نحو بناء سلطة الفقيه! - يحيى الكبيسي

المتواجدون الأن

149 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

نحو بناء سلطة الفقيه! - يحيى الكبيسي

 

 

 

 

ظلت جماعات الإسلام السياسي، على تنوعها، واختلافاتها، وتعارضاتها، حريصة على ادامة الالتباس فيما يتعلق بموقفها من جملة من القضايا الجوهرية؛ من بينها حقوق الانسان، وبضمن ذلك حقوق المرأة على وجه خاص. ويكشف تحليل أدبيات هذه الجماعات وتصريحاتها العلنية أن ما يمكن أن نسميه «التباس القصد» كان سياسية منهجية معتمدة لهذه الجماعات فيما يتعلق بموقفها من هذه القضايا، فاستراتيجية «الزنجي الأبيض التي تفتح باب التأويل والتأويل المضاد إلى منتهاه، تظل واحدة من وسائلها لإدامة الغموض والالتباس من اجل تحييد قدرة معارضيهم على استخدامها ضدهم، والعامل الوحيد في حسم صراع التأويلات المفتوح يكمن في محاولة هذه الجماعات فرض تأويلها النهائي في لحظة وصولها إلى السلطة! 
هيمنت جماعات الإسلام السياسي بشكل كبير على المشهد السياسي بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، وكان الناتج الأهم لهذه الهيمنة هو فرضهم لايديولوجيتهم الإسلاموية في متن الدستور، لا سيما ان الصفقة التي حكمت لحظة كتابة الدستور بين الفاعلين السياسيين الشيعي والكردي اتاحت لكل منهما فرض أفكاره ومطالبه الفئوية وتحييد أي اعتراض!
هكذا استطاع الإسلامويون فرض ثلاث مواد جوهرية حاكمة في الدستور العراقي الذي اريد له ان يكون ذا سلطة مطلقة ما دام قد تضمن النسبة الأكبر من رؤاهم، خاصة وان الصياغات الملتبسة «المقصودة» كانت تشكل افقا قائما لسلطة ثانية، تلمسها الجميع خلال السنوات الماضية، وهي سلطة التأويل! أي تأويل هذه الجماعات للنصوص الدستورية التي أنتجتها، وقدرتها على فرض هذا التأويل مهما بدا مفرطا، مع تسييس المحكمة الاتحادية العليا صاحبة الاختصاص الحصري في تفسير النص الدستوري وهيمنة الفاعل السياسي الأقوى على قراراتها! 
المادة الاولى قررت أنه لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت احكام الإسلام (المادة 2/ أ). فيما قررت المادة الثانية أن العراقيين أحرار في الالتزام بأحوالهم الشخصية حسب دياناتهم او مذاهبهم او معتقداتهم او اختياراتهم (المادة 41). ونصت المادة الثالثة أن المحكمة الاتحادية العليا تكون من عدد من القضاة، وخبراء في الفقه الإسلامي (المادة 92/ ثانيا). 
إن التدقيق في هذه المواد الثلاثة يكشف عن هيمنة «الأسلمة» في عملية صياغة القوانين من جهة، مع هيمنة الإسلاميين على السلطة التشريعية في العراق، وقدرتهم على تأويل عبارة «ثوابت احكام الإسلام» بالطريقة التي يريدونها! وبالتالي قدرتهم على تحييد المادة المتعلقة بعدم جواز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية (المادة 2/ ب). 
لقد تم تشريع قوانين كثيرة وعرض مشاريع قوانين كثيرة ايضا تؤيد ما نذهب اليه، مثال ذلك قوانين تجريم حزب البعث وقانون حرية التعبير.
ويبقى من اجل ذلك، تشكيل المحكمة الاتحادية العليا، واختيار أعضائها، خاضعا لسلطة أحزاب الإسلام السياسي المهيمنة على السلطة التشريعية، وبذلك يتحقق ضمان ليس فقط حضور فقهاء في تشكيلة المحكمة كما قرر الدستور، وإنما أيضا في اختيار قضاة، وخبراء قانون ذوي توجهات إسلاموية يكونون مسؤولين عن تفسير نصوص الدستور.
إنها عودة إلى لحظة تاريخية ما قبل حداثوية بامتياز، حيث التأويل حكر على رجال الدين بمعزل عن مسمياتهم، بناءً على هذين المعطيين فإن ما لم يؤخذ بالنص الدستوري أو القانوني سيؤخذ بالتأويل!
فيما يتعلق بالمادة الثالثة المتعلقة بالأحوال الشخصية، فقد ابدى الإسلامويون موقفا صريحا معارضا لقانون الاحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، فقد سبق للسيد عبد العزيز الحكيم أن حاول إلغاء هذا القانون في كانون الاول/ ديسمبر 2003 عند توليه الرئاسة الدورية لمجلس الحكم، واصدر القرار رقم 137 لسنة 2003 الذي نص على « تطبيق احكام الشريعة الإسلامية فيما يخص الزواج والخطبة وعقد الزواج والاهلية واثبات الزواج والمحرمات وزواج الكتابيات والحقوق الزوجية من مهر ونفقة وطلاق وتفريق شرعي او خلع والعدة والنسب والرضاعة والحضانة ونفقة الفروع والاصول والاقارب والوصية والايصاء والوقف والميراث وكافة المحاكم الشرعية (الاحوال الشخصية) وطبقا لفرائض مذهبه».
ولكن التدخل المباشر لبول بريمر رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة ألغى هذا القرار في حينه! ولما كان الإسلامويون غير قادرين عمليا على إنفاذ المادة الدستورية التي تحدثت عن «حرية» العراقيين في الالتزام بأحوالهم الشخصية حسب دياناتهم او مذاهبهم او معتقداتهم او اختياراتهم طوال السنوات الماضية، فمن الواضح أنهم يعتقدون اليوم ان الفرصة سانحة لفرض جزء مما ارادوه، ليس عبر الغاء قانون الاحوال الشخصية القائم كله، بل من خلال تعديل جوهري يفقده الفكرة الأساسية التي قام عليها! فبالعودة إلى الأسباب الموجبة لقانون 188 نجد أنه كان محاولة ناجحة في حسم مسألة تعدد مصادر القضاء الشرعي واختلاف الاحكام الذي يجعل حياة العائلة غير مستقرة وحقوق الفرد غير مضمونة من خلال جمع الاحكام الشرعية وتوحيدها في قانون واحد يجمع اهم المبادئ العامة لأحكام الأحوال الشخصية تاركا للقاضي الرجوع إلى المطولات لأخذ الاحكام الفرعية من النصوص المتسقة مع أحكام القانون نفسه. 
اما مشروع تعديل القانون رقم 188 الذي يناقش اليوم في مجلس النواب، فيكشف اولا عن محاولة منهجية لشرعنة نظام «الطوائف» في المدونة القانونية العراقية بعد أن تم تكريسها سياسيا!
وثانيا عن فرض سلطة الفقيه على سلطة القانون عبر النص على إلزام القضاء باتباع ما يصدر عن «المجمع العلمي في ديوان الوقف الشيعي» وفقا للمشهور من الفقه الشيعي وفتاوى الفقهاء الاعلام، وعند عدم الشهرة يؤخذ برأي المرجع الديني الاعلى في النجف حصرا والأكثر تقليدا في العراق! وما يصدر عن المجلس العلمي والافتائي في ديوان الوقف السني» وفقا للمشهور من الفقه السني! والجديد هنا هي محاولة فرض سلطة للفقيه السني التي لم يكن لها وجود مقنن في أية لحظة تاريخية سابقة، وهي محاولة سياسية مكشوفة لفرض سلطة مثل هذا الفقيه السني المصطنع! وثالثا ينتج عن هذا التعديل فرض هذا «التطييف» على جميع عقود الزواج السابقة بأثر رجعي! ورابعا يمنح هذا التعديل رجال الدين سلطة ابرام عقود الزواج «بعد التأكد من توافر أركان العقد وشروطه «وفقا للمذهب وليس وفقا لأحكام القانون، وهي مادة تطيح عمليا بالقانون وأحكامه المتعلقة بشروط الاهلية للزواج التي قررتها المادة السابعة من القانون بتمام الثامنة عشرة من العمر، لصالح الزواج المبكر الذي يجعل اهلية الزواج عند التاسعة من العمر! أخيرا من اجل إحكام حلقة سلطة الفقيه هنا، يقرر مشروع التعديل أنه «لا يحكم بمخالفة أي من مواد هذا القانون او بنوده او فقراته لثوابت احكام الإسلام إلا إذا صوت على مخالفته اغلبية خبراء الفقه الإسلامي من اعضاء المحكمة الاتحادية العليا»!
إذا كانت المهمة الأولى للدستور في الدولة الحديثة تثبيت «سلطة القانون» عبر مؤسسة الدولة، فان الدستور العراقي عمد إلى «تحييد» هذه السلطة. فمشروع التعديل هذا يطيح عمليا بقانون الاحوال الشخصية رقم (188) لسنة (1959)، الذي مثل احتكار الدولة لسلطة القانون والتشريع و تحييد سلطة المعرفة التي يمثلها « الفقيه «. فهذا التعديل يعيد «للفقيه» هذه السلطة بالكامل. والمسألة هنا لا علاقة لها مطلقا بثوابت الاحكام، بدليل أن «قانون العقوبات» النافذ يبطل حدودا وأحكاما لا اجتهاد فيها. إنها إعادة «لسلطة» الفقيه على المسائل الخاصة بالمجتمع، وإدامة هذه العلاقة، ومن ثم بقاؤه فاعلا يتحرك بموازاة الدولة، وليس ضمنها، اي انها «ولاية فقيه» من نوع آخر.

 

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث