خاصة ضمن سياقات كهذه تتناول علاقات الحبّ المثلية. لكنها مشكلة جمالية، أيضاً، في مستوى فرض قسمات الجسد الغربي، كما تتجلى في موديلات هوكني الأصلية، على جغرافيا شرقية يجرى دمجها عشوائياً حين تُعتبر بيروت والإسكندرية، وربما شرق المتوسط بأسره، تنميطاً واحداً متماثلاً.
في المقابل، ليست إسكندرية كافافي هكذا؛ على الإطلاق، كما يتوجب أن تقودنا إليها سلسلة تمثيلاتها في قصيدة الشاعر اليوناني الكبير؛ وكما يشدّنا فيها، وحولها، ذلك السؤال الكبير القديم: أية إسكندرية تلك التي تسكن شعر كافافيس؟ هل هي مدينة ذلك المنفيّ الهيلليني القادم إليها من القسطنطينية، مثلما تلتقطه قصيدة «المنفيّون»؛ بعد ألف عام من أوج بهائها في عصور البطالمة، وقبل ألف عام من ولادة كافافيس في شارع شريف باشا، حين كانت الجالية اليونانية السكندرية تعيش عصرها الذهبي؟
أم هي «الإسكندرية التي ما تزال تسير على هواها، إسكندريةً»؛ كما يقول المنفيّ حين يرفع المكان إلى مصافّ مدينة المخيّلة، والمدينة التي تستجيب أكثر للرمز الأعلى وللنمط الكوني؟ أم هي الإسكندرية التي لا يكمن سرّها في ما كانت أو ما أصبحت عليه في الماضي السحيق، أو الوسيط أو الحديث؛ بل في أنها «مخلوقة مدن شعرية نُحتت على صورتها، وتحاكيها ما أمكن، أو حتى ما يجب أن يكون، في الجوهر»، كما يرى الناقد الأمريكي إدموند كييلي، في كتابه الممتاز «إسكندرية كافافي: دراسة في أسطورة متواصلة»؟
إنها، في كلّ حال، تلك الإسكندرية التي التقطها كافافيس في عشرات القصائد، ولكنه توغّل خصوصاً في عمق روحها الكونية حين كتب «الإله يخذل أنطونيو»؛ والتي اختار سعدي يوسف سطرها الأخير عنواناً للترجمات البديعة التي أنجزها من شعر كافافيس، وكان لها أثر حاسم فوري في ذائقة الشعر والشعرية العربية: وداعاً للإسكندرية التي تفقدها. أو في الرائعة الأشهر، «المدينة»، في ترجمة يوسف أيضاً: «لن تجد بلاداً أخرى/ لن تجد شاطئاً آخر/ هذه المدينة ستتبعك/ ستطوف في الشوارع ذاتها/ وتهرم في الجوار نفسه/ وتشيب في هذه المنازل نفسها/ سوف تنتهي دائماً إلى هذه المدينة/ فلا تأملن في فرار:/ لا سفن لك/ ولا سبيل/ ومثل ما خرّبتَ حياتك هنا/ في هذه الزاوية الصغيرة/ فهي خراب أنّى حللتْ».
وإذْ قادت هوكني منها وإلى بيروت، فإنّ الإسكندرية كانت من جانبها قد نقلت كافافيس إلى مجازات أخرى حول الساحل السوري، مدن مثل تدمر وأنطاكيا وصيدا وبيروت ومرسيليا وروما وقرطاجة؛ وجغرافيات شتى، يونانية قديمة وأخرى حديثة، تمرّ بسوريا والهند وتركيا ومقدونيا… أليس هذا بعض سرّ، وسحر، المدن الكونية التي ترحل بالمخيّلة إلى مطلق مديد من الاستعارة المفتوحة؟

Comments are now closed for this entry