ضربة ترامب الصاروخية والوضع العراقي - د. ماجد السامرائي

المتواجدون الأن

74 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

ضربة ترامب الصاروخية والوضع العراقي - د. ماجد السامرائي

 

الضربة الصاروخية الأميركية لقاعدة الشعيرات الجوية يوم الجمعة السابع من أبريل ردا على مجزرة الكيماوي في خان شيخون حملت رسائل سياسية عدة تجاوزت الهدف العسكري السوري المباشر إلى عودة الحضور الأميركي في الأحداث على يد دونالد ترامب بعد ثماني سنوات من الغياب المهين في عهد سلفه باراك أوباما.

الرسائل السياسية تذهب إلى اتجاهات متعددة عربيا وعالميا بعد الإفصاح الميداني لسياسة ترامب من نافذة سوريا، وأكثر نقطة تماس لهذه الرسائل السياسية هي العراق بكل ما سيعيشه من ظروف تحولات كبيرة بعد القضاء على تنظيم داعش.

فرغم الأداء المؤيد عراقيا وعربيا ودوليا لسياسة حكومة حيدر العبادي العسكرية، إلا أن سياساته لم ترتق إلى مستوى التحديات الاستراتيجية والسياسية الحالية والمستقبلية. وقد يُعذر بأنه لا يريد أن يشتت جهوده بما تعيشه أحزاب الحكم وخارج الحكم من مناكفات سياسية مرتبطة بجولة الانتخابات المقبلة بعد عام.

ولكن يبدو أن الأحزاب في العراق لم تستشعر بعد ما يدور حولها أو لا تريد ذلك لسبب بسيط هو شعورها بالعجز عن المبادرة العراقية المستقلة، وإنها اتكأت على قوى الخارج، ولا يمكن اعتبار تسوية عمار الحكيم بأنها مبادرة حلول جذرية، لأنها تعود بالعراق إلى نقطة الصفر، لاغية كل ما جرى من تراكم الأزمات وتحاول إعادة المحاصصة الطائفية بطريقة مجملّة.

حال السياسيين في العراق يقول إن ما سيحصل في العراق سيكون نتاج سياسات محيط العراق الإقليمي والدولي وبالدرجة الأولى أميركا. حصلت زيارة العبادي لواشنطن أواخر الشهر الماضي وقيل حولها الكثير، همسا أو تسريبا، بأن الرئيس الأميركي كان واضحا في دعمه اللوجستي لحرب العراق ضد داعش لأنها حرب أميركا والعالم وليس العراق وحده، وقيل بأنه لا يريد مكانا في العراق للفصائل الشيعية المسلحة، وأعلن خلال مقابلته للعبادي صراحة أن أهم بند من بنود استراتيجيته الجديدة في الشرق الأوسط هو العمل على إنهاء داعش وانسحاب إيران من المنطقة وعودتها إلى حجمها الطبيعي كبلد مسالم لا مشاكل له مع الجيران، ثم أضيفت إليها أخيرا بعد حادثة الكيماوي في خان شيخون مغادرة بشار الأسد للسلطة.

وقد حاول العبادي بعد عودته من واشنطن إطلاق تصريحات حول الحشد الشعبي لتبديد المخاوف من أنه سينتهج سياسة تتفاعل مع الخط الأميركي الجديد ضد إيران في العراق.

إشارة ترامب بخصوص إيران استلمتها القوى السياسية العراقية الموالية لها لكنها خيرت انتظار الأحداث لا استباقها، وانتظار ما سيحصل في سوريا في ظل ظروف لوجستية معقدة أوجدها التدخل الروسي العسكري المباشر هناك، لكن الضربة الصاروخية الأميركية لقاعدة الشعيرات قدمت إجابات واضحة: أميركا هي المحرك الأول وروسيا لا ترتقي إلى مواجهة عسكرية مع أميركا للكثير من الأسباب، وكذلك إيران ستكون ظروفها أصعب من الفصائل المسلحة العراقية واللبنانية التي ستحاربها أميركا.

التطورات المقبلة ستبدو أكثر إقناعا للمشككين بتصريحات ترامب خلال الحملة الانتخابية. النهج السياسي الجديد يرتبط بأفعال على الأرض، ويمتلك ترامب حاليا طاقما من القيادات العسكرية الملبية لمنهج الحزب الجمهوري المتشدد والمباشر خاصة بعد إبعاد مستشار الأمن القومي مايكل فلين الذي يحمل أفكـارا حاول من خـلالها استبعاد الطاقم العسكري الاحترافي صاحب الخبرة الاستراتيجية والعسكـرية في المنطقة.

المفاجأة التي أحدثتها تصريحات مقتدى الصدر بتاريخ الثامن من أبريل الحالي حيث طالب فيها الرئيس السوري بشار الأسد بالتنحي عن السلطة لصالح سلامة الشعب السوري، وبغض النظر عن الدوافع التي حملت الصدر على هذا الموقف الجريء لكنه موقف شعبي يلامس حدس الناس في داخل العراق أو خارجه الذين يقولون ببساطة؛ هل ثمن بقاء بشار في السلطة ذبح الأطفال والنساء والمدنيين بالسلاح الكيماوي وبالقنابل العنقودية والبراميل المتفجرة وأكثر من نصف سكان سوريا بأبشع الحالات الإنسانية مشردون في بلدان اللجوء، مقابل تمسكه بكرسي الحكم؟

موقف الصدر فيه جرأة وحسابات سياسية لا يستهان بهما حيث أشّر على ضرورة “خروج جميع الفصائل المسلحة -ويقصد بها العراقية واللبنانية- من سوريا إضافة إلى القوات المسلحة الأجنبية، وترك الشعب السوري يقرر مصيره بنفسه من دون وصاية”. وهو بذلك يتناقض مع الدعوات إلى توسيع العمليات القتالية بعد الموصل إلى داخل الأراضي السورية، أي بمعنى آخر كما يفسره الكثيرون حماية نظام بشار من السقوط، ويبدو هذا التصريح خروجا عن الصمت السياسي الشيعي تجاه مجزرة بشار الكيماوية في خان شيخون والتي هزت ضمير العالم ما عدا الذين لهم مصالح لبقاء واستمرار هذا النظام الدكتاتوري في دمشق.

ولعل الموقف الحكومي الرسمي الذي عبر عنه بيان وزارة الخارجية العراقية كان ضبابيا ولم يلامس جوهر المجزرة البشعة واكتفى بضرورة إجراء تحقيق مستقل.

وهناك من يفسر تصريحات الصدر بأنها تنسجم حتى وإن لم يرغب هو في ذلك مع التوجهات الأميركية التي أُبلغت إلى الحكومة العراقية بخصوص الفصائل المسلحة والوجود الإيراني في العراق.

من جانب آخر هناك تساؤل مفاده ما هي مصالح الأحزاب السياسية العراقية ومصلحة الشعب العراقي في جعل العراق واقعا تحت تأثير محور إقليمي فُتحت عليه النار من قبل أميركا وأوروبا والعالم العربي؟ صرح رئيس الوزراء العبادي أكثر من مرة بأن حكومته لا تريد الانخراط في صراع المحاور في المنطقة وهو موقف سليم وصحيح. لأن العراقيين إذا ما أنجزوا معركتهم الحالية ضد داعش التي كلفتهم دماء غالية، فلماذا ينجرون للدخول في معارك جديدة خارج حدود بلدهم الذي يحتاج إلى مداواة جروحه وإسكان نازحي مدنه وإعادة إعمارها، وأن يعاود الشباب حياتهم الطبيعية في العلم والتنمية بعد إنجازهم الواجب الوطني في طرد المحتل المجرم، وأن يزاول الشعب العراقي جميعه السلم الأهلي ونزع السلاح ما عدا قوات الجيش العراقي لحماية حدوده وأمنه؟

ألم يتعب هذا الشعب الصابر من الحروب والتجييش؟ ثم لمصلحة من الدفاع عن نظام بشار الأسد؟ هل هو تعبير عن دعم من يطلق عن نفسه “محور المقاومة” وهو الذي لم يطلق رصاصة واحدة على هضبة الجولان السورية المحتلة منذ خمسين عاما من قبل إسرائيل التي تقصف طائراتها متى شاءت مواقع عسكرية على أطراف دمشق؟

ألم ترتفع أصوات التنديد الحكومي العراقي بتفجيرات بغداد الإرهابية عام 2009 حين كان نوري المالكي رئيسا للوزراء؟ حيث اتهمت حكومته النظام السوري بأنه وراء تلك التفجيرات واشتكته إلى مجلس الأمن، علما بأن المالكي يحتفظ بود وعرفان للحكومة السورية في عهد الراحل حافظ الأسد حين كان لاجئا في دمشق، لكنه تصرف كرئيس لوزراء حكومة العراق. ثم يتذكر الجميع ومنهم الأحزاب الحالية والتي كانت معارضة قبل عام 2003 كيف استثمرت بالتحالف مع الأحزاب الكردية موضوع واقعة ضرب نظام صدام مجموعة من المواطنين الأكراد في مدينة حلبجة بالسلاح الكيماوي بما سمي بالأنفال في مارس عام 1988 وتحويلها إلى إدانة سياسية سهلت مع غيرها من الوسائل مخطط الإدارة الأميركية لمشروع الاجتياح العسكري والقضاء على ذلك النظام.

الأيام المقبلة تحمل تطورات سياسية مهمة في الملف العراقي لما بعد داعش وستدخل أميركا بقوة في العراق سياسيا وعسكريا ولكن ليست على طريقة الاحتلال عام 2003، فترامب أصبحت معالم سياسته واضحة وهو كرجل أعمال يتعاطى مع الموضوع العراقي على أساس “كل شيء مقابله شيء بذات القيمة أو أكثر”، فهو متعهد بالقضاء على داعش ومساعدة العراق في إعادة الإعمار وتنمية البلد مقابل النفط الذي سيحمي حقوله وآباره بالقوة العسكرية، وسياسيا هو يحارب بوضوح كل أشكال الإسلام السياسي شيعيا كان أم سنيا.

فهل تمكنت القوى السياسية العراقية من استيعاب رسائل ترامب في ضربته الصاروخية لقاعدة الشعيرات وأنها تتجاوز الهدف العسكري البحت؟ وهل ستخرج هذه الأحزاب من قوقعتها الداخلية في اجترار آليات المصالح الحزبية الضيقة، وتتمكن من تكوين رؤية وطنية تهتم فقط بمصالح أبناء العراق؟

Comments are now closed for this entry