بواخر (بيت لنج) وعشائر العراق - عمار العكيدي

المتواجدون الأن

64 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

بواخر (بيت لنج) وعشائر العراق - عمار العكيدي

 

 

 

واجهت المصالح البريطانية التجارية في انهار العراق صعوبات كبيرة منذ القرن الثامن عشر فقد قامت قبائل بني كعب بإغلاق شط العرب في وجه السفن الصاعدة والهابطة معا، الأمر الذي أثار فزع السلطات العثمانية في البصرة وغضب شركة الهند الشرقية حيث كان لها مصالح في تمور هذه المنطقة. فقررت الوكالة البريطانية ارسال سفن مسلحة تتصدى لهم فقد اشتركت سفن الشركة “سوالو” و “تارتر” و “فاني” فعلا في اربع حملات بالاشتراك مع العثمانيين ضد قبائل بني كعب وكانت النتيجة هزيمة نكراء بالنسبة للحملة البريطانية العثمانية الرابعة1766-1767. وقد أضطر البريطانيون إلى رفع الحصار البحري الذي فرضته على قبائل بني كعب عام 1768  .     شهدت ثلاثينات القرن التاسع عشر نشاط بريطاني ملحوظ فيما يخص الملاحة النهرية في دجلة والفرات وقد أدى ذلك بطبيعة الحال إلى زيادة الاحتكاك بين سفن الملاحة البريطانية والعشائر القاطنة على ضفاف الانهار مما ترك ردود أفعال سلبية لدى العشائر، فقد قتل جون تايلر G. Taylar شقيق المقيم البريطاني في بغداد روبرت تايلر R. Taylar على يد اليزيديين الذين هاجموا فريقه قرب قرية تل كوجك عند محاولته مسح نهر دجلة.

وقام فرانسيس رودن جيزني F. Chsney بتدوين ملاحظات مهمة فيما يخص العشائر القاطنة على ضفاف نهر الفرات خلال عملية مسح هذا النهر عام 1830-1831. وعند عودة جيزني إلى بريطانيا حمل معه ملاحظاته التي قام بتدوينها، وفيما يخص طريق الفرات فقد ذكر أن هناك عراقيل تمنع الملاحة فيه منها، احتمال مهاجمة القبائل للسفن، وانه رأى أن التغلب على هذه العقبات أمر سهل اذا استرضيت القبائل على ضفتي النهر، وأن خطر القبائل يزول بتحضرها، ولم يكن ذلك في نظره أمرا عسيرا .      

وبالرغم من المصاعب التي واجهتها بعثة جيزني من القبائل والعشائر العربية في الحلة والسماوة والمنتفك فقد استطاعت هذه البعثة بعد حصولها على موافقة الحكومة العثمانية بموجب الفرمان الصادر في 29 أيلول 1834 من مواصلة سيرها في نهر الفرات إلى البصرة .

وفي هذا الصدد نشير إلى أن جيزني قد ابدى نشاطا كبيرا بعد دخوله أراضي العشائر العراقية العربية في الاتصال بهذه العشائر والتعرف على احوالها ومن نشاطه هذا كان أتصاله بالعشيرتين الكبيرتين ذات النفوذ في الجزيرة العراقية وعلى بادية الشام، شمر الجربا وعنزة. ولم يكن من المستطاع ان ينفذ مشروع مد خط ملاحة بخاري في الفرات الا اذا وقفت شمر الجربا وعنزة موقفا مسالما من بعثة جيزني ووضع حد للنزاع الطويل بين العشيرتين. واستطاع جيزني باساليبه السياسية التي تعضدها مدفعية الباخرة الفرات أن يعقد اتفاقية مع شيخ عشائر عنزة باسم ملك بريطانيا وبعث بها إلى رئيس الوزراء البريطاني بالمرستون Palmerston الذي رحب بعقدها حيث مكنت الإنكليز من التدخل في أمور الصحراء الشامية، وأن تجعل من عنزة عضدا لهم ضد أي هجوم على العراق) .

ومع أن بعثة الفرات لم تصادف مقاومة تذكر من قبيلتي عنزة وشمر الجربا – وربما كان هذا بسبب الاتصالات البريطانية المبكرة، فأن البعثة لقيت مقاومة عنيفة من جانب العشائر الصغيرة. وترجع هذه المقاومة إلى عوامل دينية وسياسية .

وتعد مقاومة عشيرة بني حكيم لبعثة الفرات المقاومة الأولى الجدية التي صادفت البعثة وكانت هذه العشيرة تنزل بمنطقة الخضرة .    

أما جيزني فيعلل هذه المقاومة من جانب عشيرة بني حكيم لخطأ ارتكبته البعثة في اقتطاع شجرة مقدسة عندهم، وقد ازدادت مقاومة العشائر العربية كلما تقدمت البعثة جنوبا من سوق الشيوخ لاعادتها من حيث أتت ومنعها من متابعة سيرها في الفرات حتى لا تصعد إلى دجلة . بل أن شيخ المنتقك أصدر اوامره فعلا بعدم التعاون مع البعثة وعدم تموينها بالفحم أو المؤن الأزمة .   كما هدد بأنه سيحرق الباخرة اذا مرت بديرتة ولم يثن الشيخ عن متابعة مقاومة البعثة سوى خشيته مما سيترتب على ذلك من دخوله في نزاع مع حكومة بغداد.

مع هذا فقد لعبت عوامل أساسية اضعفت مقاومة العشائر لبعثة جيزني هي عدم وجود قيادة عليا تنسق اساليب المقاومة . كذلك فأن افتقاد العشائر إلى التأييد الحكومي لمقاومة البعثة قد أضعفت هذه المقاومة .وقد أثبتت مقاومة العشائر العربية للباخرة الفرات بجلاء أن مثل تلك المشروعات كانت بغيضة مكروهه من أهل البلاد .

أن توسع حركة الملاحة النهرية البريطانية حسب رأي المقيم البريطاني العام رولنسون H.Rolinson (1843-1854) قد أوجب استخدام البواخر البريطانية الحربية الموجودة في العراق حتى اذا كان في ذلك استفزاز للاهالي أو محاولة لعقد اواصر صداقة مشبوهة مع بعض شيوخ العشائر العربية . ومن أجل وضع حد لمقاومة القبائل لسفن الملاحة البريطانية فقد أقترح المقيم البريطاني روبرت تايلر (1821-1842) على داود باشا إقامة مفارز مراقبة يقيم فيها جنود بريطانيون على طول نهر الفرات لحماية الملاحة فيه من الجهات التي قد تتعرض لها من قبل العشائر القاطنة على جانبي النهر. ولكن الوالي رفض هذا الاقتراح لانه رأى ان وجود جنود بريطانيين بإمرة المقيم في مناطق متعددة من الولاية معناه ترسيخ السيطرة البريطانية فيها، وهو ما يطمح إليه المقيم البريطاني .  

وبناء على طلب المقيم البريطاني رولنسون فقد عادت الباخرة نيتو كريس إلى المياه العراقية في 1847 ولعبت دوراً رئيساً في احتكار النقل النهري بوساطة السفن البريطانية وفي تقوية النفوذ البريطاني إلى حد خطير في العراق خلال السنوات التالية. وتبين هذا من الأحداث التي وقعت بالعراق واشتركت فيها هذه الباخرة اشتراكا فعليا وابرز هذه الأحداث هي ثورة عشائر الهندية ضد الحكومة العثمانية في أواخر حكم الوالي نجيب باشا عام 1847. ومن جهة أخرى أصبحت الملاحة في نهر دجلة تحت رحمة هذه العشائر. وتوقفت سفن التجار الوطنيين بينما ظلت السفن البريطانية تجوب النهر تحت حماية الباخرة نيتوكريس دون أن تهاجمها تلك العشائر الثائرة .

لقد تحدث رولنسون بالتفصيل في هذا الموضوع في رسالته التي بعث بها إلى ستراتفورد كانتج السفير البريطاني بالاستانة في تموز 1849، معللا عدم مهاجمة العشائر الثائرة للسفن البريطانية بعدة عوامل منها : خشية العرب من الاصطدام بالبواخر البريطانية لان مدفعيتها قادرة على رد هجمات العشائر العربية، وأن الإنكليز يحمون العرب من العثمانيين، كما أدعى أن العرب يحترمون العلم البريطاني المرفوع فوق السفن البريطانية.

من هنا يتبين لنا أهمية استخدام البواخر البريطانية لمدفعيتها ضد العشائر العربية من أجل حماية التجارة البريطانية وقد ظهر ذلك واضحا كما سبق الإشارة إلى الدور الذي لعبته الباخرة نيتوكريس في هذه الحماية، كذلك برزت قيمة رفع العلم البريطاني، حيث أن العشائر العربية أصبحت تقدر النتائج الخطيرة المترتبة عن مهاجمة سفينة ترفع العلم البريطاني  .

وفي هذا الصدد أيضاً أشار لوريمر إلى تأكيد راولنسون على أهمية وجود هذه السفن الحربية فقد قال راولنسون: “ … أما من ناحية فقدان الأمن في النهر وأعمال السلب والنهب من قبل العرب الذين يعيشون على الضفاف والذين قاموا في السابق بأعمال أعاقت كثيرا دخول منتوجاتنا إلى باشوية بغداد فهولاء [الأشرار] – كذا – قد اختفوا الان تقريبا، بسبب عرض القوة الذي أظهرناه في دجلة والفرات والى العلاقات الودية التي أقمناها مع المنتفك وبني لام والزبيد والقبائل العربية الأخرى القاطنة على الضفاف وليس بفضل تحسن فعاليات الإدارة العثمانية، أو [أي تحسن ملموس في خلق العرب] – كذا – وطالما ظلت هناك سفينة بخارية لنا تعمل باستمرار في النهر فان العرب سيظلون يتذكرون قوتنا، فهم لا يحترمون الزوارق البريطانية فحسب بل أيضاً مثيلاتها التي تخص حلفائنا العثمانيين. وفي حالة سحب السفينة البخارية فأن القبائل بالتأكيد ستعود إلى أساليبها القديمة في السلب والنهب، وتصبح الحركة التجارية في النهر تحت رحمتهم .

وقد أقام قائد السفينة نيتوكريس صلات ودية ومنتظمة مع القبائل العربية التي كانت تقطن ضفاف دجلة ، وكان رؤساء القبائل يزورونه في كل مناسبة ينزل بها إلى النهر، فيوزع عليهم بدوره الهدايا الزهيدة الثمن مما ساعده على الاحتفاظ بعلاقات طيبة معهم لاهداف تتمثل في استمرار الملاحة في النهر دون تكدير أو ازعاج. وتزويد السفيرين البريطانيين في القسطنطينية وطهران والمندوب البريطاني في ارضروم بالمعلومات في وقتها عن طبيعة الوضع في اقليم كعب . وقد خصصت الحكومة البريطانية منذ عام 1842 لقائد السفينة نيتوكريس مبلغ مائة روبية شهريا لغرض تقديم هدايا صغيرة إلى الشيوخ العرب الذين تربطهم به علاقات خاصة .

مع تأسيس “شركة الفرات ودجلة للملاحة البخارية”  في عام 1861 على يد أسرة لنج والتي مثلت أوسع المصالح البريطانية في أنهار العراق وخاصة دجلة فقد واجهت سفن هذه الشركة صعوبات تمثلت في الهجمات التي كان يقوم بها رجال القبائل الذين يطلقون نيرانهم على بواخرها. أو يتسلموا “الاتاوات” والهدايا السخية لقاء سماحهم بمرور هذه البواخر بسلام .

لقد أشتهر ناصر باشا السعدون بمكافحة الغزو وتأمين سلامة الطرق النهرية والبرية وموقفه من حادثة الهجوم على الباخرة البريطانية كشمير في عام 1872 من قبل أفراد من عشائر المنتفك وعربستان، الذين قتلوا أحد بحارتها واستولوا على مبالغ من النقود مثال على ذلك. فقد قام ناصر باشا بالتعاون مع شيخ المحمرة والقنصل البريطاني العام كمبال Kembal بالقبض على عدد من المهاجمين الذين احيلوا إلى المحكمة العثمانية في البصرة، وقد ثمنت بريطانيا دور السعدون في تلك القضية وقام نائب القنصل البريطاني في البصرة بتسليمه هدية (عبارة عن خيمة بعمودين) نيابة عن حكومة الهند البريطانية وقد كسبت بريطانيا بسبب هذه الحادثة سطوه ونفوذا وتغلغلا بين العشائر .

لقد استغلت بواخر شركة لنج الخشب المتوفر على ضفاف الانهار كوقود لمحركاتها من جهة ولتكوين علاقات صداقة مع رؤساء العشائر القاطنة على تلك الضفاف والذين ابدوا استعدادهم لتزويد قائد الاسطول بما يحتاجه مقابل عقود خاصة. يمكن اعتبار ذلك نموذجا لما أخذت تمارسه شركة الهند الشرقية، وخليفتها شركة لنج فيما بعد من سياسة تعميق علاقاتها مع شيوخ العشائر في طول البلاد وعرضها دون اللجوء إلى الدولة العثمانية لدرجة أن رئيس عشائر البو محمد مثلا كان يتعرض بصورة مستمرة للبواخر العثمانية في الوقت الذي كان يسمح للبواخر البريطانية بالمرور بأمان في مناطق سكنى عشائره قرب العمارة . 

ولم تكن عشيرة بني لام أقل خطورة على النشاط الملاحي البريطاني في العراق، لذلك فقد سعى ممثلو بريطانيا في العراق إلى ضمان سلامة مرور السفن والبواخر البريطانية في منطقة بني لام، ولكن البريطانيون لم يصلوا إلى غرضهم في هذه الناحية. وهو ما يبدو واضحاً في معظم المؤلفات البريطانية والتي شنت هجوماً شديداً وخاصة على شيخها مذكور(.

وعندما وقعت اضطرابات المنتفك في عام 1881 وهددت بصورة غير مباشرة المصالح التجارية والملاحية في نهري دجلة والفرات أقترح القنصل العام في بغداد بلودان  Plowdan  (1880-1882) على السفير البريطاني في اسطنبول التدخل في الأمر. وقد أشار بلودان إلى أن نفوذ المنتفك يمكن أن يكون أمر ذو قيمة كبيرة جدا للمصالح البريطانية وأن صداقتهم أمر يستحق بذل الجهد لضمانه .

وكان التعرض للسفن البريطانية في نهر دجلة احدى أساليب العشائر في الضغط على الحكومة العثمانية لتحقيق مطاليبها، فقد لجأ الشيخ صيهود أحد شيوخ عشيرة البو محمد عام 1880 إلى تحريض أتباعه لمهاجمة الباخرة البريطانية “خليفة” وقتل بعض أفراد طاقمها. وقد ترك الحادث أثراً على الصعيد الدبلوماسي فقد أخبر القنصل البريطاني سفير حكومته في اسطنبول بحادث الهجوم. فقدم السفير احتجاجا لدى السلطات العثمانية في اسطنبول والتي وعدت بدورها بارسال حملة ضد القبيلة المعتدية .

وفي المعارك التي دارت بين عشيرتي البو محمد وبني لام للسيطرة على الأراضي الزراعية التي تقطنها العشائر الصغيرة المجاورة لعشيرتيهما كالازيرج والبودراج فقد اضطربت حالة الأمن وتعرضت الملاحة النهرية في دجلة سواء العثمانية أو البريطانية للخطر ومنها تعرض الباخرة البريطانية خليفة عام 1906 إلى إطلاق نار فجهزت بحرس كاف لحمايتها. كما تعرضت إحدى البواخر البريطانية إلى اطلاق نار، وفي تقرير له عن الاحوال العامة في ولايات بغداد والبصرة والموصل عام 1908 أشار السفير البريطاني إلى أن القنصل البريطاني في بغداد نيو مارش New March (1902-1906) أقترح قمع أعمال غضبان شيخ بني لام بصورة فعالة لكي لا يستمر على حد قوله في جعل بريطانيا “حصان طروادة” في معاملاته مع الحكومة العثمانية .

ومما تقدم نرى أن بريطانيا ومن خلال نشاطها الدبلوماسي والعسكري إزاء العشائر العراقية ومحاولتها كسب بعض رؤساء هذه العشائر إلى جانبها لما تشكله هذه العشائر من تأثير كبير على نشاطها التجاري قد استطاعت من تثبيت نفوذها الاقتصادي في أنهار العراق

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث