فكتور خارا: أشغال التاريخ - صبحي حديدي

المتواجدون الأن

142 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

فكتور خارا: أشغال التاريخ - صبحي حديدي

قبل أيام رحل مايكل بيكام (1939 ـ 2017)، الصحافي البريطاني الذي لُقّب ذات يوم بـ«شارلز دكنز التلفزيون»، اتكاء على منجز حافل تجاوز أكثر من 80 شريطاً وثائقياً وبرنامجاً إخبارياً، ذاع صيتها ولا تزال حاضرة في مكتبة الصحافة التسجيلية العالمية. ولعلّ برنامجه الشهير World in Action، الذي اعتادت أن تبثه قناة غرانادا، وتعاقبت حلقاته خلال الفترة بين مطلع الستينيات وأواخر التسعينيات، كان الوحيد الذي هزم «بانوراما» البي بي سي من حيث معدلات الإقبال الجماهيري: 13 مليون مشاهد، مقابل 9 ملايين.
ولا يُذكر بيكام إلا وتُستذكر أشرطته الوثائقية حول حرب فييتنام، وجرائم النازية، ثمّ تغطية الانقلاب العسكري في تشيلي، في11/9 (نعم!) سنة 1973 . يومها انقضت الطغمة العسكرية التشيلية على التجربة الديمقراطية الفتية في ذلك البلد، وأجهضتها، واغتالت الرئيس الشرعي المنتخَب سلفادور ألليندي، الاشتراكي وزعيم تحالف «الوحدة الشعبية»، بدعم مباشر من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وبموافقة الرئيس الأمريكي ريشارد نكسون، وتنظير جيو ـ سياسي وفلسفي من أحد أشهر وزراء خارجية الولايات المتحدة: هنري كيسنجر.
قبل ذلك اليوم المشؤوم، كانت تشيلي الديمقراطية الأكثر استقراراً في عموم أمريكا اللاتينية، إذْ أنجزت انتخابات رئاسية، وانتخابات برلمانية بمجلسَيْن، وأتاحت ازدهار صحافة حرّة وحيوية. بعد 11/9، إثر الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال أوغستو بينوشيه، تمّ حلّ البرلمان، وتأسيس جهاز أمن سرّي سارع إلى شنّ حملات اعتقال واسعة النطاق، وتعيين حكّام عسكريين لإدارة الجامعات، وحظر الأحزاب السياسية والنقابات العمالية، و… حظر الاستماع إلى أسطوانات المغنّي والموسيقيّ والشاعر والأستاذ الجامعي فكتور خارا.
وكان خارا قد اعتُقل صبيحة اليوم الثاني للانقلاب، في حرم جامعة سانتياغو، واقتيد مع آلاف من الطلاب إلى ستاد رياضي، حيث شرع الجلادون في تكسير أصابعه، رمز غيتاره وموسيقاه الشعبية الملتزمة، باستخدام الهراوات وأعقاب البنادق. وفي اختتام ثلاثة أيام من الإذلال والتجويع والتعذيب الوحشي، استشهد خارا رمـــــياً بالرصاص، وكان في الواحدة والأربعين من عمره، ليس قبل أن يفلح في كتابة قصيدة أخيرة، متشبثة بأمل مديد، أخفاها في حذاء أحد السجناء، واختتمها هكذا: «ولسوف تزهر اللحظة! سوف تزهر اللحظة!». وضمن تغطياته الوثائقية للانقلاب ذاك، كان بيكام آخر صحافي يلتقي بالشاعر/ المغنّي الشهيد، ويجري معه حواراً فريداً رسخ في ذاكرة تشيلي، كما في أفضل إنجازات التلفزة الوثائقية. 
وفي صيف 2008، وجّه القاضي التشيلي خوان إدواردو فوينتيس تهمة القتل العمد إلى العقيد ماريو مانريكيز، الضابط المسؤول عن السجن الذي شهد اغتيال خارا، وطلب الإبقاء على العقيد قيد الاعتقال حتى استكمال أسماء المتورطين معه في تلك الجريمة. لاحقاً، سنة بعد سنة، أخذت أسماء القتلة تتكشف، وافتُضح مجرمو الحرب الذين وأدوا ربيع تشيلي الديمقراطي، وظنّوا أنّ المخابرات المركزية الأمريكية كفيلة بمنحهم حصانة أبدية. وبالطبع، أشهر هؤلاء كان الجنرال بينوشيه نفسه، كبيرهم الذي علّمهم السحر وأباح لهم الاعتقال الجماعي والإعدام الصوري، حين تمّ توقيفه في لندن، خريف 1998، بناء على مذكّرة وقّعها القاضي الإسباني الشهير بالتازار غارثون، وتضمنت اتهام الجنرال المتقاعد بارتكاب المذابح الجماعية والإرهاب الدولي والتعذيب والخطف.
أخيراً، وقبل أشهر، توصلت هيئة محلفين في أورلاندو، ولاية فلوريدا الأمريكية، إلى قرار بإدانة الضابط السابق في الجيش التشيلي، بيدرو بابلو بارينتوس نونييز، بتهمة اغتيال خارا، الأمر الذي سيفتح الباب أمام ترحيله من أمريكا، حيث يقيم، إلى تشيلي، لمحاكمته في بلده الأمّ.
والحال أنّ هؤلاء القتلة كانوا أدوات منفّذة، صمّاء عمياء غاشمة، لم تبلغ أبداً شأو الدماغ الأعلى المخطّط، في واشنطن، ولهذا يتوجب أن تتحوّل مثل هذه القضايا إلى منبر عريض لمحاكمة حقبة السبعينيات في السياسة الخارجية الأمريكية، وفضح دسائس تخريب الديمقراطيات الوليدة هنا وهناك في العالم، مقابل صناعة الدكتاتوريات وحماية أنظمة الاستبداد والفساد. رجال تلك الحقبة يواصلون التمتّع بحصانة مطلقة، تغسل أيديهم تماماً من أدوار قذرة شتى لعبوها وراء هذا الجنرال أو ذاك الدكتاتور. رجل مثل كيسنجر لم يصبه من قضية انقلاب تشيلي أيّ أذى، هو القائل، بلسان بارد كالصقيع، إن الولايات المتحدة في موقفها من الانقلاب كانت «مخيّرة بين الديمقراطية والاقتصاد، وكان طبيعياً أن تنحاز إلى الاقتصاد»!
لكنّ مفارقات اليوم، وهي كذلك بعض أشغال التاريخ ودروسه، أنّ تشيلي ديمقراطية مستقرّة، وقضاءها يعمل بحرّية، مثل صحافتها وأحزابها ونقاباتها وفنونها، وأنّ المغنّي الأمريكي الشهير بيتر سيغرز، أحد كبار أساتذة موسيقى الـ»فولك»، كان أوّل مَن أدّى قصيدة خارا الأخيرة باللغة الإنكليزية، والمكان، الذي شهد إعدام الشاعر المغنّي، صار اسمه الرسمي «ستاد فكتور خارا». 
وثمة ما يعزّي، أيضاً، في حقيقة أنّ بيكام صاحب أعمال وثائقية مبهرة حول الكومبيوتر الأول في التاريخ (أو «جهاز أنتيكيثيرا» الإغريقي الذي يعود إلى 2000 سنة خلت، ويعتبر أول ساعة فلكية معقدة)، وغابات الأمازون وأدغال كينيا، وفضائح المخابرات المركزية… كان، كذلك، هو الصحافي الذي تنبّه مبكراً إلى موقع خارا في الوجدان الوطني التشيلي، في الموسيقى كما في السياسة، وفي وجه بينوشيه كما ضدّ… كيسنجر!

 

Comments are now closed for this entry