بداية المدارس المهنية في العراق - د. لمى عبد العزيز

المتواجدون الأن

131 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

بداية المدارس المهنية في العراق - د. لمى عبد العزيز

يعود إنشاء اول مدرسة مهنية في العراق إلى مدحت باشا الذي أنشى اول مدرسة صنائع في بغداد سنة 1288هـ/1871م من الاعانات التي جمعت من وجهاء المدينة واثريائها . اعقبها تأسيس مدارس مماثلة في الموصل . وكركوك . في حين ذكرت مصادر اخرى وجـود مـحاولة متأخرة لافتتاح مدرسة مهنية في البصرة وتحديدا سنه 1327هـ/1909م تلك الـمحاولة لـم يـكتب لها النـجاح بسبب رفض السلطات العثمانية

الموافقة على انشائها.

اولى مدحت باشا اهتماما ملحوظا لتلك المدارس وتحديدا مدرسة صنائع بغداد ويبدو أن خلف هذا الاهتمام مجموعة من الاسباب ، يقف في مقدمتها الرغبة في تعليم الايتام وابناء الاسر الفقيرة بعض الصناعات والحرف التي تعينهم على كسب قوتهم . ومن ثم امكانية الاستفادة من الملاكات المتخرجة في تشغيل المعامل والمشاريع الصناعية التي كان مدحت باشا يروم انشاءها في العراق . فضلا عن تنمية المنتجات المحلية ، وبالتالي الحد من ظاهرة إستيراد المنتجات الاجنبية من الخارج .

إقتصر القبول في هذه المدارس بالدرجة الاساس على اولاد الفقراء ، واليتامى حيث جرى توزيعهم على فروع المدرسة كالحدادة ، والنسيج ، وصناعة الاحذية والخياطة . في الوقت الذي أستوردت فيه  المكائن اللازمة لهذه المدارس من اوربا.

أما عن مدة الدراسة في هذه المدارس فكانت خمس سنوات بعد الدراسة الابتدائية يحصل بعدها الطالب على شهادة الدبلوم ، وبغية تمكين الطالب المتخرج من ممارسة حرفته قدمت مدرسة صنائع بغداد ، قرضاً مالياً للطالب المتخرج يستعين به في شراء الادوات اللازمة لممارسة المهنة التي تدرب عليها .

كانت الدراسة في هذه المدارس داخلية ومجانية وعلى نفقة الحكومة ، أما عن طبيعة الدروس فكانت على نوعين نظرية وعملية ، اشتملت الدروس النظرية على دراسة التاريخ والجغرافية ، والجبر ،والحساب ، فضلا عن دراسة عدد من اللغات كالتركية ، والعربية ، والفارسية والفرنسية . فيما اضاف نامق باشا (1899-1902) مادة الموسيقى إلى مواد الدراسة سنة 1318هـ/1900م بغية اعداد ، عدد من الموسيقيين وتدريبهم لوحدات الجيش. واشتملت الدروس العملية على البرادة والحدادة وصناعة النسيج الصوفي والحريري وصناعة السجاد والاحذية . كما استعانت هذه المدارس بعدد من الحرفيين المهرة  الذين وصل عددهم  إلى (7 ) معلمين سنة 1907. فيما لم يزد عدد معلمي المواد النظرية على اربعة معلمين فقط .

أما عن طبيعة نظام الامتحانات في هذه المدارس ، فكانت سنوية إذ يتم اجراؤها امام لجنة من الممتحنين ، كانت تضم في عضويتها عدد من الشخصيات البارزة في كل ولاية.

أوكل إلى البلديات مهمة الاشراف على مدارس الصنائع ، أما مدرسة صنائع بغداد فقد إستمر اشراف الدائرة البلدية على إدارة شؤونها حتى سنة1324 هـ/ 1906م. عندما احيلت مهمة الاشراف تلك إلى لجنة خاصة سميت بـ (مكتب صنايع قومسيوني) ، هيئة أو لجنة مدرسة الصنائع كان من ابرز اعمالها استحداث قسمين جديدين هما البرادة  وصناعة السجاد(.

عدت مدارس الصناعة مؤسسات انتاجية ، إذا اتسمت منتجاتها بالجودة وباعتراف الكثيرين منهم الرحالة وليم بيري فوك ، الذي قام بزيارة لمدرسة صنائع بغداد حيث قال عنها ذهبنا إلى مؤسسة كانت اكثر اهمية بالنسبة لي من جـميع الامـاكن التي زرتها وهـي مدرسة الصناعة للاولاد والايتام حيث وجدنا 80 غلاما … كانت تبدو عليهم علامات الذكاء

والنباهة كانت مصنوعاتهم حسنة جداً باعتبار صناعها لا يزالون صغاراً…" وقد استطاع منتسبو هذه المدرسة أن يسهموا في تركيب بعض السفن النهرية في ترسانة بغداد عوضا عن الايدي الاجنبية التي تقوم بالمهمة كما عملوا في معامل النسيج وصناعة الاحذية إلى جانب ادارتهم وتشغيلهم مطبعة الولاية.

عانت مدارس الصنائع منذ مرحلة مبكرة من مشاكل ومعوقات اثرت وبشكل كبير في سير التدريسات فيها لعل ابرزها :

1.افتقارها إلى الموارد المالية الكافية :

اعتمدت هذه المدارس على عائد انتاجها في سد مصاريفها ، الذي شكل أحد المصادر الرئيسية من مصادر تمويل هذه المدارس. فيما شكلت أموال الاوقاف المصدر الثاني من هذه المصادر . ومع ذلك لم تكن هذه العائدات لتغطي حاجات هذه المدارس ، ولا سيما  بعد تراجع الدراسة فيها نتيجة لقلة الاهتمام بهذه المدارس ، وامام الضائقة المالية ناشدت ادارتا مدرستي صنائع بغداد وكركوك بتقديم المساعدات المالية لهاتين المدرستين  ويبدو أن هذا الطلب لقي استجابة جيدة في بادئ الأمر من الاهالي والموظفين . إلا أن حملة التبرع تلك ما لبثت أن فترت بعد مدة قصيرة بدليل مناشدة طلاب المدرسة الرشدية المدنية في كركوك اهالي القضاء بالاستمرار بتقديم العون لمدرستهم ومدرسة الصنائع كي يتاح لها الاستمرار في عملها . ولمواجهة هذه المشكلة اقترح عدد من النواب  في مجلس المبعوثان العثماني ،

 

الحاق مدارس الصنائع بوزارة النافعة والاشغال العامة) وتخصيص مبالغ كافية لها من الوزارة .

يبدو أن قلة الدعم المالي لمدارس الصنائع قد اثر سلباً في نشاط هذه المدارس إلى الحد الذي توقفت فيه مدرسة صنائع بغداد عن اداء امتحاناتها النهائية لبضع سنوات . وقد افتقدت جريدة (الزوراء) الاهمال الذي أسس عليه مكتب صنائع بغداد بقولها : "لم ينل هذا المكتب منذ وقت طويل ما هو حري به ومحتاج إليه فبقي محروما من الانتظام ادارة وتدريباً .. وخرج عن كونه مكتبا ودخل في شكل منزل لمسافري الاطفال ، وقد امتد معه زمن الاهمال حتى أن الامتحان الذي هو من ايجابيات الاحوال المتخذة ترك منذ زمن يزيد على 16 سنة …".

أما بالنسبة لمدرسة صنائع كركوك فاكتنف الغموض نشاط المدرسة للمدة

بين 872 -1908(باستثناء اشارة سريعة في أحد المصادر إلى توقف نشاط هذه المدرسة التعليمي بعد سنوات من انشائها .

2. قلة اهتمام السلطات الحكومية بهذه المدارس ولا سيما بعد عزل مدحت باشا عن الولاية الأمر الذي عرض الدراسة في هذه المدارس إلى التوقف بعض الشيء ، ونخص منها بالذكر مدرستي صنائع كركوك والموصل ، ويبدو أن الدراسة في المدرسة الاخيرة قد توقفت ، إذ لم يرد أي ذكر لهذه المدرسة في المصادر العثمانية (السالنامات) ، وامام إفتقار ولاية الموصل إلى مثل هذه المدرسة ، قرر مجلس ولاية الموصل اعادة إنشاء مدرسة صنائع الموصل ، حيث حصلت موافقة السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909) على انشائها على أن يتم الصرف عليها من واردات الجسر المقام على نهر دجلة . ومع ذلك تأخر إنشاء هذه المدرسة إلى سنة1329 هـ/ 1911 م ، بدليل مناشدة جريدة (النجاح) "ارباب الحمية من أهل الحل والعقد أن يبذلوا الجهد لتأسيس مكتب الصنائع" . الذي تبرعت بلدية الموصل بتشييد بنايته(. وينطبق الحال نفسه على مدرسة صنائع بغداد التي اقتصر الاهتمام بها على بعض الجهود الفردية ، نخص منها بالذكر جهود والي بغداد نامق باشا (1899-1902) الذي ابدى اهتماما واسع النطاق بهذه المدرسة من خلال توسيعه لمناهجها الدراسية ، واقسامها العلمية ، من خلال استحداثه لقسم النجارة سنة1319 هـ/ 1901م  ، كما عمل على جلب مكائن جديدة للمدرسة من اوربا لتأسيس معمل للغزل تابع للمدرسة .

 

3. قلة اعداد الطلبة :

شكل عزوف الكثير من الاهالي عن ارسال ابنائهم إلى هذه المدارس أحد الاسباب الرئيسية في قلة اعداد طلبة مدارس الصنائع ، لانها بسبب اعتقادهم لم تكن جديرة بالاحترام ، لان الغالبية العظمى من طلابها هم من الايتام والفقراء .

أمام هذه المشاكل مجتمعة بدأ التراجع التدريجي لهذه المدارس الذي انعكس في تناقص اعداد الطلبة الملتحقين للدراسة فيها فبعد ان كان عدد طلاب مدرسة صنائع بغداد في السنة الاولى من افتتاحها (144) طالبا() انخفض هذا العدد إلى (69) طالبا سنة 1316هـ/1898م ليرتفع العدد إلى (130) طالبا سنة 1318هـ/1900م ولعل تلك الزيادة في اعداد الطلاب انما ترجع إلى الاهتمام الذي اولاه والي بغداد نامق باشا الصغير (1899-1902م) للمدرسة ، ليعود عدد الطلاب إلى الانخفاض حتى وصل إلى 70 طالباً قبيل الحرب العالمية الاولى. في حين لم يتجاوز عدد طلاب مدرسة صنائع كركوك (13) طالبا سنة 1332هـ/1913م ، ثم (15) طالبا سنة 1333هـ/1914م .

استمرت الدراسة في هذه المدارس حتى اعلان الحرب العالمية الاولى ، حيث سخر الالمان مدرسة صنائع بغداد خدمة لاغراضهم العسكرية من خلال اشراف الخبراء الالمان على اقسام المدرسة وتحويل انتاجها لمتطلبات الجيش حيث اصبح طلابها مجرد عمال يؤدون ما يطلب منهم . وفي أعقاب انسحاب القوات العثمانية من بغداد ، عشية الاحتلال البريطاني سنة 1336هـ/1917م بادرت القوات العثمانية إلى نسف هذه المدرسة ومكائنها وقامت باحراق بنايتها .

افتقرت الولايات العراقية إلى وجود مدرسة زراعية فيها ، وامام حاجة البلاد إلى الكفاءات العلمية والمدربة في هذا المجال ، طالبت اصوات بتأسيس "مدرسة زراعية في الموصل" ، نخص منها بالذكر مطالبة عدد من نواب العراق في مجلس المبعوثان العثماني وهم كل من داؤد يوسفاني ، ومحمد علي فاضل ، ومحمد علي قيدار ، كما طالبت جريدة (صدى بابل) في احدى اعدادها بوجوب أفتتاح مدرسة زراعية عالية في بغداد . وامام المطالب المستمرة بافتتاح مثل هكذا مدارس خاطب والي بغداد جاويد باشا (1333هـ/1914م) السلطات المركزية في استانبول لاستحصال الموافقات الرسمية . ويبدو ان هذه المدرسة لم يجر افتتاحها حتى نهاية الاحتلال العثماني للعراق

Comments are now closed for this entry