الليلة الاخيرة للشهيد صلاح الدين الصباغ

المتواجدون الأن

142 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

الليلة الاخيرة للشهيد صلاح الدين الصباغ

 

 

في الساعة الرابعة بعد الظهر من اليوم الاول من تشرين الاول 1945، شوهد المقدم عبد القادر حسين امر معتقل ابي غريب، ومعه عدا سيارته، سيارتان عسكريتان مشحونتان بجنود من الحرس الملكي في طريق الفلوجة متجهين الى الرمادي، ولم يعرف احد بالضبط الهدف الذي يقصدونه، وفي اليوم التالي جاء جنود الحرس وهيأوا غرفة كانت خالية لصلاح الدين الصباغ الذي نشرت احدى صحف اليومية ان الحكومة التركية قررت تسليمه الى الحكومة العراقية، ان هذا الخبر سبق ان سمع في الاوساط العراقية بعد عودة الوصي عبد الاله ومروره بتركية بزيارة رسمية لها حيث فاتح رئيس الجمهورية التركية بشأنه وانه كان قد وعده بتلبية رغبته تدعيما للصلات الودية بين البلدين، شوهد المقدم عبدالقادر حسين في بغداد ،والذي ارسل الى تركيا لجلب الصباغ ،حيث عاد من سفرته من دون ان يكون معه، نشرت بعض الصحف ومنها، صحيفة الساعة- و-النداء- ان السلطات التركية سلمت الى بريطانية في حلب العقيد صلاح الدين الصباغ احد اتباع رشيد عالي والذي له ضلع كبير في ثورة العراق عام 1941، وقد علقت جريدة الاخبار على الخبر بقولها :ان السلطات العراقية قد تسلمت العقيد منذ يومين.

اما جريدة البلاد فقد نشرت البرقيةهذه مضافا اليها العبارة الاتية ( وعلى اثر اجتياز الحدود والسورية فقد اختفى العقيد، وقد اعلنت مكافأة لمن يعطي معلومات تؤدي الى القبض عليه)، كانمصدر البرقية دمشق، فيرى مما تقدم ان الاقوال بشأن تسليم العقيد واختفائه متضاربةولا بد ان الايام المقبلة القريبة ستكشف لنا عن السر.

في يوم6 /تشرين الاول/ 1945: عادت الصحف المحلية واعلنت ان السلطات المختصة قد عثرت على العقيد صلاح الدين واعادت اعتقاله وانها معتزمة تسليمه الى السلطات العراقية في اقرب وقت،وفي يوم 7منه وبعد ظهر اليوم جيء بصلاح الدين.

هبطت طائرة بريطانية في مطار الحبانية الانكليزي وكان من جملة حمولتها هو وحراسه الانكليز، والسيد احمد الراوي وزير العراق المفوض لدى الحكومتين السورية واللبنانية ومن هناك استلمته قوة عراقية مؤلفة من الحرس الملكي بقيادة المقدم عبد القادر حسين وعند استلامه خلع الجند ملابسه والبسوه لباس السجناء وقيدوا رجليه ويديه وعصبوا عينيه.

ان هروبه من القوة البريطانية في حلب كان صحيحا، ولكن تضافرت القوات المسلحة في حلب من انكليزية ومحلية وحاصروا المدينة وقيل ان احد السكان قد اخبر السلطات المختصة في سورية طمعا في المكافأة. المعلن عنها،وان هذه السلطات قد اعادت القبض عليه واعتقلته وهذا ضرب اخر من ضروب الخلق العربي الذي افسدته الاموال والاذلال والاستعمار.

وبعد ساعة من حلوله في معتقل ابي غريب اخذ لمقابلة الامير في قصر الرحاب. ومن الطبيعي ان تكون المقابلة حادة وصاخبة، ان صلاح الدين اخبر الامير بان رجالات العرب من فلسطينين وسوريين وعراقيين كالمفتي والجابري ومردم والقوتلي وطه ونوري كان لهم راي نافذ في مجيء رشيد عالي الى الحكم،ان الواقع لايشير بخير وان( الصباغ) عارف به وهوينتظر ساعته الاخيرة بهدوء.

ترددت الاخبار ان الكيلاني قد التجأ الى ابن السعود وانه الان في الرياض حيث وافق ان يلوذ بالامير محمد السعود، وهذا قد قبل دخالته، ولانعرف بالضبط الكيفية التي دخل بها الاراضي السعودية ولكن الشائع انه دخلها بجواز سفر كانه طبيب خاص لجلالة ابن السعود، وانه وصل جده على ظهر باخرة برتغالية.. 8 تشرين اول 1945: في ظهر هذا اليوم جاء كل من رئيس المجلس العرفي محمد علي سعيد والمدعي العام عبدالعزيز الخياط الى معتقل ابي غريب و استدعيا العقيد صلاح الدين وطلبا اليه ان يوضح ما كان قداجمله للامير من قبل غير انه اجابهما: بانكم حكمتموني بالموت وتريدون تنفيذه في.. فلا فائدة من اعطاء افادة او بيان ايضاح فلو اعيدت المحاكمة لافدت واوضحت.

وكررقوله( ان المسؤولين الاصليين ما زالوا مطلقين و هم سوريون وفلسطينيون وعراقيون وذكراكثر من عشرة اسماء) ثم اعيد الى غرفته واقفلت الباب.

وفي ظهر يوم 12 تشرين اول زار المعتقل مدير السجن في بغداد بصحبة طبيب السجن وقد زارا(الصباغ) في غرفته،كما انهما قد جاءا بكمية من الغذاء له وقالا ان ادارة السجون سوف تستمر على ارساله يوميا.

ولكن فجر يوم16/ تشرين اول /1945نفذ حكم الاعدام بالشهيد صلاح الدين الصباغ . لقد كانت البناية التي التي سجن فيها الشهيد الصباغ قديمة خربة وان اكثرغرفها لايصلح للسكنى،ولو ان بعضها قد رمم ، نام على الارض الا من حصيرة كانت متروكة لدى الشابندر وخشبة بالية قذرة مدت عليها، وبطانيتات مهلهلتان التقطا منهنا ومن هناك، هذا كل الموجود في غرفة فيها نافذتان صغيرتان في اعلى جدارنها عاريتان من الزجاج وبين الجدران والسقف فجوات كبيرة تضرب فيها الرياح حرة طليقة.

لم يحلق في غضون الايام الثمانية الامرة واحدة تحت اشراف عريف السجن ولم يسمح له ان يستحم ولا مرة واحدة برغم طلبه المتكرر. ان يديه ورجليه كانت مغلولة ولم تفك عن يديه الاصفاد الافى فرصة تناوله الغذاء، لم يبرح غرفته ولم يعرض نفسه لاشعة الشمس ولا لحظة واحدة، مع ان المحكومين بالاعدام لهم في كل يوم ساعات معينة يسمح لهم فيها ان يتنفسوا الهواء الطلق ويعرضوا بدانهم لحرارة الشمس ولكن(الشهيد الصباغ) كان صبورا قوي الارادة لم يأبه لهذه التوافه وكان يتلقى الصدود عن تلبية مطالبيه بشجاعة قلب ورباطه جاش، لم يمهلوه اكثر من سبع ساعات بعد نطق المحكمة بالحكم واذا كان قد تأخر تنفيذ الحكم في كامل الشبيب لمدة ثلاثة ايام فذلك لان الامير كان في المصيف ولم يكد يصل بغداد حتى اصدر الادارة بالتنفيذ وسرعان مانفذ في الليل في اول ليلة يستقبل بها المسلمون شهر رمضان المبارك فمرور الايام اذن من دون ان تحس ان فيهاحركة تشير الى تنفيذ الحكم برغم وجود الوصي في العاصمة كان علامة خبر لاسيما اذااضيف الى ذلك احتمال ان تركية لم تقدم على تسليمه الا بعد ان اخذت ميثاقا منالحكومة العراقية على ان تبقى على حياته.

ولكن في مساء امس تبددت كل هاتيك الظنون والامال لقد تبين اخيرا ان سبب التأخر لم يكن الخلاف على التنفيذ او عدمه، وانماكان على كيفية التنفيذ وطريقته فقد كان فريق من المسؤولين يرى ان يكون سرا كما هي القاعدة العامة التي نص عليها قانون العقوبات وفريق كان يرى العلن في التنفيذ ثم تغلب الرأي الاخير وتقررت علانية التنفيذ وفي المساء اعطيت لصلاح اوراق ليكتب فيهاوصيته ولما كان الوقت ليلا ونظره لايساعده على الكتابة فقد املي وصيته التي استغرقت صفحتين كبيرتين كاملتين على الملازم عدنان محي الدين.

ونظره واحدة الى مدرجاتها يتبين مبلغ متانته واحتفاظه بهدوئه ورصانته فقد كانت عباراتها متناسقة ومعانيهامنسجمة والروح التي افرغت فيها عالية سامية انه خاطب فيها ابناءه ان ينشأوا على الفكرة القومية وانه لاطفهم بعبارات رقيقة فيها شيء كثير من الدعابة والمرح.

انهاوصاهم بأن يعتمدوا في حياتهم على المهن الحرة وان لايدخلوا المداخل التي حرمتهم منع يدهم من دون ان يفيد منهم او يفيد وامنه انه شدد من عزائمهم وامرهم بأن لاييأسوامن رحمة الله ولا من عطف رجالات العرب في المستقبل وانه في الاخير اعلنهم بأن ميت تهشريفة من اجل الاغراض والغايات النبيلة ثم انه ينصحهم بان لايقيموا في العراق وان يختاروا صيدا لهم مقاما مستقرا.

ومن بعد ما انهى وصيته رتب مقابلة الوصي للمرةالاخيرة، اسعف طلبه واخذ الى قصر الرحاب وظل هناك ما يقارب الساعتين في غرفته فكانت المقابلة غير مجدية وبعد ان استقر في غرفته دخن سيجارة واحدة ثم استسلم لنوم هادئ هنئ كان لم يكن هناك شيء ينتظره.

في الساعة الثالثة ايقظة الحراس وطلبوا اليه ان يتهيأ لمغادرةالمكان، طلب اليهم ان يمهلوه دقائق معدودات ليتوضأ ويصلي فلم يمهل والتمس منهم ان يعطى له فرصة خاطفة لتوديع رفقائه الذين حلوا في هذا المعتقل فلم يسعف اعجلوه في ارتداء ملابسه ثم عصبوا عينيه واحاطت به مجموعة لتقوده الى السيارة التي نقلته رأسا الى بناية وزارة الدفاع في بغداد، ولما نزلوا به الى الارض اودعوه في غرفة منا لغرف القريبة من الباب وهناك رفعوا عن عينيه العصابة ونزعوا من رجليه القيود واصلحوا اربط يديه استعدادا للشنق في محضر من طائفة من الضباط وحين شعر بان الشنق سيكون علنا ابدى اسفه بكلمات نارية لم يطلب شيئا ولم يختلف وضعه ولم يختل توازنه اوصى ان يكون مرقده الاخير مع مراقد اخوانه الذين سبقوه في الشهادة وبعد ان شرب كوبا من الماء تقدم الى المشنقة بقدم ثابتة وارادة تقدر معنى الرجولة والشرف والتضحية في سبيل المبدأ الكريم.

لم تجر له المراسيم الدينية حيث لم يحضروا له عالما دينيا يقوم بهذه المهمة ولم يأتوا له بابنه- نزار- الذي مازال معتقلا في سجن الكوت ليقابل اباه المقابلة الاخيرة وكان من المييسور استقدامه الى بغداد وهذه ليست منة وانما هي واجب قانوني.

في تمام الساعة الرابعة علا المشنقة التي كانت قد نصبت في باب وزارة الدفاع ولم يرفع الا بعد ان دقت الساعة التاسعة وبعد ان مر من امامها الوصي في موكبه الى البلاط ولقد اجتمع حول جذعه خلق كثير اكثرهم حزن وهكذا القدر،فقد كتب في لوحه ان صلاحا يهوى العلى في الحياة وفي الموت

Comments are now closed for this entry