حكايات عن السياب - عبد الاله عبد القادر

المتواجدون الأن

74 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

حكايات عن السياب - عبد الاله عبد القادر

 

مرت الذكرى الثالثة والأربعون لرحيل الشاعر الكبير بدر شاكر السياب في الرابع والعشرين من ديسمبر الماضي، حيث ودع الحياة في الرابع والعشرين من ديسمبر 1964 بالمستشفى الأميري في الكويت، ولم يكن معه سوى صديقه الشاعر الكويتي علي السبتي الذي دفنه في مقبرة الزبير في منتصف الطريق بين العبدلي ومركز مدينة البصرة.

لم يعش طويلاً ولم يكمل عقده الرابع، فقد ولد عام 1926 في البصرة ورحل عام 1964، ولكنه ترك لنا نتاجاً شعرياً غزيراً، وحقق المعادلة التي عجز شعراء العربية قبله بقرون طويلة من تحقيقها، وفتح الباب على مصراعيه لحركة تحديث الشعر العربي، ليقدم للعربية ما سمي بقصيدة التفعيلة. السياب عاش حياة معاناة، بل تراجيديا مؤلمة مع الحب والمرض والموت والغربة والفقر أيضاً.

ولأنني ابن مدينته، وكثير من أقاربي يعرفونه شخصياً فأذكر عنه حكايات لم تنشر، مثلاً علاقاته مع بعض العطارين مثل المرحوم سيد جليل فخر الدين الذي كان يعود له كلما اضطرته الحاجة المادية، وسيد جليل رجل عطار، يبيع الأعشاب الطبية، لكنه يعشق شعر السياب، ويحفظ الكثير منه،

ويحرص بدر أن يهدي دواوينه للسيد جليل للود الذي بينهما، على الرغم من الفارق الثقافي الذي يفصلهما لكن معظم الشخصيات الشعبية العراقية كانت تحترم الشعر والشعراء وتقف إلى جانبهم، بل وتحفظ لهم أيضاً، أذكر أيضاً في هذا السياق المرحوم محمد حسين عاقل وهو تاجر أطعمة مجاور لمحل السيد جليل،

وكلا الموقعين يقعان على نهر العشار في البصرة، خلف مقام الإمام علي وجامع المقام، وحكاية محمد حسين عاقل والسياب لا تختلف في العلاقة عما ذكرنا عنها مع السيد جليل، محمد حسين يحب الشعر ويحفظه ويعجب بالسياب شاعراً وأديباً، ويساعده بالمال كلما دعت الحاجة لذلك، ولقاء ذلك فالسياب يهدي دواوينه إلى محمد حسين بتوقيعه، وكانت هذه الدواوين أثيرة على نفس التاجر،

ويحتفظ بها في مكتبته التي كانت غزيرة بكتب الشعر والتراث العربي والأدب القديم والحديث، وفجأة وجد التاجر محمد حسين نفسه أمام قرار ترحيله إلى إيران على اعتباره إيراني الأصل غير أنه كان من العشائر العراقية العربية في طويريح على الفرات الأوسط،

وأجبر على ترك بلاده، ووزع وباع أملاكه وأمواله، بل لم ينس مكتبته، فما وجد أفضل مني في الحفاظ على هذه المكتبة ومعرفة قيمتها المعنوية وثروتها الفكرية، فجاء بالكتب إلى بيتي، وأوصاني بالقول «هذه الكتب ومنها دواوين السياب أمانة لديك، أن عدت إلى وطني آخذها منك، وأن لم أعد فهي ملكك - أي ملكي»

كانت التركة ثقيلة ومحببة إلى نفسي، وكان يعز على أن يغادر محمد حسين وهو بمثابة العم والجار العزيز، وأذكر أنه قال إلى مدير الأمن: إنني عراقي في الأصل والمولد، أنا سنديانة جذرها يمتد عميقاً في الأرض أن قلعتني سأموت.

وبالفعل بعد فترة قصيرة مات محمد حسين في إيران، وترك عائلته وأبناءه هناك، وقد خسرهم العراق، أما المكتبة التي تركها لي فقد كانت تذكرني به وبالسياب كلما قرأت إهداء بخط بدر إلى صديقه محمد حسين.

وبعد سنوات قصار اضطررت إلى الهجرة من وطني وتركت ما أملك ومنها المكتبة، أستبيح بيتي واستباحوا المكتبة، ودواوين السياب، وضاعت ثروة من الكتب وذكريات بشر، هكذا هم الجهلة الرعاع حينما يصبحون سادة البلد، يحرقون كل شيء جميل حتى يسود القبح الذي يحملونه معهم.

وأذكر حكايات عديدة عن بدر شاكر السياب حتى بعد رحيله، بعد أن تذكر العراقيون شاعرهم، ونصبوا له تمثالاً نحته صديقي نداء كاظم، ووقف عند تخوم شط العرب في بداية الكورنيش شاهداً على نبوغ أهل البصرة ودورهم في بناء حضارة العرب وأدبهم، وثقافتهم، وفلسفتهم، أهملت بلدية البصرة التمثال، ولم يتابع أحد تنظيف الحديقة المحيطة به، أو تلميع التمثال وغسله، أو الاعتناء بالمنصة التي وقف عليها،

وأذكر أن أستاذاً مصرياً أكاديمياً كان مجنوناً بشعر السياب منذ صغره، وأكمل دراسته الجامعية قسم الآداب من أجل التعرف على شعر السياب، ثم أكمل دراسة الماجستير ليتعمق بشعر السياب، ثم بدأ يعد أطروحة الدكتوراه عن السياب أيضاً، وصادف أن وجهت للأستاذ دعوة لحضور مهرجان المربد الشعري الذي كان يقام في البصرة موطنه منذ مئات السنين.

وصل الأستاذ المصري إلى البصرة كما يقول هو، وسرعان ما ترك الفندق، باحثاً عن أثر للسياب في مدينته، فاهتدى إلى تمثاله عند تخوم شط العرب، وجلس أمام التمثال يستذكر أشعاره وحياته مع ذاته، ومستغرقاً بحلمه عن شاعر أحبه وعشق شعره، دون أن يبالي بما يحيطه من قاذورات وبقايا مواد بل وزبالة.

فجأة وقفت سيارة تاكسي، ونزلت منها امرأة كهلة رسم الزمن على وجهها آثاره ومعها فتاة في عمر الزهور، يحملان سطلاً ومكانس ومنظفات وبدآ يغسلان التمثال بماء من شط العرب ويزيلان الأوساخ والقاذورات والزبالة من حول التمثال. تقدم الشاب المصري من المرأة، وسألها بفضول، عن الأسباب التي دعتها والفتاة الشابة من هذا العمل.

نظرت المرأة إلى وجه تمثال السياب، قالت هذا واجبي الا تعرف أنه تمثال بدر شاكر السياب، وقد وصل وفود مهرجان المربد اليوم إلى البصرة ولا بد أن أصدقاءه ومريديه ومحبيه سيزورون المكان، أليس من واجبي أنا زوجته إقبال وهذه ابنته أن تجعل تمثاله جميلاً مثل جمال شعره ورشاقة قصيدته.

لم يصدق الشاب المصري، وصفق بيديه، وشجبها فوق رأسه وقص لها حكاية عشقه لشعر بدر شاكر السياب، منذ أن تعرف على قصيدته الأولى، حتى إعداد أطروحة الدكتوراه. وبطبيعة أهل البصرة، وانفتاحهم على العالم وكرمهم، دعته زوجة السياب لزيارة مسقط رأس الشاعر عند «بويب» لم يصدق أن بعض حلمه سيتحقق، وسيدخل بيت السياب عابراً، «بويب النهير الصغير» وأن يعيش في الغرفة التي كتب بها،

ونام فيها ولم يمت على سريره فيها. والحكاية كما أعرفها نشرها الصديق رجاء النقاش في مجلة الدوحة القطرية يوم كان يرأس تحريرها، ولعل ذاكرة النقاش أكثر حيوية من ذاكرتي فيذكر اسم هذا المعجب بشعر السياب والذي ظل يحلم به منذ أن تعلم فك الحرف، وتلمس عروض الفراهيدي، فتحقق له أن يعيش أياماً في ضيافة عائلة السياب البصرية الكريمة.

أما عن حكايات حبه الكثيرة ـ القليلة، فيقال انه عشق سبعاً من النساء، بينهن شاعرتان، واحدة عراقية كانت تزامله في دار المعلمين العالية، جامعة بغداد، وكان يسبقها بمرحلتين على ما أذكر، وأخرى أجنبية تعرف عليها في نهاية العمر تماماً، إلا أن الكاتب والناقد ماجد السامرائي يعتبر هذه العلاقات «نسيجاً من الأحلام والأوهام» على تعبيره في احدى مقالاته عن بدر،

ومهما كانت حقيقة هذه العلاقات فإن ما وصلنا من شعر بدر حول نسائه السبع يجعل متابعة الموضوع شعرياً، يمتلك مشروعية الإبداع والمتعة معاً، على الرغم من أنه لم يحقق وصالاً مع أي واحدة منهن إلا زوجته إقبال التي ظهرت بشكل كثيف وواضح في ديوانه الأخيرة، وقصائده عند الاحتضار يقول في ليلة وداع، وقد كتبها في 21/ 8/ 1964،

أي قبل وفاته بأشهر قلائل «أو صدي الباب/ فدنيا لست فيها/ ليس تستأهل من عيني نظرة/ سوف تمضين وابقى/ أي حسرة؟/ أتمنى لك ألا تعرفيها/ آه لو تدرين ما معنى ثواني في سرير من دم ؟ ميت الساقين محموم الجبين/ تأكل الظلماء عيناي ويحسوها فمي/ تائهاً في واحةٍ خلف جدار من سنين/ وأنين/ مستطار اللب بين الأنجم».

لم يكن جميل الوجه، ولكنه كان مبدعاً حقيقياً، لذا على الرغم من حبه لعدد من النسوة الجميلات اللواتي مررن بحياته، إلا أنه لم ينل منهن غير إقبال زوجته، وقد كتب كثيراً عن هذه العلاقة الإنسانية وعن عشقه لهن ابتداءً من حبه الأول للشاعرة لميعة عباس عمارة،

وصولاً إلى آخرهن الشاعرة البلجيكية «لوك نوران» عام 1963، التي بكت من شدة إعجابها بما كتبه عنها وقد ترجم القصيدة إلى الإنجليزية خصيصاً لها، والقصيدة واحدة من روائع السياب التي يذكرها الشعر العربي ويقول في نهايتها: لم يبق منك سوى عبير/ يبكي وغير صدى الوداع/ إلى اللقاء/ وتركت لي شفقاً من الزهرات جمعها إناء.

أما حبه الأول لميعة عباس عمارة فكانت مثل زميلاتها لا يحببن من السياب سوى شعره، وقراءة دواوينه، وقد أدرك ذلك، ورغم ذلك فقد كتب بلميعة وببعض من تعرف عليهن أجمل قصائد الحب، مثلما اضطر ليهجينهن بعد أن أدرك تحجر عواطفهن تجاهه، يقول عن لميعة:

وتلك شاعرتي التي كانت لي الدنيا وما فيها/ شربت الشعر من أحداقها ونعست في أفياء/ تنشرها قصائدها علي/ فكل ماضيها/ وكل شبابها كان انتظاراً لي على شط يهوم فوقه القمر/ وتنعس في حماة الطير/ رمش نعاسها المطر/ فنبهها فطارت تملأ الآفاق بالأصداء ناعسة/ تؤج النور مرتعشاً قوادمها/ وتخفق في خوافيها/ ظلال الليل/ أين أصيلنا الصيفي في جيكور ؟!

عند الرجوع إلى ديوان السياب سنعثر على قصائد مختلفة في حب النسوة اللواتي ما أحبوه يقول في قصيدة كتبها في باريس 19/ 3/ 1963: وما من عادتي نكران ماضي الذي كانا/ ولكن.. كل من أحببت قبلك ما أحبوني/ ولا عطفوا علي/ عشقت سبعاً كن أحياناً/ ترف شعورهن علي، تحملني إلى الصين/ شقائق من عطور نهودهن/ أغوص في بحرٍ من الأوهام والوجد/ فالتقط المحار أظن فيه الدر،

ثم تظلني وحدي/ جدائل نخلة فرعاء/ فأبحث بين أكوام المحار، لعل لؤلؤة ستبزغ منه كالنجمة/ وإذ تدمي يداي وتنزع الأخطار عنها، لا ينز هناك غير الماء/ وغير الطين من صدف المحار، فتقطر البسمة/ على ثغري دموعاً من قرار القلب تنبثق/ لأن جميع من أحببت قبلك ما أحبوني».

 

وفي الديوان ذاته نقرأ عن أخرى يحلم بلقائها غداً، لكننا نفاجأ في مكان آخر عن ندمه في أنه لم يمزق قميصها «وغداً سألقاها/ سأشدها شداً فتهمس بي/ رحماك، ثم تقول عيناك/ مزق نهودي - ضم أواها/ ردفي.. وأطو برعشة اللهب/ ظهري، كأن جزيرة العرب/ تسري عليه بطيب ريّاها».

أما المرض والموت فتلك حكاية ومعاناة عاشها السياب طيلة حياته، مثلما عاش أحزانه العاطفية وانعكست على شعره، لقد نكب السياب من بداية حياته بصحة عليلة، وصورة ليست جميلة، وحس مرهف لكنه ظل مطارداً في حياته وغربته، وسجنه،

ومعاناة بالفاقة بعد أن طرد من العمل عدة مرات، أنها حياة تراجيدية حقاً، فمن حبيبة لا تبادله الحب إلى حياة سياسية مضطربة، وتقلبات أهواء السياسة وصراعات حزبية انتهت به إلى كوارث حياتية إلى جانب مرضه الذي تفشى بجسمه حتى أصابه بالانهيار فانزوى في المستشفى الأميري في الكويت يعاني من خيبة الحب، ورفض مجتمعه له،

وفاقة شديدة بعد فصله من العمل، وغربة حقيقية ومرض استفحل عليه، وعائلة بعيدة عنه وهو يودع أنفاسه الأخيرة في الحياة، لذا فقد ترك لنا قصائد مفعمة بالحزن والأسى واللوعة، من خيانة الأصدقاء والحبيبة، ومن بعد الأهل، والغربة عن الوطن ومن الفاقة يقول في سفر أيوب:

لك الحمد مهما استطال البلاء/ ومهما استبد الألم/ لك الحمد ان الرزايا عطاء/ وان المصيبات بعض الكرم/ ألم تعطني انت هذا الظلام/ واعطيتني أنت هذا السحر/ فهل تشكر الأرض قطر المطر/ وتغضب ان لم يجدها الغمام/ شهور طوال وهذي الجراح/ تمزق جنبي مثل المُدى/

ولا يهدأ الداء عند الصباح/ ولا يمسح الليل أوجاعه الردى/ ولكن أيوب أن صاح صاح/ لك الحمد أن الرزايا ندى/ وأن الجراح هدايا الحبيب/ أضم إلى الصدر باقاتها/ هداياك في خافقي لا تغيب/ هداياك مقبولة هاتها

إن السياب شاعر الحب والمشاعر المجهضة، هو أيضاً شاعر الحزن والألم والغربة، رحل شاباً، ولم يعش حياته كما ينبغي في عراق مضطرب، وأحزاب متصارعة، ووطن ظل يأكل أبناءه حتى عافته الأسود ليصبح مرتعاً للثعالب

Comments are now closed for this entry