إيران: وسباق الاحتفاظ بالعراق - يحيى الكبيسي

المتواجدون الأن

112 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

إيران: وسباق الاحتفاظ بالعراق - يحيى الكبيسي

 

 

 

تشير زيارة آية الله محمود الهاشمي الشاهرودي إلى العراق هذا الأسبوع، فضلا عن رمزيتها، إلى سعي إيران المستمر لإبقاء هيمنتها على الفاعل السياسي الشيعي، مع استمرار محاولات خروج بعض هؤلاء الفاعلين من العباءة الإيرانية. 
فالشاهرودي، وهو عراقي الولادة والنشأة والجنسية، وأول رئيس للمجلس الأعلى للثورة ال إسلامية في العراق الذي أنشأه الخميني عام 1982 كإطار يجمع المعارضة ال إسلامية الشيعية العراقية حينها، عين في منتصف الشهر الماضي رئيسا لمجمع تشخيص مصلحة النظام، أحد أهم المؤسسات في نظام الحكم الثيوقراطي في إيران، فضلا عن كونه النائب الأول لمجلس خبراء القيادة، وهي الهيئة التي أناط بها الدستور الإيراني مهمة تعيين وعزل المرشد الأعلى (المادة 107 من الدستور الإيراني). فتعيين شخصية شيعية عراقية في هذين المنصبين يعد تكريسا لفكرة «الأممية الشيعية» التي يتبناها نظام ولاية الفقيه في إيران، واستمرار لفكرة «الثورة الإسلامية العالمية» التي قامت عليها الثورة الإيرانية، لكن هذين المبدأين يمثلان في الحقيقة الغطاء الذي تعتمده إيران في تسويق تدخلاتها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، والذي يخفي في الواقع نزعة إمبراطورية إيرانية تاريخية (كان الشاه نفسه يستخدم التشيع أحيانا للتغطية على هذه النزعة)! كما أن توقيت زيارة الشاهرودي إلى العراق يعد استمرارا لهذا السياق، فقد جاءت هذه الزيارة بعد حدوث الانقسام الشيعي الشيعي في الموقف من اتفاق عرسال الأخير بين حزب الله وتنظيم «الدولة» (داعش)، الذي قضى بنقل أكثر من 300 مقاتل من «داعش» من الحدود السورية اللبنانية إلى منطقة البوكمال على الحدود العراقية السورية. وهو الانقسام الذي بدأ يتضح بين يمين شيعي عراقي مرتبط بالمشروع الإيراني يؤمن بالأممية الشيعية، وبين تيارات عقلانية شيعية تحاول صياغة هوية وطنية شيعية تعتقد بتقديم الهوية الوطنية على أي انتماءات هوياتية أخرى، خاصة وأن التيار الأخير حصل على دعم كبير من المرجع الشيعي الأعلى في العراق السيد علي السيستاني، فقد نقل عنه المتحدثون باسمه، في خطبتي العيد والجمعة الأخيرة، كلاما صريحا وغير مسبوق عن وجوب تقديم الفاعلين السياسيين الشيعة «المصالح العليا لبلدهم» على المصالح الشخصية والفئوية والمناطقية»، كما تضمن إشارة غير مباشرة إلى اتفاق عرسال، بالقول إن على الجميع أن يضع في حسبانه «أن الأطراف الإقليمية تلاحظ في الأساس منافعها ومصالحها وهي لا تتطابق بالضرورة مع المصلحة العراقية». وهو ما يعني أننا هذه المرة لم نعد في حدود الاختلاف العميق فيما يتعلق بمبدأ «الولاية العامة المطلقة للفقيه» الذي ترفضه حوزة النجف، بل تجاوزنا ذلك إلى تسويق حوزة النجف لفكرة «وطنية شيعية» بعيدا عن فكرة «الأمة الإسلامية الشيعية» التي تنطلق منها إيران الدولة/ الثورة. وهو تطور مهم وأساسي في سياق دور حوزة النجف في الشأن العراقي العام بعد 2003. وربما سيكون له الدور الأبرز في دعم الفاعلين السياسيين الشيعة المؤمنين بهذه الهوية إلى بلورة هذه الهوية الوطنية الشيعية في سياق محاولات إعادة بناء هوية وطنية عراقية جامعة، عابرة للهويات القومية والدينية والمذهبية، ومتفق عليها بين العراقيين جميعا. 
حرصت إيران طوال السنوات الماضية على تبني استراتيجية تقوم على ضرورة أن يكون هناك ائتلاف سياسي شيعي يشكل «وحدة قرار شيعية» في العراق، شكليا على الأقل، ومحاولة تحييد الخلافات البينية بين الكيانات المشكلة لهذا الائتلاف، ليس لضمان هيمنة الفاعل السياسي الشيعي على الدولة، وإنما لضمان استمرار هيمنتها على القرار السياسي العراقي. وعلى الرغم من تعرض هذه الاستراتيجية إلى تحديات كبيرة، فقد فشلت في توحيد الكيانات الشيعية في إطار موحد لدخول انتخابات مجلس النواب لعام 2010، لكنها نجحت لاحقا في تحقيق أهدافها عندما اضطر الفرقاء السياسيين الشيعة إلى التوحد مرة أخرى في أعقاب الانتخابات لضمان منصب رئيس مجلس الوزراء بعد قرار المحكمة الاتحادية الذي قضى بأن الكتلة الأكبر هي ليست الكتلة الفائزة في الانتخابات بل الائتلاف الذي يضم أكبر عدد مقاعد في مجلس النواب نفسه! كما نجحت لاحقا، وبعد ماراثون طويل، في الضغط على السيد مقتدى الصدر للقبول بترشيح رئيس الوزراء السابق نوري المالكي لولاية ثانية. ولكنها فشلت في الوقت نفسه في «إقناع» السيد عمار الحكيم زعيم المجلس الاعلى الإسلامي بدعم هذا الترشيح، مما اضطرها إلى «معاقبته» من خلال الإيعاز إلى منظمة بدر بالانشقاق عن المجلس الأعلى والالتحاق بالمالكي. كما أنها فشلت في ضمان الولاية الثالثة للمالكي، حليفها الأقوى في العراق، في أعقاب انتخابات 2014 عندما دعم المرجع الأعلى السيد السيستاني تحالفا شيعيا مضادا تشكل من منشقين من حزب الدعوة فضلا عن الصدريين والمجلس الأعلى، نجح في الحصول على دعم سني وكردي، لإبعاد المالكي عن الولاية الثالثة.
من الواضح أن إيران تحاول اليوم، وعبر زيارة الشاهرودي، تقليل خسائرها في العراق، عبر دعم اليمين السياسي الشيعي، الذي سوف يتشكل أساسا من كتلة دولة القانون بزعامة المالكي والمجلس الأعلى الإسلامي وزعماء ميليشيا الحشد الشعبي من جهة، كما أنها تحاول الضغط على يمين الوسط الذي يمثله كل من تيار حزب الدعوة بزعامة حيدر العبادي، وتيار الحكمة بزعامة السيد عمار الحكيم في محاولة منها لإعادته لضمان عدم خروجه من العباءة الإيرانية بشكل كامل! في حين لم يتضمن جدول الزيارة اللقاء بالسيد مقتدى الصدر، ربما لقناعة الايرانيين بأن الرجل وتياره قد حسما أمرهما بالتنصل عن الوصاية الإيرانية بشكل نهائي! وهذا يعني ربما أن إيران بدأت للمرة الاولى، تعترف بأن لا إمكانية حقيقية لإنتاج «كتلة شيعية» موحدة، وأنها مضطرة للانحياز إلى طرف شيعي محدد، لتكون في إطار اصطفافات أيديولوجية وسياسية قد تنقض عمليا فكرة «الأممية الشيعية» التي تستخدم «المذهب» كغطاء عبر- سياسي متعال. وهي تراهن في هذا على انتخابات مجلس النواب في العام المقبل، في ظل توقعات بأن يتمكن التيار الأكثر يمينية، وهي ميليشيا الحشد الشعبي المرتبطة عقائديا وعضويا بإيران، مع دولة القانون/ المالكي، في الحصول على أكبر عدد من المقاعد الشيعية، على حساب التيارات «المتمردة»! خاصة وأن هذه الميليشيات ستعتمد على «سلاحها» في ضمان نتائج هذه الانتخابات لمصلحتها أولا، وستعتمد على تيار بدأ يتشكل منذ مدة، يمكن أن نطلق عليه تيار «سنة الحشد» ثانيا، وهو تيار يضم شخصيات سنية مدجنة حليفة لهذه الميليشيات، وتأتمر بأمرها، يراد له أن يكون على شاكلة تيار «سنة المالكي»، هذا التيار سيعتمد هو أيضا على «سلاحه»، وعلى الغطاء الذي توفره له هذه الميليشيات، وعلى إمكانية تشكيل نتائج الانتخابات في مناطقها كيفما شاء، من أجل الحصول على أكبر عدد من المقاعد «السنية» لضمان أغلبية سياسية لهذا اليمين الشيعي في مجلس النواب يمكنه من الحصول على منصب رئاسة مجلس الوزراء.



أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث