حماس الجديدة: تبدلت الأزمنة فتقادمت الحقوق؟ - صبحي حديدي

المتواجدون الأن

59 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

حماس الجديدة: تبدلت الأزمنة فتقادمت الحقوق؟ - صبحي حديدي

هل تبدّلت «حركة المقاومة الإسلامية»، أو حماس في الاختصار الشهير، على أيّ نحو جوهري، حقاً؛ استناداً إلى جديدها السياسي والعقائدي الأحدث، كما تمثّل في «وثيقة المبادئ والسياسات العامة»، التي أعلنها رئيس المكتب السياسي للحركة، خالد مشعل، قبل أيام؟ أو، في صياغة أخرى لمحتوى السؤال ذاته، ما الذي أدخلته وثيقة أيار (مايو) 2017، من تعديلات ملموسة أو نوعية، على ميثاق الحركة التأسيسي الذي صدر في آب (أغسطس) 1988؟ وهل تصلح، في هذا، إجابات من طراز الـ»نعم»، أو الـ»لا»؛ أم أنّ مزيجاً جدلياً من التأكيد والنفي، معاً، هو الأصلح؟
لعلّ اعتماد الخيار الثالث هو الأكثر احتواء على عناصر وقائعية تتيح تلمّس طبيعة الخطوة الحمساوية الأخيرة؛ خاصة وأنّ سياقات ولادة هذه الخطوة لم تكن طارئة وضاغطة وملحّة، من النوع الذي جعل ياسر عرفات يطلق على الميثاق الوطني الفلسطيني صفة التقادم (الـ»كادوك» الشهير)، من قلب العاصمة الفرنسية، في مثل هذه الأيام، سنة 1989. خاصة، أيضاً، وأنّ حماس تجاوزت ميثاقها التأسيسي مراراً، عملياً ونظرياً؛ في انضمامها إلى منظمة التحرير الفلسطينية، والرسالة الشهيرة إلى الشيخ عبد الحميد السائح، رئيس المجلس الوطني الفلسطيني يومذاك، بادئ ذي بدء.
هنالك، أيضاً، «المذكرة التعريفية»، لعام 1993 (جاء في البند الأول، على الصعيد الفلسطيني: «ترى حماس أن ساحة العمل الفلسطيني تتسع لكل الرؤى والاجتهادات في مقاومة الاحتلال الصهيوني، وتعتقد أن وحدة العمل الوطني الفلسطيني غاية ينبغي على جميع القوى والفصائل والفعاليات الفلسطينية العمل من أجل الوصول إليها»). وكذلك الانضواء تحت «إعلان القاهرة»، 2005 (الذي نصّ، بين بنود أخرى، على «أنّ الحوار هو الوسيلة الوحيدة لتعامل بين كافة القوى دعماً للوحدة الوطنية ووحدة الصف الفلسطيني وعلى تحريم الاحتكام للسلاح في الخلافات الداخلية»، فضلاً عن تعهد حماس بالمشاركة في الانتخابات التشريعية).
والخيار الثالث قد يكون الأنفع في ضوء حقيقة كبرى مركزية، تفيد بأنّ حماس إرث معقد، ليس متجانساً تماماً كما قد يلوح للوهلة الأولى؛ وبالتالي ليس أمراً غير منتظَر أن تتبدّل معطيات ذلك الإرث مع تبدّل الأزمان، وأن تتقادم المبادئ أو تتراجع أولوياتها، أو تُراجَع بين حين وآخر، على نحو جذري أحياناً. الحركة، أولاً، وأنى ذهبت تلميحات «وثيقة المبادئ والسياسات العامة»، هي الوريث الأهمّ لجماعة «الإخوان المسلمين» في فلسطين. والواقعة التاريخية تقول إنّ سبعة من كبار قيادات الجماعة التقوا في أواخر سنة 1987، وأعلنوا تأسيس حماس، وهم: الشيخ أحمد ياسين وإبراهيم اليازوري ومحمد شمعة (ممثلو مدينة غزة)، وعبد الفتاح دخان (ممثل المنطقة الوسطى)، وعبد العزيز الرنتيسي (ممثل خان يونس)، وعيسى النشار (ممثل رفح)، وصلاح شحادة (ممثل منطقة الشمال). كذلك شهدت مرحلة التأسيس صعود قياديين من أمثال خليل القوقا، موسى أبو مرزوق، إبراهيم غوشة، وخالد مشعل.
ثانياً، وعلى خلاف ما يتردد اليوم من أنّ الحركة تخلت عن العداء للسامية في الوثيقة الجديدة، لم يكن ميثاق الحركة، الذي صدر في صيف 1988، يعطي لليهود الذين احتلوا فلسطين عام 1948 حقّ الاستيلاء على البلد؛ ولكن الحركة لم تكن تعادي اليهودية في حدّ ذاتها، بل اعتبرتها ديناً سماوياً. كذلك اعتبرت مقاومتها للاحتلال الإسرائيلي «صراع وجود وليس صراع حدود»، ونظرت إلى إسرائيل كجزء من مشروع «استعماري غربي صهيوني»، يهدف إلى تمزيق العالم الإسلامي والعربي وتهجير الفلسطينيين من ديارهم. ولهذا آمنت الحركة بأن الجهاد بأنواعه وأشكاله المختلفة هو السبيل لتحرير التراب الفلسطيني، ورأت أنّ مفاوضات السلام مع إسرائيل مضيعة للوقت ووسيلة للتفريط في الحقوق. وخلصت حماس إلى أنّ عمليات التسوية بين العرب وإسرائيل، منذ مؤتمر مدريد عام 1991، قامت على أسس خاطئة، ولهذا فقد اعتبرت اتفاقات أوسلو تفريطاً بحقّ العرب والمسلمين في أرض فلسطين التاريخية، وساجلت بأنّ إسرائيل هي الملزَمة أولاً بالاعتراف بحق الفلسطينيين في أرضهم، وبحقّ العودة.
وعلى نقيض ياسر عرفات، لم تتعاطف الحركة مع الرئيس العراقي صدّام حسين حين اجتاح الكويت سنة 1990، وهذا ما جلب عليها تعاطف معظم الدول الخليجية، وتردد أن حماس كانت تتلقى معونات تبلغ 28 مليون دولار شهرياً، من السعودية خاصة، الأمر الذي مكّنها من الحلول سريعاً محلّ منظمة التحرير على صعيد الأعمال الخيرية في غزة. وفي سنة 1994 أعطى موسى أبو مرزوق، وكان يقيم في الأردن آنذاك، أولى الإشارات على أنّ الحركة تقبل بـ»هدنة» مع إسرائيل إذا انسحبت إلى حدود 1967، الأمر الذي أكده أيضاً الزعيم الروحي للحركة الشيخ أحمد ياسين.
خلال الانتفاضة الثانية ازدادت أنشطة حماس السياسية والعسكرية، فتعاونت مع كتائب الأقصى، التابعة لـ»فتح»، في تنفيذ عمليات انتحارية؛ وانفتحت أكثر على إيران وحزب الله اللبناني والنظام السوري، على حساب السعودية ومصر. ثمّ قفزت شعبيتها في الشارع الفلسطيني قياساً على تضحيات قياداتها (اغتيال الشيخ أحمد ياسين في آذار/ مارس 2004، ثمّ الرنتيسي، خليفته في القيادة، بعد أسابيع). وفي موازاة تعثر المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، والحصار الذي فُرض على عرفات في رام الله، ثمّ وفاته في ما يُظنّ أنه عملية تسميم، وانتخاب محمود عباس في غمرة فساد السلطة الوطنية الفلسطينية والرموز التاريخية لحركة فتح؛ كان طبيعياً أن تكتسح حماس الانتخابات التشريعية الفلسطينية مطلع 2006.
ومنذ سنة 1996، حين وقعت سلسلة من العمليات الانتحارية وتزامنت مع توقيع اتفاقيات أوسلو ـ 2، قيل إن محمد دحلان، رئيس الأمن الوقائي (جهاز الاستخبارات الأقوى في غزّة آنذاك)، تولى مهمّة تفكيك مؤسسات حماس السياسية والعسكرية. وفي صيف 2007 وقعت المواجهة الحاسمة والختامية، بين فتح وحماس، وأسفرت عن سيطرة الأخيرة على مقاليد الأمور في غزة، ولجوء الرئيس الفلسطيني إلى إقالة الحكومة وتشكيل أخرى في رام الله. وكان الصحافي الأمريكي دافيد روز قد نشر، في مجلة Vanity Fair لشهر نيسان (أبريل) 2008، تحقيقاً مثيراً عن هذا الحدث، اعتمد فيه على وثائق أمريكية رسمية عالية السرّية؛ وخلص إلى أنّ السلطة الفلسطينية وإسرائيل خططتا للانقلاب على حماس، فاستبقتهم حماس وانقلبت عليهم!
يبقى، أخيراً، أن حماس قامت، منذ البدء، على ثلاثة أجنحة قيادية: الجناح السياسي، وأداره المقرّبون من الشيخ ياسين (اليازوري، أبو شنب، الزهار)؛ والجناح الأمني والاستخباراتي، وكان يُعرف باسم «المجد»، بإدارة يحيى سنور وروحي المشتهى؛ والجناح العسكري، وبدأ من خلايا صغيرة قبل أن يأخذ صيغة فصائل عز الدين القسام كما تُعرف حالياً. وعلى امتداد السنوات، وتعاقب الأحداث والأزمات والأزمنة، استقرّت قيادة حماس السياسية على جناحين، داخلي مقيم في قطاع غزّة، وخارجي مقيم في عواصم عربية متعاقبة، وتوفّر في كلّ جناح فريق اعتدال (يقوده أبو مرزوق)، وفريق تشدّد (لعلّ الزهار على رأسه)، وفريق وسط (أبرز رجالاته إسماعيل هنية رئيس الحكومة المقالة).
وهكذا، حين تعلن وثيقة حماس الجديدة أنّ «الحقوق لا تسقط بالتقادم»، من جهة أولى؛ ثمّ تعتبر، من جهة ثانية، أنّ دولة فلسطينية على خطوط 4 حزيران (يونيو) 1967، هي «صيغة توافقية وطنية مشتركة»؛ فإنّ الحركة لا تضيف جديداً جوهرياً، في واقع الحال، وإنما تعيد إنتاج القديم، أو تعمد إلى تدويره. وعلى نحو ما، قد يصحّ القول إنّ الأزمنة التي تبدلت لم تُدخل التقادم على ميثاق الحركة، وإنْ بدا اليوم أنها فرضت على بعض الحقوق الجوهرية أن… تتقادم!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

Comments are now closed for this entry