من تاريخ البصرة في الحرب العظمى - د. حميد حمدان

المتواجدون الأن

150 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

الأكثر قراة

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

من تاريخ البصرة في الحرب العظمى - د. حميد حمدان

 

 

إن الإدارة  البريطانية في البصرة كانت ادارةعسكرية رغم كل ما لبست به من اطر مدينة ،  ذلك لان قوانين الحرب وحدها هي التي بررت قيامها واستمرارها ، والحقيقة  التي لابد من ذكرها هي إن الإدارة العثمانية كانت في حكم المنتهية حين احتل  البريطانيون البصرة ، ذلك لان معظم الموظفين العثمانيين ولاسيما الذين هم من أصل تركي غادروا البصرة عند الانسحاب العسكري العثماني منها ليلة 19 ـ 20 / 11 / 1914 مصطحبين معهم غالبية السجلات الرسمية وأحيانا متلفين لبعضها ، كما اختفى عدد أخر من الموظفين .

لقد بدأت أولى الإجراءات الإدارية البريطانية ليلة 21 ـ 22 / 11 / 1914 ، حين اسند الفريق باريت قائد القوات البريطانية إلى الرائد دارسي براوند Brownlow . C . A ، وكيل المدعى العام العسكري للحملة البريطانية منصب الحاكم العسكري للبصرة ، فضلاً عن وضيفته وقد وصل الأخير إلى البصرة في 22 / 11 / 1914 وسارع إلى اتخاذ الإجراءات العسكرية الفورية لتحقيق الأمن والنظام ليعطى الصورة العامة في المدينة واقعاً منتهياً.

تولى بناء الجهاز الإداري الجديد سير برسي كوكس ، وكانت أولى خطواته إجراءات أمنية تمثلت في مؤسستي الحاكم العسكري والشرطة. وكان نشاطهما كالأتي:

دائرة الحاكم العسكري

كانت مهمة هذه الدائرة الرئيسة هي تحقيق الأمن العام وإعادة الحياة الطبيعية للمدينة وقد أذاع الحاكم العسكري بياناً معاً فيه السكان إلى مواصلة إعمالهم وتسليم ما بحوزتهم من أسلحة ، ثم سير دوريات حراسة من الجيش ومنع التجول بعد الساعة التاسعة مساءاً ثم استعان بالمختارين لتوفير رجال لمجاميع الحراسة مقابل راتب شهري لكل واحد منهم قدره عشر روبيات واستقر مكان الدائرة بعد يومين من الاحتلال في القنصلية الألمانية السابقة .

اتخذ الحاكم العسكري مستشارين بريطانيين من الذين سبق لهم العمل في البلاد ولهم دراية بها هما بولارد Bullard الذي سبق له إن شغل منصب وكيل القنصل البريطاني في البصرة وتوم ديكستر Dexter الذي عمل في السفينة الحربية كوميت التي كانت ملحقة بدائرة المقيم السياسي البريطاني ببغداد ، وقد قسمت البصرة إلى منطقتين إداريتين هما البصرة والعشار وعهد بإدارة كل منهما منطقته إلى عدة محلات ونسق عمله بتعاون وثيق مع المختارين الذين أصبحوا عيوناً للسلطة المحتلة وخصص لكل منهم راتباً شهرياً قدره (20 ) روبية وفضلاً عن ذلك اختار كل وكيل للحاكم العسكري مستشارً له من وجهاء السكان .

   لقد تعددت واجبات هذه الدائرة خلال السنتين الأوليتين من الاحتلال ولكن لم تلبث إن بدأت تحدد بوضوح أكثر بمضي الوقت وثبات إقدام الإدارة الجديدة وتعدد مؤسساتها فصارت واجباتها في .

أ ) صلاحيات تنفيذية تتضمن توفير مساكن للقوات البريطانية ، وفي هذا السبيل جرى إخلاء ما يقارب سبعمائة بيت من شاغليها ، ورغم إن السلطة المحتلة قدمت بدلات إيجار لقاء ذلك إلا إن السكان ظلوا يتذمرون وبخاصة إن مبالغ الإيجار لم تكن تتناسب مع زيادة الأسعار في زمن الحرب والتي بلغت نسبة 1 ـ 4

ب ) صلاحيات قضائية لتحقيق الأمن والسلامة للقوات العسكرية المحتلة أولا وللسكان أخراً . وقد خول صلاحيات قضائية أعطى شيئاً محدوداً منها إلى كل وكلائه ومفوض الشرطة . ولم يكن للحاكم العسكري الحق في الحكم في القضايا الجريمة التي تصل إلى الخيانة الحربية والجرائم الحربية . . . وقد حددت صلاحياته في الأوامر العسكرية المرقمة 186 والصادرة في 28 / آذار / 1917 بالأمور التالية :

أ ) خرق أنظمة وبيانات الحصار . ( المفروض على ترسب المؤون إلى العثمانيين )

ب ) قضايا خرق أنظمت وبيانات البلدية والصحة والسكك الحديدية

 (ت) القضايا التي تنشأ بسبب تجهيز العمال المدنيين إلى الجيش

(ج) الغازات وهلم حرا

(د) القضايا الثانوية المختلفة

(هـ) ( الهاربون من الشرطة المدنية ) .

(و) صلاحيات بلدية

في هذا المجال مارس الحاكم العسكري معظم صلاحيات البلدية وشملت الحفاظ على الصحة العامة ومنع تفشي الأمراض ، ولذا فقد ضم ملاك الدائرة منذ نهاية شهر كانون الأول سنة 1914 طبيباً جراحاً مدنياً ، ثم ضابطين مسئولين عن شؤون الصحة في العشار والبصرة . ولقد اهتم البريطانيون بالشؤون البلدية تبعاً لأهميتها فيما يخص مصالحهم فبدأو بالحراسة الليلة وزادوا رواتب موقدي الأضواء في الشوارع ودرسوا أساليب التخلص من الأوساخ في الدور والشوارع وزادو رواتب الكناسين واتخذوا إجراءات لتحسين تجهيزات المياه ، وكان الهدف الأساس هو تأمين الوقاية الصحية لمنتسبي القوات المحتلة . وكان ضابط الصحة الملحق بالدائرة مسئولا عن ذلك فضلاً عن انه كان أيضا مديراً للسجن المدني ومستشفى الحمايات .

وقد خفت مهامه البلدية في إطار الصيانة الصحية التنفيذية في مطلع سنة 1917 حين عين سكرتيراً هندياً للبلدية . فضلاً عما تقدم إن الحاكم العسكري عني ـ وبغية ترسيخ إقدام السلطة المحتلة اجتماعياً ـ بدراسة طلبات التعويض عن الأضرار التي أصابت الممتلكات الخاصة بتأثير الحرب وقطع الأشجار لإنشاء المعسكرات وتدمير الجدران ومراقبة الملاهي ومحلات بيع المشروبات الروحية لمنعها من بيع المسكرات إلى العسكريين البريطانيين كما جرى الاهتمام بالطرق والجسور لأهميتها للمصالح البريطانية العسكرية والاقتصادية ، وكذلك وسائل النقل إذ جلبت عربات من بومباي في الهند لتشجيع استعمالها بدلاً من العربات المحلية وبغية مراقبة السيارات القليلة العاملة بين البصرة والعشار وقد فرض على أصحابها الحصول على إجازات سير مسبقاً وكان يستخدم في بعض الأحيان شرطي لإيقاف العربات وإنزال بعض المواطنين وهم في منتصف طريقهم وإعطاء أماكنهم لأي ضابط بريطاني .

(ي) صلاحيات جمع الواردات :

   إن الواردات التي عهد للحاكم العسكري بجبايتها لم تكن واضحة الحدود ، في الأشهر الأولى للاحتلال ولكنها حددت بعد ذلك اثر تأسيس دائرة الواردات ، وعندما قصرت مهمة الحاكم العسكري في هذا المجال ، على الإشراف على جميع الواردات المستحصلة من الضرائب البلدية والغرامات وبيع الطوابع وخلال السنوات الثلاث الأولى الفت الضرائب البلدية الجزء الأعظم من الواردات المجموعة بإشراف هذه الدائرة وقد اتصفت هذه الضرائب بالشمول والسعة .

اهتم الحاكم العسكري ، أيضا بمستوى الأسعار في السوق وتحديد ثمان الذهب ومنع حركة انتقاله واشرف على نشاطه المشرف البريطاني عن المصرف العثماني الإمبراطوري ونضراً لتشعب الجهات التي اهتم بها فقد منحه القائد للطورايء ارتبطت هذه الدائرة في بداية الأمر بالقيادة العمة للقوت الاحتلال وقد حولت تابعيتها بعد ذلك إلى الدائرة رئيس الضابط السياسيين وفي سنة 1919 ، وقد تسبب ذلك في نوع من الازدواج في معالجة القضايا لكون الجهتين تعالج القضايا المدنية . وبعد سنة من ذلك دمج المنصبان في شخص واحد ولكن منصب الحاكم العسكري الغي بعد الهدنة في سنة 1918 مع ذلك احتفظ الضابط السياسي بلقب الحاكم العسكري ، وضل الهدف الأساس هو تطمين المصالح البريطانية أولا .

دائرة الشرطة

   بعد انسحاب واختفاء الجندرمة ( الضبطية ) العثمانية اضطرب حبل الأمن في البصرة ولذا طلب كوكس ، بعد الاحتلال ، من حكومة الهند إن تعيره خدمات المقدم كريكس Gregson . G . E ، واسند إليه منصب مفوض ( قوميسير ) الشرطة ، في 24 / 11 / 1914 ، فشرع هذا بفتح ثلاثة مخافر في البصرة والعشار ومنطقة الميناء وفي العام التالي تم فتح مخافر في أبي الخصيب والمعقل والهارثة والفاو . واعتمد على إفراد من الشرطة كان معظمهم من المسلمين الهنود كما جلب قليل من الشرطة في الصومال وعدن ، ثم عين كريكسن عدداً من المواطنين كمساعدين له في إدارة المخافر الثلاث الأولى ، هذا وقد الفت في خارج المدن قوة نظامية سميت بــ ( شبانه ) كان رجالها من إفراد القبائل وتعمل في حدود أماكنها وتخضع لسلطة الضابط السياسيين وقد مارست أعمال الحراسة والدورية وجمع الواردات ونقل الرسائل .

  تعاون مفوض ( قوميسير ) الشرطة من الناحية الإدارية مع الحاكم العسكري إذ كان يقدم للأخير تقريراً أسبوعيا ، وخوله الحاكم سلطة قضائية محدودة لا تتجاوز الحكم بالسجن مع الأشغال لمدة ثمانية وعشرون يومياً وفرض غرامة مالية لا تزيد على مائة روبية ، وقد تنامت قوة الشرطة في السنوات التالية بعد تركز قدم الاحتلال على الرغم من أنها بقيت لمدة طويلة غير مندمجة مع السكان وأسيء أحيانا استخدام السلطة الممنوحة لموظفيها ومراتبها .

القضاء

تعطل نشاط السلطة القضائية مباشرة بعد الاحتلال ، ولذا خول الحاكم العسكري صلاحيات قضائية منح هو منها صلاحيات محدودة إلى وكلائه ومفوض الشرطة لمعالجة القضايا الجرمية التي تقطع في المدينة ، ولم يكن من ضمن هذه الصلاحيات حق معالجة دعاوي التركات والأراضي ، وتولى الضابط السياسيون النظر في القضايا المشابهة في المناطق الريفية ، والفت هيئات عسكرية للنظر في القضايا الجرمية الخطيرة ، وهكذا عولجت قضايا السكر والسرقة الطفيفة والسلطة المسلح وقد تشددت السلطة المحتلة بالنسبة للقضايا الأخيرة لمنع أي عمل مهدد للأمن مما قد يؤثر على الموقف العسكري البريطاني .

لقد امتنعت السلطة المحتلة عن تطبيق النظام القضائي العثماني السابق محتجة برحيل معظم الموظفين القانونيين ولهذا عينت ضابطاً عدلياً أقدم هو المقدم سيتورات جورج نوكس knox في السابع من نيسان سنة 1915 ، وهو محام يتكلم اللغة العربية باللهجة البدوية ، وعين هو النقيب جارلس فريز مكنزي . F . C mackenzie وهو يحسن اللغة العربية أيضا وله خبرة قانونية ، كضابط عدلي اصغر ، وكان كلاهما من الدائرة السياسية الهندية ، وعين خان بهادر ورستم علي كمساعد ضابط عدلي ، وعهد بصلاحيات الكاتب العدل إلى شركة كري مكنزي وفرع المصرف العثماني بالبصرة .    اعد نوكس مجموعة قوانين مؤقتة تستند إلى القوانين العثمانية والهندية وقد أعلنها القائد العام للقوات المحتلة جون نيكسون في 1 / 8 / 1915 وعرفت هذه المجموعة باسم ( قانون المناطق العراقية المحتلة لسنة 1915 ) ، وقد تألف هذا القانون من ستة أبواب ضمت ثلاثة وستون بنداً واستقي معظمه من القوانين الجزائية والمدينة المطبقة في الهند ، وفضلاً عن ذلك أباح القانون صلاحيات قضائية واسعة للقائد العام وله إن يمارس كل صلاحيات الحاكم العام والحكومة المحلية وصلاحيات محكمة الاستئناف المدينة العليا ، بل ويحدد طريقه عمل القانون ، كما منح القانون صلاحيات قضائية إلى الضابط العدليين هذا وقد جعلت اللغة العربية لغة رسمية في المحاكم .

لقد استمر هذا النظام القضائي حتى إعلان هدنة مودراس بين الانكليز والعثمانيين في 30 / تشرين الأول سنة 1918 ، إذ تلى ذلك توحيد للقضاء في كافة المناطق العراقية المحتلة ببيان للقائد العام البريطاني ، في 24 / كانون الأول 1918 ، ولابد الإشارة هنا إلى إن قانون المناطق العراقية المحتلة لم يطبق على المناطق على المناطق العشائرية بل أصدرت السلطة المحتلة نظاماً خاصاً في 21 / شباط 1916 على أساس نظام الحدود الهندي وسمي نظام دعاوي العشائر المدنية والجزائية وضم إحدى وعشرين مادة ، وقد حدد النظام طريقة معالجة القضايا بأنه في حالة كون أطراف النزاع أو أحداها من العشائر يستطيع الضابط السياسي ، في المنطقة إن يحيل القضية المتنازع فيها إلى مجلس عشائري أو أية هيئة تحكيمية عشائرية تؤلف بموجب العرف العشائري للنظر بها وفقاً للأعراف العشائرية في حسم القضايا .

   لقد استمر التطبيق نظام دعاوي العشائر ، وأصدرت القيادة العامة في 28 تموز 1918 ، بياناً موسعاً لتطبيقه في المناطق المحتلة كافة ، علماً بان لهذا النظام مخاطر اجتماعية عديدة ، إذا انه يقسم المواطنين إلى مدنيين وعشائريين من حيث تعاملهم مع القضاء فيقضي بذلك على فكرة شمول القاعدة القانونية ، كما إن معظم الأحكام تصدر بصورة كيفية .

إن مدة الاحتلال البريطاني للبصرة ، تميزت بزيادة في عدد السجناء بصورة تدريجية ، وربما يعود ذلك إلى تغيير الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية خاصة وان البصرة شهدت خلال هذه الفترة زيادة ملحوظة في عدد الوافدين إليها من أماكن مختلفة ، مما سبب في حالات كثيرة مشاكل أمنية في داخل المدينة وقد برز ذلك في تعدد جنسيات السجناء وازدحام السجن مما دفع السلطة المحتلة إلى إنشاء معسكر اعتقال صحراوي واستخدام السجناء في شتى الأعمال التي تخدم مصلحة السلطة المحتلة .

 

الدائرة السياسية والتنظيم الإداري

خول كوكس ، منذ الأيام الأولى للاحتلال إن يعين ضابطاً بوظائف إدارية ، كضباط سياسيين أو معاونين لهم ، وقد اتصفت مهمة هؤلاء بطابع الوساطة بين القوات المحتلة والسكان في كل الميادين وخاصة تلبية حاجات الجهة الأولى من الموارد المحلية المختلفة والعمال ، وان يوضحوا للسكان من خلال المختارين وغيرهم طبيعة الأوامر التي تصدرها السلطة المحتلة وتثمين الأضرار التي أصابت مزارع النخيل بفعل الحركات العسكرية مع تقدير التعويضات وحسم النزاعات المدنية بين رجال العشائر ، كما إن عليهم متابعة واردات الأرض وتسجيل الأراضي ( الطابو ) والضرائب والواردات الخاصة وقضايا التبغ والمخدرات والأوقاف ـ في السنتين الأوليتين من الاحتلال ـ وصندوق إسعاف الفقراء المسلمين ، وفي الوقت الذي كان فيه الضباط السياسيون مسئولين أمام كوكس كان الأخير عضواً في هيئة أركان القوات المحتلة ومسئولا أمام القائد العام وكان ارنولد تالبوت ولسن WILSON . T . A مساعداً مباشراً له ثم أصبح وكيلاً يتولى عنه الأمور في البصرة حين يكون في الجبهة ، ولما تم احتلال بغداد انتقل ، كوكس إليها وأصبح بعد أربعة أشهر مفوضاً مدنياً CiViL COMMiSSiONER وعهد أمر ولاية البصرة إلى وكيله الذي بقي في البصرة إلى شهر أيلول سنة 1917 ثم غادرها الأخير إلى بغداد فحل محله ايفلن هويل EVeLY N HOWELL إلى إن تقرير لاسباب سياسية إلغاء التقسيمات الإدارية على أساس الولاية وتقسيم المناطق المحتلة إلى تسعة ألوية ترتبط ببغداد في شهر أيلول سنة 1918 . والغي

منصب الحاكم العسكري بعد وقت من إعلان الهدنة ـ كما سبقت الإشارة ـ ولكن في البصرة بقي الضابط السياسي يحتفظ بلقب الحاكم العسكري أيضا ، بل وأطلقت عليه جريدة الأوقات البصرية المصادرة آنذاك لقب محافظ البصرة السياسي والعسكري .

لقد كان الضباط السياسيون يرفعون تقريراً سنوية إلى الدائرة السياسية في البصرة ، تتضمن تفاصيلاً لمختلف النشاطات الرسمية والمحلية ودراسة وافيه للأحوال العامة ، وكانت توحد هذه التقارير وترسل إلى الحكومة الهند لأنها وثائق بالغة الأهمية بالنسبة للتخطيط السياسي والاقتصادي الاستعماري في المناطق المحتلة .

التقسيمات الإدارية

كان لواء البصرة يضم في تقسيماته الإدارية في العهد العثماني ،قضاء البصرة واقضية القرنة والفاو والكويت وقد كان القضاء الأخير مستقلاً من الناحية العملية ، ويتبع كل من الاقضية المشار إليها عدداً من النواحي ، فقضاء البصرة كان يلحقه نواحي أبي الخصيب وشط العرب والهارثة والزبير وقضاء القرنة يلحقه كل من المدينة وبني منصور والدير والشرش والنشوة وقضاء الفاو يلحق مركز الفاو والسيبة والمحلية ، وحين احتل البريطانيون البصرة قاموا بإعادة التقسيم الإداري في البصرة ، حيث قسموها إلى نواح هي الفاو وأبو الخصيب والهارثة وشط العرب ، وعهدوا بأمر الزبير إلى شيخها إبراهيم وتم فصل القرنة كمنطقة مستقلة ، كما قاموا بإغراء الشيوخ لتوالي شؤون الإدارة في مناطقهم لتقوية الروح العشائرية وإضعاف الوحدة الوطنية كما تقربوا إلى كبار الملاك والمتنفذين من خلال الأمر ذاته ، ولإستراتيجية موقع الفاو جرى استثناءها ، إذ عين لإدارتها في معظم الأحيان الموظف البريطاني المسئول عن محطة البرق .

وكان كل مدير ناحية يستمد صلاحياته من صلاحيات مساعد الضابط السياسي في المنطقة الذي كانت له صلاحيات واسعة ، ولقد بقي هذا التقسيم الإداري قائماً في البصرة حتى أواخر سنة 1918 ، حين حلت ولايتي بغداد والبصرة وأعيد النظر في تقسيمات الإدارة بالبصرة فدمجت القرنة بالبصرة في لواء واحد يضم عدداً من الاقضية والنواحي .

البلدية

   كان آخر رئيس لبلدية البصرة في العهد العثماني ، هو صالح بك آل عبد الواحد ، ولقد سبق القول بأنه بعد الاحتلال البريطاني أصبحت معظم مهام البلدية ضمن واجبات الحاكم العسكري في المناطق المدينة وضمن واجبات الضابط السياسي في المناطق الريفية تساعده في ذلك هيئة محلية تضم بضعة أشخاص من كبار الملاك والتجار والمتنفذين .

لقد استمرت المهام البلدية تسير بهذه السبل إلى مطلع سنة 1917 حين نسب موظف هندي لإدارة الشؤون البلدية في 1 / أيار من العام المذكور وقد رفع في 1 / 1 / 1918 إلى منصب سكرتير البلدية واستمر الأمر كذلك إلى نهاية شهر تموز حين عين لأول مرة ، في 30 / 7 مفوض بريطاني للبلدية municipal commissioner هو الرائد نوري بري P ، F Norbarg وقد تعزز موقف مفوض البلدية اثر إلغاء منصب الحاكم العسكري بعد إعلان الهدنة بمدة وجيزة ، إذ عهد إليه بواجبات كثيرة كانت ضمن مهام المنصب الملغي وقد بقي الأمر كذلك إلى سنة 1920 ، علماً إن السلطة المحتلة ، في البصرة ألفت هيئة استشارية من كبار المتنفذين من السكان بدلاً من المجلس البلدي .

الخدمات العامة

   علمت السلطة المحتلة من خلال الخدمات العامة على ضمان مصالحها أساسا لذلك فأن ما حصل عليه السكان من خدمات هو أمر فرضته طبيعة الأحوال والدوافع المصلحية للمحتلين كتشجيع المواطنين للتعاون معها ، كما إن تحسن الصحة العامة ، مثلاُُ يؤمن سلامة القوات المحتلة صحياً ويجعل المواطنين أكثر انتاجاًَ في العمل المصاحب للحركات العسكرية وفي المجالات الاقتصادية الأمر الذي يفيدهم كمستغلين للجهود وجامعين للضرائب المفروضة على النشاط الاقتصادي .

   احتوت الخدمات المقدمة مجالات متعددة ، كالتعليم والصحافة والمكتبات والصحة ومشاريع تنظيم الطرق والجسور وغيرها ، ولعل ابرز ما قدم من خدمات من حيث ارتباطها بحياة السكان كان الخدمات الثقافية متمثلة بالتعليم والصحافة .

عند احتلال البصرة كان هناك مدرسة واحده هي دار للمعلمين ومدرسة ثانوية في البصرة وثلاث مدارس ابتدائية موزعة في البصرة والعشار وأبي الخصيب ومدرسة ابتدائية صغيرة في الدعيجي تصرف عليها دائرة أراضي السنية ( التاج ) ، والى جانب ذلك كانت هناك الكتاتيب التي تعلم القرآن الكريم والكتابة العربية في المساجد والجوامع وتصرف عليها دائرتا الأوقاف والمعارف ، ومن ناحية أخرى هناك مدارس تبشيرية مثل مدرسة البعثة التبشيرية الأمريكية وهي بقسمين ابتدائي وثانوي ومدارس الآباء الكرمليين والكنيسة الكلدانية ومدرسة الاليانس اليهودية .

توقفت التدريسات في المدارس الحكومية بعد الاحتلال ، بسبب رحيل المعلمين التابعين كافة إلى دائرة المعارف العثمانية ، واستمرت الأوضاع كذلك إلى شهر كانون الثاني 1915 ، حين سبب هنري كوبوي دوبس H . DObbS كضابط للواردات ، إذ ربط التعليم بهذه الدائرة فبدأ بدراسة الأمر بالتعاون مع د . جون فانيس j . VANESS عضو البعثة التبشيرية الأمريكية وقد رفع دوبس تقريراً بالموضع وأشار إلى انه لولا حاجة الدوائر الحكومية لخدمات المواطنين المتعلمين وخوف من اتهام البريطانيين بعدم الاهتمام بالتعليم لما كان ينصح بفتح أية مدرسة خلال السنتين التاليتين للاحتلال .

   ويكشف هذا الموقف عن النظرة المصلحية البريطانية للخدمات العامة ويمكن تعميم هذا الرأي بالنسبة لكل الخدمات ، وقد فتحت مدرسة ابتدائية في البصرة وأخرى في أبي الخصيب ، في شهر تشرين الأول 1915 ومنحت مساعدة إلى مدرسة البعثة التبشيرية الأمريكية لقاء تقديمها من ملاكها معلمين عرب للمدرستين الحكوميتين التي أصبحت تشرف عليها وتدرب ثلاثة معلمين سنوياً . وقد جلبت الكتب المدرسية من مصر واستمر استخدامها ست سنوات وصارت تدرس اللغة العربية واللغة الانكليزية معاً في جميع الصفوف ، هذا وقد استحصلت السلطة المحتلة من كل طالب روبية واحدة كأجور مدرسية شهرية .

   زاد عدد المدارس في مركز البصرة ، وكان لغاية شهر آذار سنة 1917 يضم أربعة مدارس تبشيرية ومدرسة يهودية فضلاً عن المدرسة الحكومية وكانت قد

فتحت مدرسة في الزبير في شهر حزيران سنة 1916 ، وفي القرنة في النصف الثاني من سنة 1917 بينما تأخر التعليم الثانوي إلى أواخر السنة الأخيرة حين فتح صف ثانوي في أبي الخصيب واكتفي في مركز البصرة بمدرسة البعثة التبشيرية الأمريكية أما فيما يخص تعليم البنات فنجد إن المحتلين قدموا مساعده ماليه إلى المدرسة الأمريكية للبنات التي كانت قد تأسست في البصرة سنة 1910 ، وأسست مدرسة أخرى بإشراف الراهبات . وفي القرنة فتح صف لدوام البنات والصبيان الصغار في الصباح ويداوم بعد الظهر الأولاد الكبار ، وكان إقبال الطلاب جيداً على وجه العموم ، قياساً لتلك المرحلة التاريخية وظروفها الاجتماعية .

   فصلت المعارف عن دائرة الواردات ، في سنة 1918 ، وتم دمج إدارتها في البصرة مع تلك التي أسست في بغداد ، واسند الإشراف عليها إلى الرائد بومن H. E . BOWMAN في 22 / آب .

   إن المنهج التعليمي الذي طبق في البصرة كان غريباً عن البيئة المحلية ولم يكن يتناسب مع مدارك الطلاب قياساً لأعمارهم فيما يخص السنتين الأوليتين من الدراسة الابتدائية ، كما انه كان مزدحماً بالمواد الدراسية وقد انصب الاهتمام على تعليم اللغة الانكليزية أكثر من اللغة العربية في محاولة لتكوين جيل يخدم في دوائر المحتلين ويتعاطف معهم . وقد خرجت من الناحية الفعلية عناصر نصف متعلمة .

الصحافة

   تعطلت الصحف الوطنية اثر دخول القنوات البريطانية ولم يصدر منها سوى عدد واحد لجريدة الدستور البصرية ، التي كانت تصدر قبل الاحتلال وتدافع عن القضايا الوطنية وقد حمل الرقم 116 واورخ في الجمعة 13 / 12 / 1914 واحتوى على بيانات السلطة المحتلة وعرض الأوضاع العامة في البصرة عشية الانسحاب العثماني منها وتقدم محرر العدد بطلب إلى السلطة المحتلة راجياً زيادة عدد المترجمين في الدوائر الرسمية . ولم يصدر بعده أي عدد آخر . بل اصدر البريطانيون جريدة الأوقات البصرية وجملة نشرات أخرى بعد إن صادروا مطبعة الولاية الرسمية واشتروا المطبعتين الأخريين ، كما انشأوا مطبعة خاصة بهم ألحقت في البدء بجريدة

الأوقات البصرية حتى شهر تشرين الأول سنة 1916 حين الفت لها هيئة خاصة لإدارتها وبنهاية مدة الاحتلال عهد بها إلى شركة ذات مسؤولية محدودة .

كان أول عدد لجريدة الأوقات في 29 / 11 / 1914 باللغة الانكليزية واستمرت على شكل نشرات يومية وصدرت الطبعة العربية في أوائل سنة 1915 وتعاقب على تحريرها عدد من المحررين البريطانيين من أشهرهم جون فيلبي. وقد تطورت إلى أربع صفحات وأصدرت في سنة 1916 نسخة باللغة الفارسية بصورة أسبوعية . هدف المحتلون من إصدار الجريدة إلى تحقيق تأثير سياسي ومعنوي على السكان ودعم القوات البريطانية المحاربة ، ولهذا كانت ترسل نسخة مجانية منها إلى الجنود البريطانيين في الجبهة ، وقد عرضت الصحيفة بمقالاتها المختلفة بالعهد العثماني بينما كانت تمجد أعمال البريطانيين وتدعوا السكان إلى التعاون مع المحتلين هذا وقد نقلت ملكية الطبعة العربية من الجريدة على شكل امتياز إلى سليمان بك الزهير في أوائل شهر نيسان سنة 1920 واستمرت الجريدة بالصدور إلى سنة 1921 حين احتجبت

   

 

 

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث