جنيف: مهزومان على مائدة واحدة - فاروق يوسف

المتواجدون الأن

102 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

جنيف: مهزومان على مائدة واحدة - فاروق يوسف

 

 
 

أكان من الممكن أن تكون الأمور في سوريا أقل سوءا؟ سؤال لم يعد له معنى منذ زمن طويل. لقد فشل طرفا الصراع في إدارة الأزمة حين فكر كل واحد منهما أنه يملك الحق المطلق. ليس الحق وحده بل وأيضا القدرة على الانتقال بذلك الحق من جانبه النظري إلى واقعيته، باعتباره رهانا وحيدا.

كان ثمن ذلك الرهان باهظا دفعه الشعب السوري صاغرا.

اليوم تذهب تلك المعارضة الى المفاوضات رافعة شعار "من غير شروط مسبقة" وهو ما يناقض التصريحات النارية التي يسوقها المعارضون أفرادا وجماعات. تصريحات يمكن اعتبارها جزءا من ماض غلبت عليه الأمنيات التي انحرفت عن مسارها في اتجاه الحرب.

لا يزال هناك مَن ينادي بإزاحة الرئيس السوري بالرغم من أن كل المعطيات السياسية تؤكد أنه باق في موقعه باتفاق دولي. حتى الذاهبون إلى المفاوضات من غير شروط مسبقة يرددون ذلك الشعار، رغبة منهم في تسويق مزحة ثقيلة لم يعد أحد من رعاة الشأن السوري مهتما بها.

الحكومة السورية من جهتها لا تثق بما تضمره المعارضة. بالنسبة لها فإن ما لحق بسوريا من خراب ما كان يمكن ن يقع لولا الباب الذي فتحته تلك المعارضة للجماعات الإرهابية المسلحة للدخول إلى سوريا.

حتى اللحظة لا تعترف الحكومة السورية من خلال وفودها إلى المفاوضات بوجود معارضة سورية، يمكن أن تكون طرفا وطنيا في حوار سياسي يهدف إلى إخراج سوريا من أزمتها المدمرة.

غير أن ما صار مفهوما من قبل الحكومة السورية ومعارضيها أن كل ما يفكران فيه ينبغي القاؤه جانبا والبدء بمفاوضات المهزومين وهي مفاوضات يراهن الكثيرون على أنها ستقود إلى مخرجلن يكون ذلك المخرج هو الحل النهائي بالتأكيد، غير أنه سيكون تمهيدا أوليا لصورة الحل المقبول.

لقد تلقى الطرفان، الحكومة ومعارضتها دروسا في الطاعة لا يمكن القفز عليها والعودة إلى ما يمكن اعتباره اليوم نوعا من الهلوسة.

فلا شعار اسقاط النظام ينفع المعارضة ولا إغماض العين عن وجود المعارضة ينفع النظام.

الطرفان يعودان إلى زمن صارت استعادته بالنسبة للسوريين العاديين نوعا من الخيالكما لو أن الحرب لم تقع. كما لو أن الملايين لم تنزح عن مدنها. كما لو أن القتلى لا يزالون أحياء. كما لو أن حلب لم تتحول إلى ركام مدينة. كما لو أن الحقد والكراهية والانتقام لم ينشبوا أظفارهم في الروح السورية.

"من غير شروط مسبقة" يجلس وفد المعرضة الذي اختير أعضاؤه بعناية في الرياض أمام وفد الحكومة الذي لن يكون هذه المرة متشددا كما عهدناه.

هل علينا أن نصدق أن ما يجري في جنيف 8 هو تعبير عن قدرة السوريين على التعلم من دروس الكارثة التي ضربت بلادهم؟

أتمنى ذلك غير أنه ليس حقيقيا من وجهة نظري.

لو لم تتبدل المعادلات الدولية ما كان في إمكان طرفي النزاع أن يعودا إلى مائدة الحوار السياسي التي سبق لهما أن رفساها في مراحل الصراع السابقة وهو ما أنتج حربا امتدت لأكثر من ست سنوات راح ضحيتها أكثر من نصف مليون إنسان لم يكن لديهم ذنب سوى وقوعهم بالصدفة في طريق المتحاربين.

لم يكن سقوط المزيد من الضحايا ليغير في شيء من موقف طرفي النزاع.

لقد تمكنت نزعة الشر من الطرفين فباتا لا يريان حلا إلا بقضاء أحدهما على الآخر والتخلص منه.

لم تكن فكرة التعايش مقبولة.

لقد استلهمت المعارضة السورية تجربة المعارضة العراقية السابقة وكانت تحلم بانهيار سريع للنظام من أجل أن يحل رموزها محل رموزه.

كان تغيير النظام ولا يزال بالنسبة لبعض المعارضين هو الحل الذهبي لكل مشكلات سوريا.

اما بالنسبة للحكومة السورية فإن ظهور معارضين له هو نوع من الخيال الذي لا يقبله الواقع.

بين هذين الموقفين غير المسئولين وقف الشعب السوري حائرا.

اليوم يعود الطرفان الى استرضاء الشعب تحت ضغط عالمي.

المهزومان يجلسان اليوم وجها لوجه من غير أن يعترفا بما اقترفاه من ذنوب في حق الشعب المنكوب بهما.

 

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث