fريطانيا تعيد مستقبل الاقتصاد العالمي إلى الميزان - سلام سرحان

المتواجدون الأن

103 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

fريطانيا تعيد مستقبل الاقتصاد العالمي إلى الميزان - سلام سرحان

 

أعادت بريطانيا مستقبل الاقتصاد العالمي إلى الميزان بعد أن أعلنت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي أمس عن إجراء انتخابات عامة مبكرة، ستكون بمثابة استفتاء ثان على عضويتها في الاتحاد الأوروبي.

من المرجح أن تكون الانتخابات أحد أكبر الأحداث العالمية، بعد أن فجر استفتاء يونيو الماضي مخاوف عالمية واسعة لا تقف عند تهديد مستقبل بريطانيا أو الاتحاد الأوروبي بل تمتد إلى مجمل الاقتصاد العالمي.

الاستفتاء الأول أشعل موجة السياسات الشعبوية التي تميل إلى الانعزالية والحمائية وأسقط الحجر الأول في دومينو امتد إلى الولايات المتحدة وأيقظ الحركات الانفصالية في الكثير من دول الاتحاد الأوروبي.

الخطوة البريطانية لم تكن مستبعدة بسبب استعصاء مفاوضات الخروج التي فجرت الكثير من الملفات الساخنة، وكان متوقعا أن تبحث بريطانيا عن سبيل لمراجعة موقفها حين تكشف حجم الثمن الباهظ الذي يمكن أن تدفعه لإتمام الطلاق التام.

من المؤكد أن يكون التصويت في الانتخابات العامة على البريكست فقط، وستكشف الأحزاب عن موقفها الواضح وتعهداتها من البقاء أو الخروج من الاتحاد الأوروبي.

سيحدث زلزال هائل في الولاءات الحزبية ونوايا التصويت بحسب موقف الأحزاب من البريكست، ولن يكون الناخبون معنيين بأي سياسات أخرى باستثناء موقف الأحزاب من البريكست.

قد يتكرر ما حدث في الانتخابات الفرعية في مقاطعة ريتشموند معقل حزب المحافظين، حين صوتت الأغلبية الساحقة لحزب الديمقراطيين الأحرار، لتعاقب حزب المحافظين على موقفه من الانفصال.

من المرجح أن تحشد جميع الشركات الكبرى والمصارف طاقاتها للتأثير في الرأي العام والتصويت للأحزاب التي تؤيد البقاء في الاتحاد الأوروبي.

كما ستحشد أوروبا المهددة بتبعات الانفصال طاقاتها للتأثير في الانتخابات البريطانية.

الانتخابات المقبلة هي الاستفتاء الحقيقي على عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي بعد أن تكشفت الحقائق والأوهام والثمن الباهظ للبريكست

وقد تفكر الصين واليابان ودول أخرى تخشى من تصاعد السياسات الحمائية التي تهدد حركة التجارة العالمية، في التأثير في الانتخابات البريطانية التي ستكون لها تداعيات كبيرة على مستقبل الاقتصاد العالمي.

من الواضح أن رئيسة الوزراء البريطانية أجبرت على اتخاذ هذه الخطوة المبكرة بعد الرفض التام الذي أبداه زعماء الاتحاد الأوروبي لأي مساومة بشأن حقوق دخول السوق الأوروبية الموحدة.

كان موقف معظم الدول الرئيسية في الاتحاد الأوروبي صلبا في منع خروج بريطانيا بيسر وسهولة دون التعرض لكارثة اقتصادية، بسبب خشيتها من أن يؤدي ذلك إلى تفكك الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو وتبعات هائلة على الاقتصاد العالمي.

وكان من الواضح أن زعماء دول الاتحاد لن يتزحزحوا عن مواقفهم ولن يقدّموا لبريطانيا أي تنازلات، حتى لو كان ذلك يضر بالاقتصاد الأوروبي. وبدا أن بروكسل مجبرة على معاقبة لندن لكي تكون عبرة لجميع الانفصاليين في بلدان الاتحاد الأخرى.

لم تجد تيريزا ماي مفرا من الدعوة لانتخابات عامة لأن رصيدها السياسي لا يكفي لاتخاذ خطوة تكون لها تبعات كبيرة على الاقتصاد البريطاني بل ووحدة أراضي المملكة المتحدة وهي التي حلت محل ديفيد كاميرون في رئاسة الوزراء دون تفويض شعبي.

وكان البريطانيون قد بدأوا نهاية الشهر الماضي بالتحديق في تفاصيل ثمن الانفصال عن الاتحاد الأوروبي بعد إطلاق إجراءات الطلاق رسميا لتتكشف الحقائق وتزعزع أوهام معسكر الانفصال.

وسرعان ما تبخرت خلال أيام معدودة الوعود الكبيرة وظهرت الصعوبات التي لا تهدد الاقتصاد البريطاني فقط، بل بدا واضحا أنها ستعصف بكيان المملكة المتحدة بعد أن لاحت بوادر انفصال إيرلندا الشمالية حتى قبل انفصال اسكتلندا.

وصوّت نواب برلمان اسكتلندا قبل يوم من تفعيل المادة 50 من ميثاق الاتحاد الأوروبي، لصالح إجراء استفتاء ثان لتقرير مصير اسكتلندا. ويؤكد المختصون بل وبعض صقور البريكست في الحكومة البريطانية بأنه لا يمكن في نهاية المطاف منع اسكتلندا من إجراء الاستفتاء الذي سيجعل انفصالها مؤكدا.

وأظهرت وثيقة مسرّبة نشرتها صحيفة التايمز البريطانية أن وزير شؤون البريكست ديفيد ديفز كتب فيها أن سكان إيرلندا الشمالية إذا صوتوا في استفتاء لصالح الانفصال عن المملكة المتحدة فسوف يمكنهم الالتحاق بجمهورية إيرلندا والبقاء في الاتحاد الأوروبي.

وبدا واضحا أن إيرلندا الشمالية أصبحت أقرب إلى الانفصال من اسكتلندا. لأن الكاثوليك، الذين يشكلون 45 بالمئة من السكان هم من الأساس ضد البقاء في بريطانيا، ولن يحتاج الأمر سوى إلى 5 بالمئة من البروتستانت المتحمسين للبقاء في الاتحاد الأوروبي لحدوث الانقلاب في الرأي العام.

وقد يتبع انفصال اسكتلندا وإيرلندا الشمالية تململ ويلز والمطالبة بالانفصال أيضا، لتبقى لندن عاصمة لإنكلترا فقط، لأن الحياة في جبل طارق ستتوقف إذا تم قطع اتصالاتها مع إسبانيا.

كما أقر صقور البريكست بأن الهجرة إلى بريطانيا قد ترتفع بدل أن تنخفض بعد البريكست، رغم أنها كانت المحرك الأساسي لتصويت الهامشيين والانعزاليين لصالح الانفصال في 23 يونيو الماضي.

عدد المتمسكين بالحفاظ على حرية دخول السوق الأوروبية بدأ يتزايد يوما بعد يوم داخل معسكر الانفصال، وهو ما ترفضه أوروبا رفضا قاطعا إلا إذا اقترن ببقاء حرية انتقال الأشخاص.

وبدأت مخاطر الانفصال تتضح أكثر بإعلان المصارف والشركات العالمية عن خطط لنقل الكثير من نشاطاتها إلى أوروبا تحسبا لفقدان جواز دخول السوق الموحدة وهو ما يعني على الأقل فقدان جوهرة الاقتصاد البريطاني المتمثلة في أكبر مركز مالي في العالم وأكبر مساهم في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

وقد بدأت المصارف مثل أتش.أس.بي.سي وغولدمان ساكس وجيه.بي مورغن وباركليز ويو.بي.أس بإعلان خطط نقل الوظائف إلى داخل الاتحاد الأوروبي، وسوف تتنقل الآن للإعلان عن خطط أوسع في محاولة للتأثير في الانتخابات المقبلة.

موت حي المال المتوقع يمكن أن يؤدي إلى أزمة اقتصادية طاحنة في لندن، من بين أوجهها، خلو ما يصل إلى مليون وحدة عقارية من المكاتب والوحدات السكنية، لتتحول أحياء بكاملها إلى مدن أشباح، وسيتبع ذلك حتما انهيار غير مسبوق في أسعار العقارات.

لم يكن الانقلاب على نتائج الاستفتاء استنادا إلى العواقب المتوقعة ممكنا، لأنه يمكن أن يؤدي إلى انقسام واضطرابات هائلة في الشارع البريطاني قد تؤدي لانهيار البلاد. ولم يكن بالإمكان إجبار فريق فائز على التنازل دون مبررات ملموسة.

لذلك كان طلب الطلاق حتميا لكي تتكشف بعد ذلك العواقب الملموسة وتتفاعل في الشارع لحين حدوث انقلاب في الرأي العام بعد أن تصل عواقب الانفصال إلى حياتهم وجيوبهم.

هذه الانتخابات ستكون الاستفتاء الحقيقي، بعد أن شاب استفتاء يونيو الماضي الكثير من الكذب والأوهام وستكون هذه الانتخابات تصويتا حاسما على مستقبل بريطانيا بعد أن تكشفت الحقائق واتضحت تفاصيل الثمن الباهظ لمخاض الانفصال المؤلم.

أمس بدأت المعركة الحقيقة التي ستتضح نتائجها في 8 يونيو المقبل وستتجه أنظار العالم إلى بريطانيا مرة أخرى، بل ستمتد أصابعهم للتأثير في نوايا تصويت البريطانيين.

ستتبلور خلال الأسابيع الخمسة المقبلة جميع الملفات وتلقي بثقلها على الرأي العام، الذي من المرجّح أن يشهد تغييرات كبيرة تجبر البريطانيين على مراجعة مواقفهم من الانفصال.

الدعوة لانتخابات عامة تمثل اعترافا من الحكومة البريطانية بعجزها عن المضي في مفاوضات الانفصال لذلك أعادت القرار إلى الشعب ليفوض بصورة غير مباشرة من سيتولى اتخاذ القرار المصيري.

الاستفتاء السابق مثل صدمة كبيرة لقوى كثيرة لم تكن تتوقع نتائجه. وكانت على سبيل المثال نسبة تصويت الشباب المؤيدين في أغلبيتهم الساحقة للبقاء في الاتحاد الأوروبي تقل عن نسبة 25 بالمئة وقد ندموا اليوم على عدم التصويت.

من المتوقع أن تبلغ نسبة التصويت هذه المرة مستويات غير مسبوقة ليس في بريطانيا بل وفي جميع أنحاء العالم. قد يكون الامتناع عن التصويت هذه المرة بين بعض مؤيدي الانفصال الذي اختلطت الأوراق عليهم بعد رؤية عواقب البريكست.

أما بين المؤيدين للبقاء في الاتحاد الأوروبي فإن نسبة التصويت هذه المرة ستكون كبيرة جدا بعد أن تكشفت لهم الأخطار. كما أن تصاعد العداء للأجانب منذ الاستفتاء الماضي سيؤدي إلى تحول موقف الكثير من الأجانب الذين أيدوا البريكست في الاستفتاء.

خلال الأيام المقبلة ستكشف الأحزاب عن مواقفها وقد تحدث انقلابات كبيرة فيهاوقد ينشطر بعضها أو تظهر أحزاب جديدة وفقا لتوقعات موقف البريطانيين من البريكست.

Comments are now closed for this entry