إذا فهم المهاجر الحياة الغربية سيفهم مشكلة الشرق - أسعد البصري

المتواجدون الأن

117 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

إذا فهم المهاجر الحياة الغربية سيفهم مشكلة الشرق - أسعد البصري

 

الدولة الحديثة قوتها تتحقق بوجود فرد وحيد. فالقبيلة والطائفة ضعف للدولة. تخيل أن الدولة الغربية تتعمد تدمير العائلة حتى يسهل عليها إدارة الناس. كل “شخص” وحده عنده رقمه الاجتماعي الخاص، وربما بعض السيدات لديهن قضايا فساد ضد أزواجهن في المحاكم.

مشكلة المواطن مع أسرته وليس مع الدولة. وحين ينهار المرء تماما تصبح مشكلته مع نفسه وهنا ينقلونه من المحكمة والقانون إلى العيادة والطب النفسي. لهذا السبب هناك نسبة اكتئاب عالية.

مع هذا كل شيء له حلّ والدولة تزداد قوة وثراء وازدهارا. الشيء الوحيد الذي يُضعف الدولة هو الترابط الأُسري” والشعور الوهمي بالمعنى والنقاء.

أعطيك مثالا؛ العائلة الهندية المهاجرة حديثا في كندا عددها 20 شخصا يعيشون في بيت كبير جدا. ثمانية أشخاص يعملون في البيت وكل واحد يدفع 400 دولار فقط شهريا لسداد قسط المنزل، يشترون ولا يستأجرون. فالملكية لضمان توفير الثروة وتوسّع العائلة مستقبلا.

وفوق ذلك يأكلون معا بقدر واحد، ولا يحتاجون إلى ترفيه سوى زيارة جماعية لعائلة مشابهة حيث حفلات الشاي والضحك ولعب الأطفال، ولا يحتاجون “بيبي ستر” للأطفال فدائما هناك شخص بالغ واحد في البيت على الأقل وبشكل مستمر. تراهم لا يعانون من أيّ مرض نفسي، فالضجة في المنزل تجعل البيت عبارة عن بهجة مألوفة. ماذا يستفيد الاقتصاد الكندي من هؤلاء الناس؟

لو كانوا 20 كنديا أبيض لعاش كل واحد منهم في شقة لوحده، فحريتهم الشخصية أهم من العائلة وهذا معناه 10 إيجارات على الأقل بقيمة 1500 دولار شهريا للشقة كقيمة مالية مهدورة وليس كعقار تمليك.

وكل واحد منهم يحتاج الترفيه والبار والمطاعم بسبب حياة الوحدة، ويحتاج إلى محام بسبب مشاكله الزوجية، وطبيب نفسي بسبب معاناته. ويحتاج إلى السفر مرتين بالسنة للسعادة والتسوق المبالغ فيه بسبب الشعور بالفراغ أوالبحث عن سيدة جديدة بعد الانفصال. ويحتاج المزيد من ساعات العمل لتغطية كل تلك النفقات. وفوق ذلك يقدم أطفاله للمدرسة والحضانة أطول وقت ممكن بسبب عدم وجود شخص في البيت نهارا، وهذا يعطي الدولة فرصة أكبر لخلق جيل جديد على طريقتها بدون مشكلة الخلفية الثقافية للأبوين.

كل شخص من الـ20 شخصا له فاتورة كهرباء وتليفون وإنترنت وتلفزيون وسيارة. هكذا يتحرك الاقتصاد ويزدهر وتصبح الدولة قوية ومستقرة سياسيا والقانون مصدر الحق والحقيقة، بينما ينهار الاقتصاد ويصاب بالركود إذا لم تتفكك العائلة.

إن غاية القانون الغربي هي التحكم المطلق بالإنسان. التخلص من خصوصيته واختلافه وجعل الناس متشابهين.

أُعطيك مثالا؛ أب سوداني في الغرب كلما عاد إلى البيت يحتضن ابنته ويقبلها. ويوما من الأيام تخاصم مع زوجته فاشتكت عليه وقالت بأنه يتحرش بابنته جنسيا. من الصعب على القاضي أن يقرر هل هو يقبّلها كأب حنون أم بشهوة جنسية شاذة؟

النتيجة هي أن الأب في المجتمع الكندي لا يُقبّل أطفاله مطلقا. إنه الخوف والقانون المرعب الذي يحول البشر إلى نسخ متشابهة حيث كل مختلف شاذ وخطر وربما مريض.

القيم الغربية الحديثة تشجع المسافة بين البشر. مرة حملت ابنتي في السوق فقالت لي أنزلني رجاء “غيف مي ماي سبيس بليز” هكذا يعلمونهم بالمدرسة.

مثلا حين عدت إلى الخليج رأيت الأصدقاء الشباب يسيرون وهم يمسكون يدا بيد. نظرت إليهم باستغراب رغم أنني كنت هكذا في العراق لكن العيش في الغرب زرع في دماغي أن الرجل حين يمسك يد الرجل فهذا معناه أنهما مثليان. الهدف من هذه القيم فصل الإنسان عن الإنسان والتكيّف مع العزلة.

عندما هاجرنا إلى الغرب كنّا نندهش من أخلاق الرجل الأبيض الرفيعة، ثم مع الزمن عرفنا السرّ فقانونهم لا يرحممثلا في البداية كانت الفتيات يفرحن بنا فنحن فتيان نغامر وأقل تهذيبا. مع الزمن حين فهمنا البلد أول شيء نفكر فيه حين نلتقي بامرأة هو هل هي خطر على حياتك أم لا؟ فكلمة واحدة منها لو كانت غريبة الأطوار يمكن أن تفقد بسببها جواز سفرك لسنوات، وربما تنفق مدخراتك على المحامي. لهذا فإن التهذيب ليس أخلاقا من الأبيض بل خوف من القانون.

جاري كليتون عنده طفلتان حين ترياني تطلبان منّي شراء الآيس كريم. نستأذن من أمهما ونذهب. مرة صديق عراقي في بيتي وبالمصادفة كان الباب مفتوحا فدخلت الطفلتان الشقراوان “عمو هيا نشتري آيس كريم رجاء” فقال صديقي العراقي ما هذا؟ قلت بنات جاري. قال هل أنت مجنون؟ ابتعد عنهما وإلا يوما من الأيام تقع في مصيبة. فالحياة في الغرب قائمة على المسافة والحذر الشديد وليس على حسن النية.

صديق إنكيزي طرق بابي البارحة لأن حبيبته تركته. فقد عشق سيدة كندية من أصل فرنسي وطلبتْ منه أن يثبت حبه لها بترك التدخين والخمر وممارسة الرياضة.

الرجل أخذ دورة شخصية تعلمه العناية بالذات وملأ دفترا من المواعظ. كلفته الدورة 3000 دولار حتى أنه دعاني لحفلة التخرج. ترك التدخين والخمر وصار يمارس الرياضة. فعاش مع عشيقته لشهر واحد فقط ثم قالت له إنه ليس الرجل الذي تبحث عنه.

رجع الى التدخين والويسكي بشراهة. في الخمسين من عمره ويتصرف كطفل فلا شيء مقدس. لا الجسد، لا الأطفال، لا العائلة وكل شيء متعلق بالمتعة. كيف تستقر حياتك على المتعة فقط؟ الكنديون وبسبب القانون المعقد توقف بعضهم عن الإنجاب، وصارت الدولة تجلب مهاجرين لهذا السبب.

صديق كندي فرنسي كبرت ابنتاه وصار يراهما مرة في السنة فقط، وهو قد أوشك على الستين فاستدرج جارته الى المنزل وأقنعها بالحمل. فأنجبت له آلكسندر الذي يعيش أسبوعا عنده وأسبوعا عند أمه بقرار من المحكمة.

يأخذه للعب الهوكي والمدرسة ويطبخ له الطعام وينيمه. قلت له ما هي السعادة؟ قال كما ترى يا أسعد؛ طفل يملأ عليّ حياتي وحين يكبر يتخلص منّي وأتخلص منه.

على المهاجر أن يتعرّف على الغرب من خلال الناس وليس من خلال الشعارات والكتبعليه أن يقبل بالحياة الغربية الحديثة ففيها شجاعة الاعتراف بثمن التقدم وهو القبول بالوحدة.

ما الذي حدث في إيران مثلا؟ إنه التردد والافتقار إلى الشجاعة الكافية. طهران مثلا كانت “باريس الشرق” فكيف جاء الخميني الكئيب عام 1979؟

كانت هناك مبالغة بالحياة الغربية. فالنموذج الغربي يحتاج إلى أموال. الأغنياء فقط يعيشون ذلك الطراز الحديث من رقص وسفر ويخوت وفساتين باريسية قصيرة بينما الفقراء يبكون في عاشوراء بانتظار صاحب الزمان الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا.

هكذا جاء الخميني بفكرة أن الإسلام هو صراع أبدي بين الاستكبار والمستضعفين، بين بني أميّة والحسين ثم تطورت الدولة إلى شكل ديني متخلّف وخسرت إيران فرصتها ببناء دولة حديثة في الشرق.

إن المسلمين مفتونون بالتواضع والشاه ارتكب خطأ عظيما في استفزاز الإيرانيين بالاستكبار وإظهار الذهب والثراء والصداقة مع إسرائيل وأميركا. فأعطى فرصة لرجال الدين بتثوير المجتمع وتمجيد قيم الفقراء ضد قيم الأغنياء.

ورغم كل ما في الغرب من قيم صعبة على النفس فليس في شوارعهم أطفال مشرّدون مثلاالفضل يعود لقانون حماية الطفل. فقد أثار اهتمامي قبل يومين رئيس شرطة محافظة ديالى وهو يجمع الأطفال المتسوّلين من الشوارع.

وضعهم في سيارات شحن وهذا غير قانوني في كندا مثلا، وأرسل بطلب أهلهم ليوقّعهم على تعهد بعودة الطفل إلى المدرسة والعناية به. في الغرب إذا أهمل الأهل الطفل تأخذه الدولة وقد لا تعيده إلا بقرار محكمة. وربما لا يعيدونه إلى الأبد.

في بعض الحالات إذا اقتنعوا أن الأم غير مؤهلة لا يأخذون طفلها فقط بل إذا حبلت مجددا تدخل الدولة إلى غرفة الولادة وتنتزع الطفل الجديد ولا تجدي لا الدموع ولا التهديدات معهم.

إن الحياة في المجتمع الغربي عقلانية وصارمة وتعتمد على المسؤولية. وكما تقبل بالأمان وحماية المرأة والطفل وسلطة القانون عليك أيضا أن تدفع ثمن ذلك وهو القبول بالعزلة.

قرأت مقالي الأسبوعي إلى العجوز الشيوعي أراه كل أسبوع في بار تاريخي قديم بفانكوفر ودائما يسألني ما هو مقالك الأسبوعي؟ اليوم قلت له عن الثقافة الكندية فقال اقرأه لي.

قرأته له بالإنكليزي فقال مايكل أنت أيضا تخون المنطق الماركسي.

هذا مقال فاشل نحن أيضا كنّا مثلكم الأخ كان يقتل أخته وعشيقها إذا حبلت بدون زواج، ولكن منذ أن بدأت الدولة تدفع راتبا شهريا قدره 400 دولار لكل طفل تسلمها بيد الأمّ، ومنذ أن بدأت الدولة تعطي لكل أمّ بيتا مجانيا، ومنذ أن بدأت الدولة تعطي لكل أمّ راتبا شهريا للطعام والمصروف وتوفر حماية كاملة سريعة للمرأة، صار يمكن للمرأة النوم والحمل مع مَن تشاء.

في الماضي كان الأفندي يحبلها ويهرب وعلى العائلة توفير السكن والطعام للطفل والأمّ لهذا كانت العائلة ترتكب جريمة بحجة الشرف وغسل العار.

الحياة صعبة في الماضي والطعام قليل، فإذا كنت تريد الجنس والإنجاب عليك توقيع عقد الزواج والتعهد بتوفير الطعام والسكن. صديقي أمامك خياران إما أن تكون ماركسيا أو مغفلا

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث