عبادي ودولته الفاسدة -: فاروق يوسف

المتواجدون الأن

68 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

عبادي ودولته الفاسدة -: فاروق يوسف

 

التصريحات النارية التي أطلقها رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ضد الفساد والفاسدين يمكن قراءتها من جهة ما تشير إليه من عجز الرجل عن القيام بفعل ملموس يسند رغبته واقعيابمعنى أن تلك التصريحات ليست سوى محاولة لإلهاء الرأي العام العراقي عن حقيقة أن الفساد الذي يشير إليه لا يتعلق بنشاط أشخاص بعينهم بل هو ضارب بجذوره في عمق الدولة بعد أن نجح نوري المالكي عبر سنوات حكمه الثمان في أنشاء دولة فاسدة.

فهل يقوى العبادي على الاطاحة بتلك الدولة ليخرج منتصرا في معركته؟

حين احتل الاميركان العراق عام 2003 وضع احمد الجلبي وهو اهم عرابي الاحتلال حلمه في اجتثاث البعث موضع التنفيذ. بطريقة أو بأخرى انحرفت عملية الاجتثاث (وهي كلمة بغيضة) عن هدفها لتأخذ بعدا طائفيا. فصار هناك بعث سني يجب القضاء نهائيا عليه وفي المقابل كان هناك بعث شيعي سيتم التعامل مع أفراده بقدر من العطف والحنان ليُعاد ادماجهم بالدولة الحديثة. وكما أرى فإن المعضلة التي يواجهها العبادي هي ذاتها التي واجهها الجلبي يوم كان حيا.

وربما سيكون موقف العبادي أسوأ من موقف الجلبي.

حين بدأ الجلبي مهمته كان قد تم تحطيم الدولة العراقية فكان العدو أعزلا لا يملك ما يدافع به عن نفسه وما من جدار يستند عليه. إضافة إلى أن اطمئنان البعثيين السابق لبقائهم في السلطة إلى الأبد قد دفعهم إلى عدم الاهتمام بالاحتمالات الأخرى فكان معظمهم لا يملك إلا ما يوفر له العيش الكريم لذلك كانوا أضعف من أن يُحاربوا.

لم يشكل البعثيون مافيات خفية ولم تكن لديهم أرصدة سرية في المصارف المحلية أو العالمية ولم يخبئوا السلاح في انتظار لحظة الصدام المحلي مع القوى التي تنوي اجتثاثهملقد جرت تلك العملية الجراحية بيسر.

بالنسبة للعبادي فإن الأمر مختلف مئة بالمئة.

لم يفكر أحد من القادمين مع المحتل بأنه سيبقى طويلا في السلطة لا لأنهم لا يثقون بالشعب الذي لا يثق بهم وهو أمر مؤكد، بل لأنهم يتوقعون أن المحتل سيستغني عنهم في أية لحظة. لذلك سارع البعض منهم إلى الهروب ما أن وقعت يده على جزء من الغنيمة مطمئنا إلى أن أحدا ممن يحيطون به لن يطارده بسبب انشغال الجميع بالحصول على حصصهم من الغنيمة.

حدث ذلك في وقت مبكر وقبل أن تُتاح لنوري المالكي فرصة السيطرة الكاملة على ثروات العراق من خلال الاستيلاء على البنك المركزي والاشراف الشخصي المباشر على كل صفقات الاعمار الذي سرعان ما تبين أنه كان وهميا أو مجرد دراسات ومخططات على الورق.

من المؤكد أن الفاسدين كانوا أفرادا في البدء فصاروا في زمن المالكي أي بعد ثلاث سنوات من الاحتلال جماعات تحميهم قوى ضاربة محلية واقليمية.

لقد صمم المالكي الدولة التي أدارها بطريقة سمحت للفساد في أن يكون القاسم المشترك الأكبر الذي ينظم عمل جميع المؤسسات، بحيث لا يمكن أن تجري عملية بمعزل عن معادلاته وهي معادلات بسيطة بالرغم من غموض لغتها وخطورة المنزلق الذي تؤدي إليه.

وإذا ما كان المالكي قد غادر الحكم مجبرا بعد ان اتفقت الولايات المتحدة وإيران على تغييره فإن اطمئنانه إلى قوة الدولة التي أسسها يضعه في منجى عن المساءلة بعد أن شبك مصالحه بمصالح قوى إقليمية لها اليد العليا في العراق.

فلو افترضنا أن العبادي يقوى على الصدام مع المالكي وهو زعيمه الحزبي فهل يقوى على الصدام مع إيران التي هي مرجعيته التي يمكنها ان تقلب الطاولة عليه من خلال حشدها الشعبي؟

ذات مرة استقبل المالكي في بيروت استقبال الزعماء الفاتحين. كرنفال أداره حزب الله حين وضع صور الزائر على طول الطريق بين مطار الحريري وبيروت. وهو احتفال مدفوع الثمن كان بمثابة تتويج لواحد من أهم زعماء الفساد في العالم العربي.

كل ذلك يعرفه العبادي ويعرف أكثر منه. لذلك فإنه لن يجرؤ على الدخول إلى متاهة الفساد التي لا يملك ضمانة للخروج منها سالما. سيغيره الوقوف على مسافة من تلك المتاهة ليصفها بكلمات ترق لها القلوب وتدمع لها العيون غير أنه لن يلقي خطوة واحدة في اتجاهها.

الحرب على الفساد في العراق تحتاج إلى قوة دولة لا يملكها العبادي وهو الذي ورث دولة فاسدة.

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث