في مشروعية الضربات العسكرية الاميركية لمطار الشعيرات - د. اشرف سمحان

المتواجدون الأن

209 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

في مشروعية الضربات العسكرية الاميركية لمطار الشعيرات - د. اشرف سمحان

 

كثر الجدل مؤخراً حول مدى مشروعية الضربات العسكرية الاميركية لمطار الشعيرات السوري، واذا كان لي ان ادلي بدلوي في هذا الجدل، فيمكنني استعراض اهم الاسانيد التي يمكن ان ترتكز عليها مشروعية هذه الضربات، وهو ما نستعرضه في التالي:

اولاً: في المشروعية المباشرة للضربات الاميركية على النظام السوري:

وهو ما نصل اليه من خلال التالي

(1) المشروعية المستمدة من ذات اتفاق النظام السوري مع منظمة حظر انتشار الاسلحة الكيميائية:

 

أ- فور مذبحة الغوطة الشرقية والتي سقط على اثرها اكثر من 44 الاف ضحية من الاطفال والنساء بالهجوم الكيميائي عام 2013، استعدت الولايات المتحدة لهجوم شامل على النظام.

 

ب- في آخر لحظة وقبل سويعات من الهجوم المرتقب، توصلت روسيا لصفقة بين النظام السوري والولايات المتحدة لوقف الهجوم المذكور مقابل تسليم النظام السوري لكامل ترسانته من الاسلحة الكيميائية

ج- ان الاتفاق المذكور:

 اعتراف واضح بمشروعية الضربات الاميركية المزمع توجيهها آنذاك بسبب الهجوم الكيميائي المذكور، والا فلماذا تعاملت معه وبنت عليه عملاً قانونياً آخر ذو طابع دولي هو اتفاقية نزع الاسلحة الكيميائية مع منظمة حظر انتشار الاسلحة الكيميائية؟ هل كانت لتفعل كل ذلك لولا انها اعترفت بمشروعيته ابتداء. مثل هذا العمل القانوني الشرطي (او المشروط) لا يجوز التذرع بقبول احد شقيه وطرح الشق الآخر منه، اذ ينبغي ان يفهم كجملة واحدة لا تتجزأ.

 اعتراف واضح ايضاً بمشروعية اية ضربة توجهها الولايات المتحدة في حال خرق الاتفاق المذكور، وهو ما تحقق فعلاً، فقد تبين ان النظام السوري لم يحتفظ بجزء من اسلحته الكيميائية فقط، بل ويستعملها ايضاً ضد شعبه، وهو ما تحقق بمجزرة خان شيخون الكيميائية

(2) المشروعية المستمدة من طبيعة الضربات ذاتها:

 اذ انها ضربات محدودة، تمت على ذات المطار الذي ثبت انطلاق الهجوم الكيميائي منه، مثل هذا الارتباط السببي الوثيق بين الجرم المرتكب من النظام وبين الضربة العسكرية الاميركية التي نفذت كرد فعل عليه، يبرز تقيد الولايات المتحدة بشكل وثيق وحرفي في حدود هذا الارتباط السببي الذي اعلنت من خلاله صراحة ان ضربتها العسكرية كانت ردة فعل للانتهاك الصارخ للمشروعية الدولية.

(3) المشروعية المستمدة من عجز مجلس الامن المتكرر والمتواصل عن وقف المأساة الانسانية في سورياوهو الواضح من خلال الاستعمال المتكرر لروسيا والصين لاجهاض اي قرار من مجلس الامن يتصدى من خلاله لممارسة وظيفته في حفظ السلم والامن الدوليين.

 مثل هذا الامر، ادى لآثار تتجاوز حدود الدولة السورية، تفجيرات في جميع دول العالم، ولاجئين سوريين سببوا اضطرابات اجتماعية وسياسية وسقوط حكومات في شتى دول اوروبا.

 ومثل هذا الامر كذلك ادى لانتهاكات مباشرة لسيادة دول مجاورة، اعتداءات على السيادة الاردنية في هجوم الركبان، واعتداءات مباشرة اوضح صورة وابلغ اثراً في العراق ايضاً.

 

(د) المشروعية المستمدة من تأييد اغلب دول العالم للضربة العسكرية الاميركية:

 من بينها بطبيعة الحال دول تشكل اغلبية الاعضاء الدائمين بمجلس الامن، والاتحاد الاوروبي القريب جداً من الازمة السورية، ومجلس التعاون الخليجي، والاردن اكبر المتضررين من استمرارها.

 حتى ان دولاً أخرى كان دعمها تقليدياً لنظام الاسد، لم يبق لها الهجوم الكيميائي اية حجة للدفاع عنه، ما لاذت معه بالصمت، او دعت بعبارات خجولة جميع الاطراف لضبط النفس والعودة للحوار السيسي، دون تأييد معهود للنظام السوري، وهذا هو حال لبنان والعراق مصر والجزائر.

 مثل هذا الاجماع والتأييد الاقليمي والدولي، يجعل من الضربات العسكرية الموجهة للنظام السوري ضربات منسوبة لغالبية المجتمع الدولي لا للولايات المتحدة فقط.

 

ثانياً: في المشروعية غير المباشرة للضربات الاميركية على النظام السوري:

 

وهو ما نصل الى تقريره من خلال ما يلي:

 

أ- في عدم وضوح فكرة السيادة (بمفهومها المانع من المساس والتعرض) بالحالة السورية:

 فليس نظاماً بدولة ذات سيادة ذلك الذي يستمد وجوده واسباب بقائه من غيره، اي من ايران وروسيا، هذا ليس اكثر من حكومة كرتونية لا تلبث ان تنهاء فور رفع يد المساعدة عنه، ان من ابسط معاني السيادة توافر الاسباب الذاتية والتلقائية لمقومات بقاء الدولة واستمرارها، وهو ما لا يمكن القول بتحققه في النظام السوري الذي لا زال عاجزاً حتى عن دفع مقاتلي المعارضة لاكثر من 5 كم من القصر الجمهوري فما بالك بدولة بمساحة سوريا التي لا يسيطر نظام الاسد على اكثر من 15% منها فعلياً. فعن اي سوريا يتحدثون؟

 وعليه، فاذا كان مبدأ عدم التدخل مكرساً كقاعدة صلبة في القانون الدولي، الا ان الواقع الخاص للحالة السورية، يقتضي بلا شك ان يؤخذ بعين الاعتبار حقيقة ان النظام السوري بثبوت عجزه عن السيطرة على جزء كبير جداً من اراضيه أضحى بلا شك دولة فاشلة، وفقاً للتعبير المستحدث لفقهاء القانون الدولي بهذا الخصوص، اذ ان التدخل العسكري المأذون لتمكين الدولة المتدخلة من ممارسة حقها في الدفاع عن النفس في مواجهة كيانات معتدية لا تستطيع الدولة المتدخل بها ضبطها وكبح جماح اعتدائها على الدولة المتدخلة، وهو ما يعبر دون ادنى شك عن فشل جسيم وجوهري في اعتبارات السيادة، ذلك ان الدولة التي تتذرع بسيادتها على اراضيها لا بد وان تثبت انها تتمتع بسيطرة واقعية على الاراضي التي تتمسك بسيادتها عليها، وهو ما يترتب عليه نتيجة هامة تتمثل في أنه وبتزايد ترسيخ فشل الدولة السورية، وتزايد معناه، يجعل من التذرع باعتبارات السيادة أمرا محلا شك جدي وجوهري.

 فاذا كان المجال المحفوظ للدولة وما ينبني عليه من عدم التدخل هو مبدأ مقرر في شريعة القانون الدولي، كرسته المادة (2/7) من ميثاق الامم المتحدة والتي مما جاء فيها أنه [ليس في هذا الميثاق ما يسوغ ”للأمم المتحدة“ أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي ‏لدولة ما، وليس فيه ما يقتضي الأعضاء أن يعرضوا مثل هذه المسائل لأن تحل بحكم هذا الميثاق].

 مثل هذا المبدأ، حتى على فرض احتفاظه بذات زخمه بعد الترنح الذي أصابه بين اعتبارات التدخل الانساني وغيرها التي اضحت حصان طروادة معترف به دولياً لتجاوزه، فإنه وبحكم طبيعته وماهيته الذاتيين مرتبط بشكل وثيق وحتمي (تقتضيه ابسط اعتبارات العقل والمنطق) ببسط سلطات الدولة سيطرتها الفعلية على أراضيها فإن مثل تلك الاراضي -غير المسيطر عليها اصلاً- على الرغم من بقائها حقاً للدولة رغم عدم تمكنها من السيطرة الفعلية والواقعية عليها، فإنها تضحى بلا شك موضع تزاحم بين مصالح الدول التي ترى التدخل بحدود الاراضي غير المسيطر عليها تلك لمنع امتداد عدوى فوضى الفراغ هنالك وآثارها لتصل الى اراضي تلك الدول، وهو ما يقتضي حتماً الاضرار بمصالحها والمساس الحتمي بسيادتها، لسببين اثنين: أولهما ان مبدأ المساواة بين الدول يقتضي حتماً عدم جواز ان تتذرع دولة بسيادتها على اراضيها بما يتضمن ويترتب عليه الاضرار الفعلي والواقعي بأراضيها، اي ليس من المقبول عقلاً ومنطقاً ان يترتب على ممارسة دولة سيادتها عى اراضيها مساساً بسيادة دولة أخرى، وثانيهما: انه وفي ذات الوقت ليس للدولة ان تتذرع بسيادتها على اراضيها بما يترتب عليه منع الدول الاخرى من الدفاع عن سيادتها ايضاً والمدى المحفوظ لها للدفاع الاستباقي (المعترف به في شريعة القانون الدولي) عن اراضيها.

 فإذا كانت جميع دول العالم تتواجد دون استئذان في الاراضي السورية في ظل الفوضى العارمة هنالك، فأية سيادة تبقت لها، وهل يختلف القصف الجوي عن التدخل البري؟ ان ابسط تعاريف السيادة لا بل الف باء التعريف بها يقتضي القول بأنها فكرة وان لم تعد مطلقة فإنها بقيت شأنها شأن اي مفهوم آخر فكرة لا تتجزأ، اي تتأبى بحكم طبيعتها وماهيتها الذاتيين على التناقض، مما يعني ان من سكت عن التدخل البري (الاجنبي) الذي يطال اكثر من ثلاثة ارباع الاراضي السورية لا يمكن بحال ان يحتج بفكرة السيادة، إذ أضحى اي ادعاء بالسيادة هنالك ادعاء خجولاً لا يمكن النطق به الا على استحياء، ببساطة لأنه لا يعدو أن يكون إدعاء بحالة تكذبها الأعين وتتعالى على سماعها الآذان، وترفضها بالتالي اعتبارات الواقعية في السياسة والقانون الدوليين والذين اخرجا فكرة السيادة من مفاهيم الاطلاق العمياء ومن تابوهات المقدسات المحرمة، وبالتالي فليس لسلطة أن تدعي بملئ الفم بسيادتها على اراضٍ غير قادرة على أن تمدّ سيطرتها الفعلية عليها لا بسبب احتلال أجنبي وإنما بسبب صراع داخلي غير قادرة على إنهائه، وغير قادرة بالتالي على كبح جماح خطر محدق لامتداده الى اراضٍ تدخل في سلطان دول أخرى غيرها، وذات سيادة ايضاً.

 

ب- في خصوصية الهجمات الكيميائي ة:

 بما تمثله من عدم مشروعية صارخة وحالات لا ينبغي ان يترك لقواعد القانون الدولي العام التقليدي امر مواجهتها، مثل هذه الحالات الاستثنائية كالجرائم ضد الانسانية وجرائم الابادة واستعمال الاسلحة الكيميائية والبيولوجية ضد المدنيين، كل هذه الافعال تمثل حالات من عدم المشروعية الجسيمة لا تكفي القواعد الاعتيادية في القانون الدولي لمواجهتها.

 ولا ادل على ذلك من منح الاختصاص العالمي في عدد كبير من الاتفاقيات الدولية لمواجهتها، كالاتفاقيات التي حظرت التعذيب والابادة الجماعية وغيرها، هذه الاتفاقيات لم تكن لتخرج على قواعد الاختصاص الجنائي الدولي التقليدي لولا جسامتها

   

 

 

Comments are now closed for this entry