عقوبات التدمير الشامل التي سبقت غزو العراق - هانز فون سبونيك

المتواجدون الأن

31 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

عقوبات التدمير الشامل التي سبقت غزو العراق - هانز فون سبونيك

 

 

 

نقلت صحيفة واشنطن بوست، في عددها الصادر في الرابع من أغسطس الماضي، عن المجلة الطبية البريطانية للصحة العالمية أن "ما تردّد بأن فرض العقوبات قتل 500 ألف طفل لم يكن إلا مجرد كذبة".

وقال تيم دايسون وفاليري سيتوريلي، معدا التقرير "تم التلاعب بالبيانات لتسجيل ارتفاع كبير في حجم وفيات الأطفال، وهو ما أراده صدام حسين وحكومته بهدف إثارة القلق الدولي وإنهاء العقوبات الاقتصادية".

واعتبرت الدراسة التي أشرف عليها مختصون من كلية لندن للاقتصاد أن "بعض التقارير الصادرة في التسعينات والتي أشارت إلى زيادة في عدد وفيات الأطفال نتيجة للعقوبات المفروضة، كانت تشوبها منهجية ضعيفة وغير كافية". واضطلعت منظمة اليونيسيف للأطفال بالدراسة الأكثر شيوعا، والتي أثارت جدلا واسعا في ذلك الوقت “استنادا إلى الأرقام والاستنتاجات التي زورتها الحكومة العراقيةوأظهرت أن حوالي 550 ألف طفل لقوا حتفهم نتيجة للعقوبات المفروضة".

كانت الدراسة التي قامت بها منظمة اليونيسيف حول وفيات الأطفال ونشرتها في سنة 1999 إنجازا مهما بالنظر إلى الظروف التي وجد فيها العراق ومنظومة الأمم المتحدة نفسيهما فيها في أواخر التسعينات. كانت بغداد مرتابة جدا في"الأجانب" بما في ذلك الكيانات الأممية إذ كثيرا ما كانت أونسكوم- أونموفيك درعا تتخفى وراءه الاستخبارات وكذلك الخداع كأحد الأجزاء الأساسية لمشروع نزع سلاح العراق.

ليس هذا مجالا لتقديم تفاصيل إضافية فهي متوفرة بكثرة. حتى الكيانات التي تدّعي أنها كيانات إنسانية تابعة للأمم المتحدة لم تستثن من الريبة العراقية المبررة.

في سنة 2016 نشرت مطبعة جامعة كاليفورنيا مجلدا ضخما تحت عنوان “أرض القبعات الزرقاء: الأمم المتحدة والعالم العربي”، ويضم فصلا حول “العراق تحت العقوبات”، يشير إلى استراتيجيات الأخبار الزائفة التي اعتمدتها الحكومتان الأميركية والبريطانية.

من الجهة الأممية في بغداد، لم يكن لنا لا حول ولا قوة في التعامل مع أعمال التلاعب المحبوكة التي تهدف إلى تشكيل الصورة العامة. وكان أحد هذه “المنتوجات” إصدارا عن وزارة الخارجية الأميركية بعنوان “عراق صدام حسين” (سبتمبر 1999). عندما قمنا أنا وزملائي من منظمة الصحة العالمية وبرنامج الأغذية العالمي واليونسكو والفاو واليونيسيف وبرنامج التنمية للأمم المتحدة بقراءة هذه الوثيقة الرسمية الأميركية ذهلنا لاحتوائها على قدر كبير من المعلومات الزائفة والمختلقة.

في ما يخص الدراسة التي قامت بها اليونيسيف، أشير إلى أنه اعتمادا على ارتباطي باليونيسيف والوكالات الأممية الأخرى المقيمة في العراق عندما كنت المنسق الأممي في بغداد، أقول ما يلي بكل ارتياح:

*عند القيام بدراسة الوفيات، كانت اليونيسيف واعية تمام الوعي بكل القيود والهنات.

*تكفّل بهذه الدراسة موظفون تابعون لمنظمة اليونيسيف وهم أشخاص ذوو حرفية عاليةانضم إليهم موظفون من الطاقم الطبي العراقي، وربما أيضا أشخاص من الاستخبارات العراقية الذين كانوا حاضرين عادة عندما كانت الأمم المتحدة تجري عملها الميداني.

أونسكومأونموفيك وغيرها من الكيانات الأممية كثيرا ما كانت دروعا تتخفى وراءها الاستخبارات والخداع كأجزاء أساسية لمشروع نزع سلاح العراق

*وعيا من اليونيسيف بإمكانية تلاعب السلطات العراقية بالمعطيات، توخت الحذر والحرص في جمع المعطيات.

لم تكن اليونيسيف الكيان الأممي الوحيد الذي واجهته السلطات الأميركية والبريطانية “بأدلة متناقضة”. عمل برنامج الأغذية العالمي على المساعدة في توريد 440 ألف طن من الغذاء كل شهر لإطعام 23 مليون عراقي وكان يتحكم في نظام بطاقات تموين مكنت من مراقبة مستمرة وذات مصداقية.

وفي سنة 1999 استنتج برنامج الأغذية العالمي بأن الطعام يصل إلى المواطنين في كل أنحاء البلاد بما في ذلك المنطقة الجنوبية والمنطقة الشمالية.

لكن الحكومة الأميركية قالت إن العراقيين المعارضين للحكومة في بغداد محرومون من هذه الحصص التموينية.

ساندت منظمة الصحة العالمية الرأي بأنه على إثر العقوبات بدأ المقدار المأخوذ من السعرات الحرارية في اليوم ينخفض بشكل سريع من أكثر من 3000 سعرة (قبل 1990) إلى أقل من 1500 سعرة (بعد 1990)، لكن واشنطن ولندن أنكرتا ذلك.

*اتهمت الحكومتان الأميركية والبريطانية السلطات العراقية بأنها كانت تقوم بتخزين الأدوية عمدا، في حين أن كل ما فعلته وزارة الصحة العراقية هو اتباع الخطوط العريضة العالمية التي حددتها منظمة الصحة العالمية للاستعداد لفترات الأوبئة.

عارضت البعثتان الأميركية والبريطانية للأمم المتحدة بشدة التقرير عن الضربات الجوية الذي قدمته بموافقة الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان. وقيل لي إنه عند ذكر أرقام عن الضحايا المدنيين كل ما كنت أفعله هو تكرار الدعاية العراقية. ولفتّ نظر السفير البريطاني أثناء زيارة قمت بها إلى نيويورك بأنه عند حدوث ضربة جوية بريطانية أو أميركية قوية تخلف ضررا كبيرا يصيب المدنيين أذهب بنفسي إلى المواقع على عين المكان للتثبت من الضحايا ومن ثم أكون في موقع يسمح لي بتأكيد التقارير العراقية أو تصحيحها. مثلا عندما ذكر الإعلام العراقي الرسمي بأن ضربة جوية على منطقة سكنية في البصرة أسفرت عن إحدى عشرة حالة وفاة عددت أنا بنفسي 17 تابوتا.

والمثال الآخر الذي يصعب تصديقه المتمثل في وقوع ضربة جوية شمال الموصل أدت إلى وفاة ستة رعاة وإزهاق أرواح 101 من الخرفان، بينما ذكر بيان صحافي عن مقر القيادة العسكرية الأميركية الأوروبية في شتوتغارت في 30 أبريل 1999 يوم الهجوم بأنه في المكان حيث قتلت الخرفان البريئة تم تدمير معدات مضادة للطائرات بنجاح.

أن نقول للعالم مرة أخرى، بعد 14 عاما من نهاية العقوبات، بأن الحياة في العراق في ظل العقوبات لم تكن بذلك القدر من الوحشية والتهديد للحياة، بالرغم من صدام حسين، وبأن هناك عددا أقل من وفيات الأطفال مما تحدثت عنه اليونيسيف في تقريرها لسنة 1999 لهو أمر مثير للاشمئزاز ويجب ألا يمر دون رد.

تخلص دراسة كلية لندن للعلوم الاقتصادية والسياسية بالقول “كان تلفيق دراسة اليونيسيف لسنة 1999 تزويرا بارعا”. يجب على الباحثيْن القائمين بدراسة كلية لندن للعلوم الاقتصادية والسياسية التراجع عن هذا الكلام الخاطئ بشكل خطير ويعتذرا علنا عن هذا البحث الرديء. ويتعين أن يضاف هذا البحث لكل المظالم التي ساهم فيها أعضاء في مجلس الأمن الدولي وحكومات أخرى وأشخاص غير مسؤولين. يجب أن يخضع المقترفون لهذه المظالم للمساءلة.

يجب أن يقرأ العموم ملحقا لقصة كلية لندن للعلوم الاقتصادية والسياسية “التي لا تصدق، ألا وهو تصريح السفير الماليزي أغام هاسمي الذي كانت بلاده عضوا في مجلس الأمن في ذلك الوقت حيث قال في مجلس الأمم المتحدة في سنة 2000 “يا له من موقف ساخر بأن السياسة نفسها التي من المفترض أن تجرد العراق من أسلحة الدمار الشامل أصبحت هي نفسها سلاحا للدمار الشامل".

هانز فون سبونيك، ديبلوماسي ألماني شغل منصب منسق للشؤون الإنسانية التابعة للأمم المتحدة في العراق قبل أن يستقيل في سنة 2000 احتجاجا على المستويات المرعبة من حالات الوفيات الناجمة عن العقوبات الأممية. وكان سلفه دنيس هاليداي الذي أعد برنامج العقوبات قد استقال في سنة 1998 لنفس السبب واصفا نظام العقوبات بـ”المذبحة الجماعية

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث