مفارقات جزائرية

المتواجدون الأن

84 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

مفارقات جزائرية

في مفارقة تثير الألم والسخرية معاً هنأ الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة نظيره السوري بشار الأسد مؤخرا بعيد الاستقلال رغم معرفة القاصي والداني أن سوريا حاليّاً أبعد ما تكون عن الاستقلال، وأن الجيوش التي تحتلّها، بما فيها جيش النظام نفسه، تقوم بعروض عسكريّة وتوسّع قواعدها الجويّة وتقصف المشافي والمدارس والمساجد بل إن هذه الجيوش تطلق التصريحات العسكرية والسياسية والإعلامية رافضة التدخّلات الأجنبية وتطالب بأن يقرّر الشعب مصيره بنفسه! فتحتلّ موقع الشعب الذي تطارده بطائراتها وتحاصره بدباباتها وتهجّره ثم تهاجم الدول التي تستقبله.
التناقض الفاضح في هذه التهنئة بـ«جلاء الفرنسيين» لا تتعلّق بسوريا نفسها فحسب بل كذلك بالجزائر أيضاً التي تكشف هذه المفارقة عن انحطاط سياستها الخارجية إلى درجة غير مسبوقة.
ولو أن الأمر يتعلّق فقط بتلك الركاكة الدبلوماسية لكان الأمر هان غير أن تلك الممارسات ليست إلا تعبيراً عن بنى سياسية معطوبة داخليّاً، ولا يهم هنا إن كان رئيسها يتنقل على كرسيّ متحرّك، كما هو الحال مع بوتفليقة، أم كان شاباً رياضياً، ولعلّ ما يجري حاليّاً هناك فيما يتعلّق بالانتخابات البرلمانية التي ستقام بداية الشهر المقبل يعطي صورة مكثّفة عن ذلك العطب السياسي المزمن.
العملية الانتخابية الجزائرية ستكون، كما هو الأمر في كلّ البلدان العربية، تحت إشراف وزارة الداخلية، و«اللجنة المستقلة لمراقبة الانتخابات» التي تضم 410 أعضاء جرى تعيينهم كلهم من قبل الرئيس الجزائري، وهو الأمر الذي دفع أحزابا وشخصيات سياسية للدعوة لمقاطعة الانتخابات التي يعتبرونها «مسرحية سياسية» تنظمها السلطة وتقرر نتائجها.
السلطات، من جهتها، أعلنت أنها لن تسمح للأحزاب والشخصيات المقاطعة بالترويج لحملة مقاطعتها، وهو أمر يناقض فكرة حرية التعبير التي يمنحها الدستور، والتي تعتبر أساساً لأي انتخابات ذات معنى.
في المقابل، وبعد انتباه السلطات للفتور الشعبي الواضح والإحباط من فكرة الانتخابات فقد جنّدت وزارة الشؤون الدينية الجزائرية المؤذنين والأئمة وموظفي المساجد لاستخدامها في إقناع مرتاديها بالمشاركة في الانتخابات، وهو أمر، يكشف بجلاء، كذبة كبيرة تروّجها الأنظمة والنخب المتعاطفة معها حول قضايا ما تسمّيه «الإسلام السياسي»، ويعني، كما هو رائج، الأحزاب التي تروّج ضمن برامجها السياسية للإسلام، كما لو أن ما تقوم به السلطات العربية كافّة، من استخدام للدين الإسلامي، لا يدخلها ضمن تلك اليافطة التي تتهم خصومها الأيديولوجيين بها.
ملخّص القول إن الأنظمة كافة، وحتى الأحزاب التي تدّعي اعتمادها علمانية مقتطعة من سياقها التاريخي الأوروبي، لا تستطيع تجاهل الإسلام بما هو أحد أكبر محمولات الهوية الثقافية للشعوب الإسلامية، ولكنّها، لدافع سياسي انتهازي، تريد أن تحتفظ بـ«الإسلام» لاستعمالها الخاص، فترفع راياته حين تريد، وتهاجم دعاته حين يحاولون محاسبتها على فسادها وطغيانها وانتهاكاتها المريعة.
يشكّل الدين محمولاً رمزيّاً كبيراً في أحزاب «المسيحية الديمقراطية» الأوروبية، وطبعاتها المختلفة في يمين الوسط كالمحافظين في بريطانيا والديغوليين في فرنسا، أو اليسار، كـ«شن فن» الإيرلندي، أو اليمين المتطرف كـ«الجبهة الوطنية» الفرنسية والبريطانية، وهذا لم يمنع السلطات الأوروبية من منعها بدعاوى «المسيحية السياسية»، او ادعاء أنها تحتكر النطق باسم المسيحيين، وهذا ما يكشف هزال السياسات العربية، ونفاق أنظمتها سواء ادّعت العلمانية أم اعتبرت نفسها مرجعيّات دينية.

القدس

Comments are now closed for this entry