البعث وأميركا ومحاصرة نفوذ إيران بالعراق - د. ماجد السامرائي

المتواجدون الأن

106 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

البعث وأميركا ومحاصرة نفوذ إيران بالعراق - د. ماجد السامرائي

 

 

تزايد في الأيام الأخيرة تداول أخبار وتقارير وسيناريوهات حول وجود اتصالات ولقاءات أميركية مع قادة ومسؤولين في حزب البعث المحظور رسميا في العراق منذ التاسع من أبريل 2003، وأثارت مثل هذه الأخبار تساؤلات لدى الشارع العراقي عن مدى صحة تلك الأخبار ومخاوف لدى بعض السياسيين الحكام في البلد من تحقيق الأميركان لذلك على أرض الواقع. لم يحصل تأكيد أو نفي تلك الأخبار من مصادرها الأصلية.

وهذا الموضوع له ارتباط بما أنتجه مشروع احتلال العراق عام 2003 في صفحته العسكرية من كوارث سياسية واجتماعية حين نجح الأميركان في القضاء على نظام صدام حسين ومعه حزب البعث والبنى التحتية لدولة العراق، لكنهم فشلوا في الصفحة السياسية بعد إقامتهم البديل المعتمد على المحاصصة الطائفية، وتنفيذ قوانين وقرارات اجتثاث البعث وحل الجيش العراقي التي ظلت نافذة حتى بعد رحيل الاحتلال عام 2011، حيث وفرت أغطية “شرعية” للأحزاب الحاكمة الجديدة لتصفية ومطاردة المعارضين للسلطة.

ليس جديدا القول بازدواجية السياسات الأميركية خصوصا في تجربتهم بالعراق، فهم من أزال النظام السابق وحزبه، وكانوا أكثر تطرفا من قادة الأحزاب الشيعية في إقصاء البعثيين وملاحقتهم حيث مارست تلك الأحزاب خلال السنوات الماضية، وما زالت، انتقائية ذات بعد طائفي ومصلحي خصوصا في حقلي السياسة وبناء الجيش الجديد.

فقد تمت إعادة الكثير من ضباط الجيش السابق من الشيعة الذين استلموا مهام عسكرية وأمنية وأصبح لبعضهم شأن قتالي مرموق في الحرب الأخيرة ضد داعش، كما استثني من إجراءات المساءلة والعدالة أشخاص منتمون لحزب البعث ضمن صفقات خاصة للولاء السياسي وأسماؤهم معروفة وقبل هؤلاء المقايضة بالبراءة من البعث لقاء المنصب البرلماني أو الحكومي.

لقد استسلم المواطن للفرضيات والتقسيمات الجديدة رغم أضرار سياسة تلك الأحزاب على حياته، وبعد هذه السنوات المرة حصلت صحوة شعبية شيعية تجاه سياسات إيران النافذة داخل العراق والتي تجاوزت مخاطر المشروع الأميركي في تفكيك المجتمع العراقي طائفيا، وكشفت هذه الصحوة هشاشة اللعبة الطائفية وإدعاءات نصرة الشيعة، وأخذ غالبية العراقيين يتطلعون إلى حل شامل يتجاوز التجربة السياسية الفاشلة للقوى الشيعية المتطرفة والموالية لطهران حتى وإن تم ذلك على يد أميركا من أجل استعادة لحمتهم الموحدة.

ويبدو أن مثل هذه الصحوة انتقلت إلى الأميركان بعد اكتشافهم خطأ سياستهم، فراح قادتهم من مسؤولي الإدارات السابقة والحالية يطلقون مواقف دراماتيكية كالاعتراف بالذنب لإطاحتهم بنظام صدام، ويأتي ذلك ضمن مراجعة جذرية لسياساتهم في العراق تعتمد على استثمار وجودهم العسكري المحدود لحماية مشروع تقليص النفوذ الإيراني تدريجيا، من بينها إقامة حلف استراتيجي مع عرب الخليج (السعودية والإمارات) تنعكس برامجه داخل العراق، والدخول في برنامج تعديل العملية السياسية لتخفيف هيمنة أحزاب الإسلام السياسي وأدواته التابعة للولي الفقيه في طهران، عن طريق فسح مجال المشاركة السياسية لدائرة أوسع من تعقيدات المحاصصة الطائفية الحالية وإشراك نخب سياسية من خارج تلك الأحزاب في مسؤوليات الحكم.

وقد عبر عن جزء من هذه التوجهات مسؤولون أميركان لهم دور في رسم السياسات ومراكز بحوث مقربة من مصادر القرار الأميركي. فقد دعا السفير الأميركي الأسبق في العراق، جيمس جيفري، حكومة الرئيس دونالد ترامب إلى مقاربة سياسية تخلق توازنا بين استخدام القوة العسكرية ضد إيران وبين احتوائها من داخل العراق، والقيام بما يشبه الخطوات التي اتخذتها الولايات المتحدة في ثمانينات القرن الماضي للتصدي للسوفيات في أفغانستان وإيران في الخليج.

وهناك مسؤولون أميركيون كثر ممن يدعمون خيار التصعيد ضد إيران انطلاقا من العراق على نحو ما ورد في دراسة نشرها دينيس روس المساعد الخاص للرئيس السابق باراك أوباما في معهد واشنطن، حيث يطالب إدارة ترامب بعزل إيران قائلا سيكون لزاما على الإدارة الجديدة الحفاظ على إجماع الحزبين في الكونغرس بأن الوضع في دمشق وبغداد والدور الذي تلعبه إيران هناك غير مقبول”.

ويرى أن أفضل سبل مواجهتها “رفع تكاليف استمرار التعنت الإيراني وبالتحديد من خلال معالجة القضايا الحيوية خارج إطار الاتفاق النووي وبشكل خاص تدخل إيران المزمن في المنطقة”.

إلى جانب ذلك هناك تحركات سياسية على مستوى إنضاج الرؤى الأميركية الجديدة حيث تم في نهاية فبراير الماضي عقد مؤتمر جنيف الذي أشرفت عليه الولايات المتحـدة بالتنسيق مع المعهد الأوروبي للسلام للبحث في ترتيبات ما بعد تنظيم داعش في العراق، بمشاركة الجنرال ديفيد بترايوس رئيس المخابرات الأميركية السابق، وهو أكثر الجنرالات الأميركيين إحاطة بالشأن العراقي، وبمشاركة رئيس الوزراء الفرنسي السابق دومنيك دوفيلبان، وشخصيات دولية أخرى.

كان الهدف المعلن للمؤتمر هو دراسة تطورات الأوضاع السياسية في العراق ما بعد تنظيم داعش، وعقـدت آمال على أن يكون هذا المؤتمر وغيره من نشاطات العلاقات العامة بداية لتنظيـم قـوة سياسية جـديدة متماسكة لقيادة العراق بديلة عن القوى الراهنة التي تدين بالولاء لإيران، مثلما روّج من أخبار غير مؤكدة حول اتصالات بين مسؤولين أميركان معنيين بالشأن العراقي وبعثيين عراقيين.

هذه الاتصالات إن كانت جدية فترمي في مجملها إلى الإعداد لتشكيل حكومة وحدة وطنية لا طائفية، تستهدف وفق الأميركان خلق توازن جديد للقوة بين السنة والشيعة في دولة عراقية مركزية، وربما تأمين إعلان قيام الدولة الكردية.

والملفت أن جانبا مهما من هذا السيناريو أعلنه نائب رئيس الجمهورية نوري المالكي الذي أشار في تصريحات له لجريدة الأخبار اللبنانية بتاريخ 30 مايو 2017 بالنسبة إليّ كان الأمر في خانة التحليل، إلى أن صارحني بعض المطلعين في الدوائر الأميركية بوجود قرار يقضي بتأجيل الانتخابات، وهنا في العراق بدأ بعض السياسيين الحديث عن تأجيل الانتخابات، والدعوة إلى المضي بهكذا قرار وهؤلاء يعرفون اليوم بأن التيار الإسلامي سيفوز مجددا، لذلك لم يبق أمامهم إلا تعطيل الانتخابات بهدف إقصائنا.

وهنا يبدأ الفصل الجديد: دولة بلا حكومة، وبلا برلمان والدخول في الفراغ الدستوري، فيصبح العراق بلا حكومة تدير البلاد. وهناك قرار دولي مبيّت ليصدر عن مجلس الأمن تحت الفصل السادس، يدعو إلى تشكيل حكومة طوارئ بحجة إدارة البلاد مؤقتا إلى أن تستقر الأحوال، ويتم إجراء الانتخابات مجددا، على أن تُستكمل في هذا الوقت فصول مؤامرة إقصاء المشروع الإسلامي. أصحاب هذا المشروع يعملون الآن على إسقاط مفوضية الانتخابات، ويبدو واضحا لنا وجود خطة لإرباك الدولة وإثارة أجواء من القلق، وخلق مناخ أمني غير مستقر، لإقناع العراقيين والآخرين بأن الانتخابات غير ممكنة”.

كما يردد هذا السيناريو وبتفصيلات طائفية بعـض السياسيين السنة الموالين للوضع الحالي والقلقين على مصيرهم بعد تورطهم بالفساد والفشل، وخشيتهم من ظهور نخب نظيفة من العرب السنة غير الطائفيين تزاحمهم وتقصيهم عن المشهد.

السياسيون الشيعة والسنة مرتبكون من المستقبل، ولهذا فردود أفعالهم تأتي ضمن محاولات خلط الأوراق وتضخيم عودة البعث إلى الحياة السياسية عبر صفقة مع الأميركان، متناسين حقيقة أن الأميركان هم الذين أسقطوا النظام السابق وهم الذين شرعوا تجريم حزب البعث، وهؤلاء غير عارفين بشغل الأميركان الحالي بأنهم يفتحون حوارات مع جميع الأطراف العراقية من غير الإسلام السياسي وقد تكون من بينهم شخصيات بعثية لإنضاج تصورات لمستقبل العراق، ولا يعني ذلك أن هناك قرارا أميركيا بإشراكهم في الحكم إذا ما علمنا أن ذلك يمثل خطا أحمر عند جميع القوى الشيعية في العراق سواء المستقلة أو الموالية لطهران وبعضها يحتفظ بعلاقات حميمة بواشنطن.

سبق لأميركا أن أجرت حوارات لسنوات طويلة مع طالبان أفغانستان التي تقاومهم عسكريا هناك، لكن القرار الأميركي الأخير هو إرسال مزيد من الجنود الأميركان لقتال طالبان وهذه هي السياسة الأميركية. ومع ذلك فإن نجاح السيناريو الأميركي في تقليص نفوذ إيران في العراق سيشكل انفراجا في الوضع السياسي، ويوفر الفرص للنخب الوطنية العراقية غير المرتهنة لإيران لتأخذ دورها المشروع في إدارة البلد، ويمنح العراق فرصة استعادة مكانته في محيطه العربي.

مشروع التغيير المقبل يعني حدوث تغيير جوهري في السياسة الأميركية في العراق، لكن نجاح هذا المسعى يظل مرهونا بمتغيرين؛ أولهما خصوصية التوازن السياسي العسكري الذي سيفرض نفسه بعد الانتهاء من طرد داعش، وثانيهما الترتيبات الإيرانية المعاكسة لهذا المسعى، وهل سيساعد بعض سياسيي الشيعة دعم هذا السيناريو؟ عندها سوف تتكشف معالم العراق الجديد ومستقبل السياسة الأميركية فيه

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث