عندما تكون الامم المتحدة شاهد زور - يحيى الكبيسي

المتواجدون الأن

48 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

عندما تكون الامم المتحدة شاهد زور - يحيى الكبيسي

 

حظي الاحتلال الامريكي بتواطؤ دولي غطى على ممارساته في العراق، فقد كان واضحا منذ لحظة الاحتلال الامريكي للعراق، ان ثمة إرادة أمريكية استخدمت الأمم المتحدة أداة لتمرير استراتيجيتها في العراق؛ فقد طلب قرار مجلس الامن الدولي رقم 1483 الصادر في 22 أيار/ مايو 2003، الذي أقر الولايات المتحدة الامريكية والمملكة المتحدة لبريطانيا العظمى «دولتين قائمتين بالاحتلال تحت قيادة موحدة (سلطة الائتلاف المؤقتة)» من الامين العام للأمم المتحدة بتعيين ممثل خاص للعراق تشمل مسؤولياته «تقديم تقارير منتظمة إلى المجلس عن أنشطته»، فضلا عن عمليات التنسيق فيما يتعلق بالمساعدة الانسانية وإعادة الإعمار. وهو ما تحقق عبر قرار مجلس الامن المرقم 1500 الصادر في 14 آب/ أغسطس 2003، الذي قرر انشاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق مهمتها اداء المهام الواردة في القرار 1483. وقد أعاد القرار رقم 1511 تحديد هذه المهام بـ «تقديم الإغاثة الانسانية، وتعزيز الإعمار الاقتصادي للعراق وتهيئة الظروف المواتية لتنميته المستدامة، ودعم جهود إعادة وإنشاء المؤسسات الوطنية والمحلية». ليأتي القرار رقم 1770 الصادر في عام 2007 ليحدد المهمة النهائية للممثل الخاص للأمين العام ولبعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي) بأن يقوما «حسب ما تسمح به الظروف وبناء على طلب حكومة العراق» بتقديم «المشورة والدعم والمساعدة» للحكومة العراقية ومؤسساتها المختلفة. فعلى الرغم من ان القرار قد اعطى للممثل الخاص للأمين العام، وبعثة يونامي، إمكانيات عمل واسعة، إلا ان ربط ذلك بشرط «طلب الحكومة العراقية» عطل إلى حد بعيد هذه الإمكانية، وتحول دور الامم المتحدة إلى مجرد «جهة استشارية داعمة ومساعدة» خاضعة لإرادة الحكومة العراقية وليس لها أي قدرة ذاتية على الفعل او الحركة! 
في سياق هذه التحولات، كانت بعثة الأمم المتحدة حريصة تماما على عدم «إغضاب» أحد، وبشكل خاص الأمريكيين، والحكومة العراقية (ونحن نستخدم تعبير الحكومة العراقية هنا مجازيا لأن رئيس مجلس الوزراء يحتكر تماما القرار السياسي والامني فيها!). إذ لم تكن بعثة يونامي، مثلا، تصدر تقاريرها الخاصة بحقوق الإنسان قبل تمريرها على السفارة الأمريكية من أجل إقرارها، أو تعديلها! كما كانت البعثة حريصة على الحفاظ على علاقة «طيبة» مع الحكومة العراقية حتى وإن كان ذلك على حساب موضوعية التقارير ودقتها!
ويعكس ذلك إشادة الممثل الخاص الأسبق للأمين العام مارتن كوبلر، وبحضور رئيس مجلس الوزراء حينها نوري المالكي، بوضع حقوق الانسان في العراق بالمقارنة مع دول المنطقة! وذلك بعد حديث مع رئيس مجلس الوزراء العراقي عن «تمثلاته وتأويلاته» لحقوق الإنسان، التي لا ينظر اليها أصلا بوصفها حقوقا أصيلة، عالمية وغير قابلة للتحويل
Inalienable ، يتوقف بعضها على بعضها الآخرInterdependent ، وغير قابلة للتجزيء، متساوية وغير تمييزيةnon- discriminatory
 ، والزامية بمجموعها بوصفها وحدة متكاملة. وإنما ينظر اليها بوصفها انتقائية، ذات خصوصية دينية وثقافية، قابلة للانتقاص والتجزيء، وغير ملزمة. والأهم من ذلك، هي بالنسبة اليه معيارية تقاس من خلال الآخرين. يومها وصف السيد كوبلر كلمات المالكي بأنها «تعكس تماما الاجندة الموجودة على طاولة الأمم المتحدة»، وأنها تمثل «الالتزام الحقيقي والصحيح بحقوق الانسان»! واصفا العراق بأنه البلد الأكثر ديمقراطية في المنطقة! كل هذا كان يحصل بينما كانت إحدى الناشطات تعرض امام انظار المالكي صور أربعة ناشطين تم اعتقالهم على يد القوات الامنية بعد مشاركتهم في مظاهرات في ساحة التحرير! الامر الذي اضطر البعثة سريعا للتراجع عن ذلك محتجة بان الترجمة لم تكن دقيقة! 
في حادثة اخرى تعرضت البعثة، عبر شخص معاون الممثل الخاص جورجي بوستن، وبعد اسبوع واحد فقط من موقف كوبلر هذا، الى نقد شديد من وزير الداخلية العراقية، وصلت إلى حد مطالبته بالاعتذار! لأنه انتقد وضع حقوق الانسان في العراق بالقول «مبادئ سيادة القانون ومراعاة الأصول القانونية والحق في المحاكمة العادلة لا تزال غير مفهومة أو مطبقة بشكل عام في العراق حتى هذه اللحظة»، وبأن «» العراق يقدم ضمانات قليلة بأنه لن تتم إدانة الأبرياء ظلما في بعض الأحيان وإعدامهم نتيجة لذلك».
في إحاطته الدورية في مجلس الامن الدولي، قدم الممثل الخاص للأمين العام يان كوبيتش تقريره الاخير يوم 22 ايار/ مايو 2017، تحدث فيه بداية عن شجاعة ووطنية قوات الأمن العراقية «بما فيها قوات الحشد الشعبي»! ولا أعرف كيف يمكن وصف قوات عقائدية ترتبط بدولة خارجية مثل مليشيا الحشد الشعبي بالوطنية! ثم تحدث عن «حماية المدنيين» بوصفها «إحدى الضرورات الحتمية» وأن «قوات الامن العراقية، بما فيها قوات الحشد الشعبي، وشركاؤها في التحالف الدولي» قد دأبوا على «تكييف أساليبهم الحربية لتقليل تأثير عملياتهم على المدنيين» على الرغم من أن الصور القادمة من ساحة المعركة كانت تظهر الاستخدام المفرط للأسلحة غير النقطوية/ العشوائية وهي تقصف المدينة، وعلى الرغم من ان نسبة التدمير في الساحل الأيمن للموصل قد تجاوز 70٪ ! لكنه يعود لينقض توصيفه «لوطنية» الحشد الشعبي عندما يتحدث عن ضرورة «أن يجري تطبيق قانون هيئة الحشد الشعبي على نحو يعزز السمات اللاطائفية والمتعددة الاديان والمتعددة العرقيات لقوات الحشد الشعبي، ويوطد سيطرة الحكومة على تلك القوات ويضمن الرقابة والمساءلة الديمقراطيتين»! ويردف بالحديث عن «تقارير حول انتهاكات محتملة ترتكبها المجموعات المسلحة التي تساند الحكومة» من دون تسمية هذه «الجماعات» هذه المرة خشية إغضاب الحكومة العراقية والمليشيات معا! كما يتحدث على مضض عن تقارير حول تعرض المدنيين إلى ضربات جوية ويؤكد ان البعثة الاممية تجد الامر «شبه مستحيل للتحقق من هذه التقارير وتفاصيل ملابسات هذه الضربات الجوية» على الرغم من أن القوات الامريكية نفسها اقرت بخطأ إحدى هذه الضربات التي ادت إلى مقتل عشرات المدنيين وان صور هذه « الاخطاء» كانت واضحة!!!
وأشارت الاحاطة إلى ضرورة «العودة الطوعية والآمنة والكريمة للنازحين إلى ديارهم»! ولكنها عادت وأعربت عن قلقها المستمر «بشأن تأخير عودة النازحين إلى مناطق تم تحريرها منذ امد بعيد مثل منطقة جرف الصخر او أماكن اخرى في محافظة ديالى»! دون تحديد اسباب هذا التأخير، أو الاشارة الى القرارات الرسمية التي صدرت عن بعض الجهات بمنع مثل هذه العودة (كما في قرار مجلس محافظة بابل بعدم عودة نازحي جرف الصخر)! ولا ينسى يان كوبيش طبعا الترحيب «بالتزام حكومة العراق بتسهيل عودة النازحين»!!! ثم تتحدث الاحاطة ايضا عن أن احترام سيادة القانون لا يزال ضعيفا في العراق «فقد بات الخطف واخذ الرهائن، بغض النظر عما إذا كانت الدوافع إجرامية أو غير ذلك، مشكلة متعاظمة»! وعندما يريد شرح معنى «غير ذلك» يضطر للتعكز على ما قاله السيد مقتدى الصدر الذي اتهم صراحة «المليشيات» بحوادث الاختطاف، وتحدث عن تبعيتهم «للحشد الشعبي»! وتتحدث الإحاطة كذلك عن حالات الاختفاء التي تصفها بـ «المزعومة»! والتي وقعت في مناطق عديدة، من بينها السجر والصقلاوية والرزازة والطارمية، وان الحكومة العراقية «لم تدل بأي معلومات جديدة بخصوص ما وصلت اليه التحقيقات على الرغم من الطلبات الرسمية التي ارسلتها البعثة»! هكذا تتعاطى الامم المتحدة مع حالات الاختفاء القسري لآلاف الأشخاص! من دون الإشارة إلى ملابسات هذه الحالات، ولا إلى التحقيقات التي أجرتها السلطات المحلية فيها!
بذلك توفر الامم المتحدة، عبر بعثتها في العراق، وعبر الممثل الخاص للأمين العام، وبطريقة باتت منهجية وواضحة، الغطاء الدولي لكل ما يرتكب في العراق من انتهاكات موثقة! وليس ثمة بديل للخروج من هذا المأزق إلا بتغيير توصيف طبيعة عمل الامم المتحدة في العراق، كي لا تكون خاضعة لاشتراطات إرضاء الطرف العراقي!
ولعل المفارقة تأتي من تزامن هذا التقرير مع التقرير الذي نشرته مجلة دير شبيغل الألمانية في عددها الصادر يوم 21 ايار/ مايو 2017 تحت عنوان «وحوش لا أبطال»، يسرد فيه أحد شهود العيان من المصورين الصحافيين الذين رافقوا القوات العراقية في مواقع عدة، عددا من الجرائم التي ارتكبتها هذه القوات من قتل واغتصاب وتعذيب موثقة بالأسماء والصور!

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث