حادث لندن الأخير هل يوجب اعتذار المسلمين؟ - د. مثنى عبدالله

المتواجدون الأن

145 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

حادث لندن الأخير هل يوجب اعتذار المسلمين؟ - د. مثنى عبدالله

 


منذ الثاني والعشرين من الشهر المنصرم وحتى اليوم، يرزح المسلمون في بريطانيا وأوروبا تحت وطأة القلق الناتج عن حادث الاعتداء الآثم، الذي تعرض له مواطنون أبرياء في العاصمة البريطانية لندن. 
وكلما تواترت الأنباء الناتجة من التحريات التي تجريها السلطات عن الفاعل، تصاعد الضغط على المجتمعات الاسلامية التي تعيش في الغرب، خاصة في الظرف السياسي الحالي الذي تعيشه هذه البلدان، حيث يعلو صوت اليمين المتطرف وتتكثف حملة الاسلامفوبيا. فالفاعل مسلم الديانة وينحدر من مقاطعة برمنغهام، التي فيها أكبر مجتمع إسلامي، وتضم مساجد لمذاهب مختلفة، وفيها تيارات اسلامية كثيرة. 
وعلى الرغم من أنه بريطاني المولد والجنسية، نشأ وترعرع ودرس في مدارس المملكة المتحدة، ولم يأت لاجئا لا من سوريا ولا من العراق، لكن كل ذلك سوف لن يثير انتباه أحد. وحده الذي سيتم التركيز عليه في حملات الاعلام اليميني المتطرف، هو أنه مسلم الديانة، وأقام لفترة قصيرة من الزمن في السعودية. ولو نظرنا إلى عمره البالغ 52 عاما، وطرحنا منها العامين التي قضاهما في دولة عربية مسلمة، لبقي من عمره حوالي نصف قرن قضاها في المملكة المتحدة، أي أنه بكل الحسابات والمقاييس بريطاني حتى العظم وأوروبي حتى النخاع، لكن هنالك أصواتا باتت ترفض تماما النظرة الواقعية إلى الأمور، وتحاول بشتى الوسائل تحميل الآخر الفشل الذي صنعته أيديهم في المجالات السياسية والاجتماعية.
إن الاديان تُعرف بالنصوص وليس بالاشخاص والجهات، وإن نصوصها هي أكبر محكمة تقام عليها، ومع ذلك كانت هي من أكبر الجوانب التي جرى استغلالها قديما وحديثا، وتم الخلط عن قصد أو دون قصد بينها وبين من استخدمها لأغراض اخرى، وهو ما حاصل اليوم بين المسلمين ومن يستغلون الاسلام ويحطّون من قيمه العليا. ورغم أن ظاهرة العنف الحالي، التي تكاد تعم العالم كله ظاهرة معقدة ومركبة قامت بها جميع الاطراف، لكن البعض يتقصد التعميم لانه أسهل وسائل التهرب من مواجهة الحقيقة. وأول من يجب عليه مواجهة الحقيقة هو الغرب نفسه الذي تأخر كثيرا في هذا الاتجاه، بل إن سياساته الخاطئة كانت أحد الأسباب الرئيسية في انتشار هذه الظاهرة. كان يجب عليه أن يكون جزءا من حل ومكافحة هذه الظاهرة، وعدم الانصياع وراء خطابات قاصرة تلقي التهمة بسهولة ضد جهة واحدة. فالعنف تطور كثيرا وبات ليس مصنفا بمجموعة أشخاص أو هيئات أو كيانات أو تنظيمات، كما أنه عبر الرقعة الجغرافية المحددة والبلد المعين بالاسم، وبات ايديولوجيا له وسائله الخاصة وتكتيكاته واستراتيجيته ومسرحه. كما أن على الغرب الكف عن النظر إلى الاسلام على أنه الاسلام السياسي، ويجب التوقف عن اعتبار هذا الاخير الممثل الشرعي والوحيد للخصوصية الاسلامية لكل المسلمين في العالم.
نعتقد أن هذا النوع من العمليات لا يمكن أيقافه بأي شكل من الاشكال، ولا تجدي معه التعزيزات الامنية، لان هنالك شخصا قرر أن يذهب إلى العالم الاخر بهذه الطريقة، وبالتالي تصبح كل الاجراءات لحماية البشر والمؤسسات رمزية لا معنى لها. خاصة عندما تكون الوسيلة المستخدمة لا تثير الشبهة ويستخدمها عامة الناس يوميا. هنا يجب التذكير بأن الشرطة البريطانية كانت قد أجرت قبل أيام قليلة من الحادث تدريبا على عملية افتراضية، تتمثل بخطف مجموعة من السياح في قارب سياحي في نهر التايمز، واحتجاز عدد من الرهائن والاتجاه عن طريق النهر إلى وسط لندن لتنفيذ هجوم إرهابي.
إذن لا شك أنه موضوع معقد وفيه قدر كبير من الصعوبة لانه مشكلة فكرية وعقائدية، لكنه في الوقت نفسه فيه سهولة يمكن أن تستحوذ على عقول الكثير، لانها تعطي سلطة مطلقة على الاخرين. أما بالنسبة للشخص الذي قام بعملية دهس المارة على جسر ويستمنستر، ثم قام بعملية الطعن للشرطي المكلف بحراسة مدخل البرلمان، فعلى الرغم من أن وسائله ليست مبتكره، واستخدمت في بريطانيا عام 2013 حينما تم دهس شرطي ثم قتله بالسكين، وكذلك استخدمت السيارة في حالات دهس في برلين ومدينة نيس الفرنسية العام الماضي. لكن العنصر الابرز وغير المعتاد في هذه الحادثة هي عُمر الفاعل نفسه، حيث أنه لم يكن من الفئة العمرية التي اعتدنا أن نراها تقوم بتنفيذ هذه العلمليات، والتي غالبا ما يشير البعض إلى أن اندفاعها ناتج عما تعانيه من مشاكل متعلقة بظروف البطالة والفشل في الحياة والتحصيل العلمي البسيط. وهذه كلها يمكن دحضها بسهولة، وبذلك فإن هذا الحادث أسقط عنصر الفئة العمرية الشبابية، وأكد على أن السن الشبابي ليس هو الدافع الوحيد للقيام بعمليات كهذه، بل إننا نرى أن إشكالية الولاء والانتماء التي يعانيها البعض في الدول الغربية، هي الدافع للتجنيد ضمن الجماعات المسلحة أو للمبادرة الذاتية في تنفيذ هجوم ما بتأثير الدعاية الايديولوجية، حيث يتولد لديهم شعور بأن الولاء للدولة التي يعيشون فيها، والانتماء إلى عالم آخر هو العالم الاسلامي مثلا، لا يمكن أن يستويان في ذات واحدة، وبالتالي يحدث التصادم بين المفهومين، وهذه إشكالية كبيرة يصعب التعامل معها، وتسقط أمامها الاجراءات الامنية الروتينية كالرصد والمتابعة. ومع ذلك فإن العنصر المشترك بين الذي قام بالعملية في لندن، والاخرين الذين قاموا بأعمال مشابهة في دول أوروبية اخرى كان هو السجل الجنائي، حيث تحولوا من العمليات الجنائية إلى العمليات الايديولوجية، وهنالك سببان لهذا التحول. أولهما أن هؤلاء الاشخاص منحهم سجلهم الجنائي الروح الاقتحامية، بعد انكسار حاجز الخوف لديهم، مع عدم الشعور بالرهبة الفطرية من الاقدام على أي عمل يواجهون به السلطات الامنية والشرطية. أما السبب الثاني فهو اعتقادهم بأن التحول نحو العمليات الايديولوجية سيكون خير تكفير لهم عما ارتكبوه سابقا من عمليات جنائية، خصوصا أنهم يقومون بهذه الافعال تحت الراية الدينية.
السؤال الاهم هنا، هل سيسلم المسلمون من نتائج الحادث الاخير في الجانبين المادي والمعنوي؟ لا نعتقد ذلك لان من قام به مسلم الديانة، وبالتالي سترتفع جرائم الكراهية ضد المسلمين، وسيكون هنالك طلب ملح ومقصود لسماع رأي الجالية الاسلامية بهذا الموضوع. وعلى الرغم من أن الهيئات الدينية الممثلة لهذا المجتمع قالت رأيها في الحادث، لكن البعض سوف يعتبر كل ما يقوم به المسلمون غير كاف. لكن هنا يجب القول بأن ضغوط بعض الاطراف لدفع المسلمين لتقديم اعتذار عن الحادث سلوك مرفوض وغير أخلاقي، لانه لا يمكن بأي حال من الاحوال القاء تبعات ما يقوم به فرد على دين كامل، والطلب من شريحة اجتماعية كبيرة أن تكون قربانا للاستغفار عن فعل فردي.

Comments are now closed for this entry