الحلقة الاشتراكية الاولى في العراق - سيف عدنان

المتواجدون الأن

89 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

الحلقة الاشتراكية الاولى في العراق - سيف عدنان

 

تعد حلقة حسين الرحال الحلقة الاشتراكية الاولى في العراق، التي تشكلت في أحياء بغدادية متجاورة، وضمت عدداً من مثقفيها جمعتهم الرغبة في إيجاد تفسيرات ماركسية لأوضاع بلادهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

 وشكل الرحال، الطالب بمدرسة الحقوق وأول معتنقي الماركسية عام 1924, أول حلقة ماركسية كما يشير الرحال نفسه بقوله “إنهم جماعتي.

 وأنصب اهتمام هذه الجماعة في على تطبيق الفكر الماركسي على أوضاع العراق الاقتصادية والاجتماعية في ظل السيطرة الاستعمارية البريطانية الممثلة بسلطات الانتداب، ورفعوا تقريرهم الى لينين عبر بلاد فارس.

وأصطف مع الرحال الاديب محمود أحمد السيد، إذ عدَ من أوائل من إستهوته الافكار الماركسية منذ 1924.

فرض واقع العراق الاجتماعي والاقتصادي تزايد عدد الراغبين بالاطلاع على الفكر الماركسي ففضلاً عن المذكورين سابقاً ضمت أول حلقة كلاً من عوني بكر صدقي،و مصطفى علي،و محمد سليم،و عبدالله جدوع،و فاضل محمد و,محمد أحمد المدرس .

واتخذوا من مقهى النقيب في قنبر علي، إحدى محلات بغداد، مكاناً للالتقاء يتوافد عليها شباب الحلقة من محلات باب الشيخ والبارودية والكولات، كما يشير إليها المحامي حسين جميل.

وإتفقت آراؤهم على إصدار مجلة نصف شهرية ، للتعبير عن أفكارهم، فصدر العدد الاول منها يوم 28 كانون الاول/ديسمبر 1924، بإعتبارها صحيفة أدبية علمية أجتماعية، أدارها حسين الرحال، تركزت أخبارها على مشكلات البلاد الاجتماعية والاقتصادية والفكرية هاجمت الإقطاع.

وتوسع نشاط هذه الحلقة وتزايدت أعداد أفرادها حتى أنهم أقاموا عام 1926 “نادي التضامن”برئاسة يوسف زينل، تحرك تحت غطائه دعاة الديمقراطية، من طلبة ومستخدمين، وكان من أبرز نشاطاتهم السياسية موقفهم الاحتجاجي على زيارة الزعيم الصهيوني (ألفريد موند) الى بغداد في 8 شباط/فبراير 1928، معبرين من خلالها عن موقف مناهض لسياسة بريطانيا تجاه قضية الشعب الفلسطيني.

ومن جهة أخرى ركزت جريدة “الصحيفة” الناطقة بلسانهم، على كسب ود الفقراء والكادحين، وهم الاغلبية الساحقة من الشعب العراقي من خلال مهاجمة الاغنياء والمترفين، يعدهم مستغلي الشعب. كما طرحت موضوعات أخرى مثل تخلف المجتمع وأخرى حول الفكر الاشتراكي.

ولايخفى أن آراء وتوجهات تلك الجماعة لاقت معارضة أطراف دينية وأخرى محافظة اعتبرت نشاطهم يدعو الى الكفر والالحاد.

وعلى الرغم من الصعوبات التي واجهت جماعة حسين الرحال لبناء تنظيم ماركسي- لينيني في العراق، والتي أدت الى تفرق شملهم، ظلّ أكثرهم محافظاً على مواقفه الوطنية التقدمية إزاء قضايا الشعب الكبرى.

ولم تتوقف محاولاتهم في بث آرائهم وأفكارهم، حتى وإن إتهموا بأنهم مرتعٌ للكفر والالحاد وأسكت صوت جريدتهم “الصحيفة” بعد صدور ستة أعداد منها فقط الا أنها سرعان ما عادت بعد عامين الى الصدور فلم يصدر منها إلا عددان لتتوقف من جديد في السابع عشر من أيار/مايو 1927.ومهما يكن من أمر فأن ذلك النشاط، على الرغم من قصر مدته الزمنية تركت آثاراً يمكن القول أنها شكلت بدايات الفكر الاشتراكي في العراق، لدى عدد قليل من أبناء البلاد.

واجهت جماعة حسين الرحال مصاعب جمة لبناء تنظيم سياسي ماركسي وذلك لقلة أعضائه وعدم أمتلاكهم القدرة على التغلغل بين صفوف الكادحين كما أن القيادات الدينية الاسلامية كانت قوية و متنافرة مع الفكر الماركسي.

الملاحظ أن بدايات النشاط الشيوعي امتد عبر بلاد فارس الى جنوبي العراق,وكانت ارض خصبة لتقبل الشيوعية ,لوجود الإقطاع وظلمه بواسطة بطرس فاسيلي، الذي أستطاع إجتذاب العديد من الشباب العراقي ومنهم عبد الحميد الخطيب و زكريا الياس و سامي نادر وإقناعهم بإتباع الماركسية فشكل أول حلقة في البصرة عام  1927وفي الناصرية 1928.

وأتخذ بطرس فاسيلي، الضابط في الجيش الروسي، والملقب ابو ناصر, من مدينة الناصرية مقراً له وبث دعوته للشيوعية وجمع حوله عدداً من الاتباع، ومن خلال عمله خياطاً كان يتحدث للشبان عن التطورات في روسيا وأكثر من لازمه في الناصرية (يوسف سلمان يوسف) الذي شرح له مجريات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في روسيا السوفيتية.

إن نشاط بطرس فاسيلي (أبو ناصر), على الرغم من طرده عام 1934، لم يذهب سدى إذ شكل أول حلقة شيوعية في البصرة عام 1927،ومن أوائل من إعتنقها بالبصرة هو عبد الحميد الخطيب على أن عددها لم يتجاوز الـ (12) شابا, أوائل العام 1929، وعلى الرغم من بساطة معرفتهم بالافكار الشيوعية كانت حماستهم واضحة في الميدان.

لقد تزامن تنامي النشاط الشيوعي في العراق مع الازمة الاقتصادية العالمية 1929- 1933 التي أثرت بشكل واضح في السوق العراقية إذ تدنى الطلب الخارجي على المنتجات الزراعية العراقية ومن ثمّ هبوط أسعارها بشكل كبير.

وفي خضم الازمة الاقتصادية العالمية التي ألقت بظلالها على العراق، ظهر عامل آخر ساعد على توسيع قاعدة الشيوعية في العراق، ولاسيما أن شعوراً قد ساد بأن المعاهدة الجديدة العراقية- البريطانية لعام 1930، تمس سيادة العراق في نواح مختلفة.

وهكذا ففي الوقت الذي أراد فيه الشعب العراقي التخلص من قيود الانتداب , وجد نفسه مكبلاً بقيود معاهدة 1930 وملاحقها االمالية والاقتصادية والعسكرية.

ليس هذا فحسب بل إن فرض ضرائب جديدة على الشعب زادت من ارهاق الفئات الفقيرة, الذين يشكلون اغلبية الشعب ,اذ فرض قانون رسوم البلديات أنواعاً من الضرائب لم يعهدها الشعب من قبل مثل الرسوم على الكلاب والحمير وفحص السيارات والجسور والمعابر ووسائط النقل بجميع أشكالها..

إن تلك الضرائب دفعت رؤساء الجمعيات العمالية والحرفية، ومنهم مثلاً محمد صالح القزاز، إلى التحرك والمطالبة بإلغاء القانون، ورفع رؤساء الجمعيات مطالب عمالية أخرى، وأمام رفض المسؤولين وممطالاتهم تمت الدعوة الى الاضراب العام في الخامس من تموز/يوليو 1932 وإستمر أسبوعين في بغداد وعدد من المدن العراقية الاخرى.

شكلت تلك العوامل الاقتصادية والسياسية أرضاً خصبة لتزيد معتنقي الشيوعية في وسط وجنوبي العراق حتى وصل عددهم في البصرة والناصرية عام 1933 الى نحو الستين عضواً ونما نشاطهم في العاصمة بغداد وبدأ العمل على مستوى فردي وهادئ.

وللحقيقة والتاريخ فأن خلية الناصرية كانت أنشط الخلايا الشيوعية ففضلاً عن عقدها الاجتماعات للمناقشة،أصدرت منشوراً كتبه (فهد) بيده رفع شعار يا عمال وفلاحي البلاد العربية أتحدوا, هاجم فيه الحكومة العراقية والتدخل البريطاني في شؤون العراق وسلبه ثرواته.

واللافت للنظر أن الشعار المنشور لم يكتب للعراقيين وحدهم على الرغم من أن مضمونه تناول الشأن العراقي إذ وجه لعمال وفلاحي البلاد العربية.

وتقدم النشاط الشيوعي خطوة مهمة، عندما ربط فهد بين النشاط الماركسي الموجود في البصرة والناصرية وبغداد، ومد عمله بين صفوف العمال، وعمل على تحويل تلك الحلقات التنظيمية الى منظمات جماهيرية.

لم يكن النشاط الشيوعي بعيداً عن أعين الحكومة فتم إعتقال عدد من النشطاء السياسيين في 21 شباط 1932 بينهم يوسف سلمان يوسف( فهد) الذي إعترف أنه شيوعي وليس من الحزب الوطني العراقي وأحيل هو وعدد من الموقوفين الى المحكمة بتهمة التبشير بالشيوعية، ونقلوا الى بغداد وأفرج عنهم بعد المحاكمة لعدم وجود نص في قانون العقوبات البغدادي يحرم الشيوعية، فتوارى يوسف سلمان يوسف عن الانظار حال الافراج عنه.

ولكن لم يمض وقت طويل حتى بدأ يتردد من جديد على بغداد عام 1933 للتنسيق مع جماعة بغداد وجمع البيانات والمعلومات، ولاسيما مع القيادات الشيوعية فيها، التي كانت تضم  ثلاث  مجاميع  يقودها كل من, عاصم فليح ,و يوسف اسماعيل البستاني , ، وبعد إتصالات عديدة وإجتماعات مكثفة بين جماعات بغداد والناصرية والبصرة تمخضت عن الإعلان عن لجنة  مكافحة الاستعمار والاستثمار في 31 آذار 1934  وأختير عاصم فليح سكرتيراً للجنة المركزية الجديدة التي ربطت الحلقات الماركسية.

يبدو أن لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار كانت واجهة أولى لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي،اذ إن بيان اللجنة المركزية نشر يوم 31 آذار/مارس 1934، حدد أهداف الحزب السياسية ونظامه الداخلي.

والملاحظ، من خلال البيان, أنه أصطف وإختار صفوف “الكادحين”، التي تعني بمفاهيمهم “العمال والفلاحين والجنود والطلاب”, وجعلهم قاعدته الجماهيرية ,ونصب نفسه مدافعاً عن حقوق الفقراء ضد الاقطاعيين وكبار المسؤولين, وقدم مطالب كانت تعد قفزة نوعية يومئذ لصالح العمال والفلاحين كألغاء ديون الفلاحين والضرائب المرهقة, وحرية العمال في الاجتماع والكلام, وإقامة نقابات لهم وضمان وتأمين مستقبلهم، ونادى بسقوط الاستعمار البريطاني ومعاهدته.

ولم يمض وقت طويل حتى عقدت اللجنة المركزية للجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار إجتماعاً أواخر تموز/يوليو 1935 قررت فيه انبثاق الحزب الشيوعي العراقي وأهمال التسمية السابقة وأصدروا جريدة “ كفاح الشعب” بشكل سري ,طرزت صفحاتها الاولى بالمطرقة والمنجل وشعار كارل ماركس “يا عمال العالم إتحدوا” وشعار الحزب الشيوعي العراقي “يا عمال العراق إتحدوا” وضمت اللجنة المركزية الاولى عدداً من ملاكات الحزب كان على رأسهم يوسف سلمان يوسف فهد وعاصم فليح وغالي زويد وآخرون.

من الملاحظ أن اللجنة المركزية، وهي لازالت في أولى خطواتها للظهور بدأت بسياسة هجومية ليست فقط ضد الحكومة العراقية والرموز الرسمية بل على قوى سياسية، عدت أقرب حلفائها، مثلاً هاجموا “جماعة الاهالي” ذات الرؤية الاصلاحية وهذا بالطبع أدى الى عزلة الحزب الشيوعي العراقي.

كما هاجم الوليد الجديد حكومة ياسين الهاشمي إذ دعا الى الثورة ضدها وإسقاطها، وطعنت صحيفة الحزب بالهاشمي,شخصياً، الذي, كما تقول،”كان يظهر الفضيلة والتصوف نهاراً ويعيش حياة المجون ليلاً “.

وبالمقابل، وبما تملك الحكومة من قوة طاردت أعضاء الحزب وألقت القبض على أكثر أعضائه الى أن تعهدوا بنبذ مبادئ حزبهم، كما صادرت مطبعة الحزب ومنشوراته.

وعلى الرغم من كل الضغوط التي تعرض لها الحزب الشيوعي ,لم يجمد نشاطه السياسي، فعندما أطاح بكر صدقي رئيس اركان الجيش بحكومة ياسين الهاشمي، بأنقلاب عسكري يوم 29 تشرين الاول 1936,عد الاول من نوعه في العراق الملكي، وبمجيء حكومة حكمت سليمان التي عمل بها بعض الشخصيات السياسية مثل جعفر أبو التمن وكامل الجادرجي، أسهم الحزب الشيوعي بتأييد ذلك الانقلاب من خلال المظاهرات التي طافت شوارع بغداد وبعض المدن العراقية الاخرى ووزعوا منشورات مجيرة هذه المرة بأسم “ لجنة الاصلاح الشعبي.

ورفع متظاهرو الحزب شعارات للناس بأنها شيوعية فمثلاً رفعوا أعلاماً حمراء، وحشدوا في مظاهرة 30 تشرين الثاني/نوفمبر 1936، أعداداً كبيرة أغلبهم من العمال.

وعلى قرع الطبول حاولوا إسماع صوتهم، وكسب جماهير الفقراء، وما أكثرهم، فطالبوا بالخبز للجياع والارض للفلاحين، ونددوا بالفاشية وألتقت مظاهرة الكرادة الشرقية مع مظاهرة قادها الشيوعيون التي انطلقت من جامع الحيدرخانة في شارع الرشيد.

        إن حرية العمل السياسي التي سمحت بها حكومة الانقلاب للقوى السياسية، ومنها الحزب الشيوعي لم تدم طويلاً، إذ بدأ الضغط مجدداً على نشاط جمعية الاصلاح الشعبي وجماعة الاهالي، وتعرض قادة جمعية الاصلاح الى إجراء غريب من نوعه، ينم عن أستخفاف مفرط بحقوق المواطن السياسية، إذ أسقطوا الجنسية عن عدد من قادة الحزب مثل عبد القادر أسماعيل البستاني وأخيه يوسف أسماعيل ومن جانب أخر ندد بكر صدقي بالشيوعية بقوله “ليس العراق تربة صالحة للشيوعية” بدأت حكومة حكمت سليمان رئيس الوزراء في حكومة الانقلاب تشهر معاداتها للشيوعية ومحاربتها حتى لهذه الكلمة وخشي أن يرتبط مصطلح الشيوعية بكلمة الفقراء، وأعلن بعد حكومته “عن الشيوعية وكل كلمة يشم منها رائحة الشيوعية.

لم يدم عمر أنقلاب بكر صدقي طويلاً، وهو الذي ركز كل الصلاحيات بيده مخلفاً له أعداءً كثرُا، سرعان ما أدت الى مقتله في الموصل يوم الحادي عشر من أب/أغسطس 1937 وهو في طريقه الى تركيا.

وعندما تألفت حكومة جميل المدفعي الرابعة  في السابع عشر من أب 1937، جرت أعتقالات واسعة في صفوف الجيش كانت تهمتهم الشيوعية، كما أعتقلت الشرطة الكثير من الشباب بتهمة الانتماء للشيوعية ومثلوا أمام المحاكم وصدرت بحقهم أحكامٌ متنوعة.

وأسهمت الخلافات الشخصية بين قادة الحزب في إرباك قواعد العمل السري الذي طغى على نشاط الحزب ورافق ذلك إختراق الاستخبارات العسكرية للتنظيم الشيوعي بين الجنود ولاسيما في مدينتي كركوك وبغداد، ومن ثم إعتقال قيادات الحزب الشيوعي مثل زكي خيري ويوسف متي. لقد حدث تطور جديد ضّيق الخناق على نشاط الحزب الشيوعي العراقي إذ أصدرت الحكومة العراقية ذيل قانون العقوبات البغدادي رقم (51) لسنة 1938، نصت الفقرة الاولى من المادة الاولى” يعاقب بالإشغال أو الحبس مدة لاتزيد على سبع سنين أو الغرامة ,أو كليهما,كل من حبذ أو روج بإحدى وسائل النشر المنصوص عليها في المادة 77 من هذا القانون أياً من المذاهب الاشتراكية أو البلشفية أو الفوضوية أو الإباحية.

وقد أعطت تلك المادة القانونية السلطات الحكومية الغطاء القانوني، لإعتقال الكثير من قيادات الحزب الشيوعي، فلم يجد الحزب الشيوعي من خيار سوى تجميد نشاطه.

ولتقويم تلك المرحلة من نشاط الحزب، لابد من تأكيد ما خرج به الاكاديمي العراقي عادل تقي البلداوي من أن الحزب ضم في صفوفه جميع مكونات الشعب العراقي من قوميات وأقليات

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث