عام عراقي آخر بلا أحلام - د. ماجد السامرائي

المتواجدون الأن

60 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

عام عراقي آخر بلا أحلام - د. ماجد السامرائي

 

2018.. 

ليس من باب قراءة الفلك توقع ما سيحصل للعراق هذا العام 2018 بكل ظروفه السياسية الأمنية والاقتصادية، وليس من باب التجني على حكم الأحزاب قراءة أرقام مسلسل الألم والحرمان والتفكك الاقتصادي والاجتماعي الذي ساد هذا البلد خلال 15 عاما مضت.

هذه السطور هي محاكاة موضوعية للواقع العراقي وقراءة ملامح مستقبله لعام 2018. ليس جديدا القول بأن حيثيات واقع العهد الجديد صنعها الأميركان بعد أن بشروا شعب العراق بأنه سيكون بلد الحرية والديمقراطية والرفاه وحقوق الإنسان.

ومن حق العراقيين الموجوعين أن يتساءلوا ويقارنوا ولا نقول يحلموا، فالحلم لم يعد رفيقا لهم خصوصا الشباب بعد الخيبات والانكسارات والحروب. تلاشى الحلم منذ الأيام الأولى لعهد الاحتلال، فلا توجد شعوب في الأرض حكى عنها التاريخ أنها تعايشت وقبلت باحتلال وطنها إلا ممن مسحوا ولمّعوا أحذية الجنود المحتلين من العملاء والمتعاونين.

الاحتلال قايض المتعاونين معه في السلطة الطائفية مقابل بقائه وحماية جنوده، وبدلا من أن تخدم الطبقة السياسية الجديدة الناس وتبتعد عن حماية ناهبي ثروات العراق لكي تكفّر عن ذنبها، راحت تبتدع أساليب حمايتهم والذين لا يقلون جريمة عما اقترفته عصابات داعش.

أصبحت أرقام حصاد الخمسة العشر عاما مذهلة وقد أعلنتها منظمات إنسانية دولية معروفة ومنظمات الأمم المتحدة المتعددة، وأهم ما تقوله بعض تلك الأرقام هو؛ 3 ملايين ونصف مليون مهجر خارج العراق و4 ملايين نازح داخل العراق، و5 ملايين ونصف مليون طفل يتيم و2 مليون أرملة و6 ملايين لا يجيدون القراءة والكتابة ونسبة البطالة 35 بالمئة و35 بالمئة تحت خط الفقر و6 بالمئة يتعاطون الحشيش والمواد المخدرة، مع انتشار 39 مرضا ووباء أبرزها الكوليرا وشلل الأطفال والكبد الفيروسي وارتفاع نسبة الإصابة بالسرطان والتشوهات الخلقية.

حالات لم يشهدها عراق ما قبل 2003. كما تم تعطيل 13 ألفا و328 معملا ومصنعا ومؤسسة إنتاجية لكي يتم استيراد أردأ أنواع المنتجات الغذائية والصناعية من إيران لكي تعالج وضعها الاقتصادي المتردي والمظاهرات الأخيرة في عموم إيران تكشف هذه الحقيقة.

لقد تراجعت مساحة الأراضي المزروعة من 48 مليون دونم إلى 12 مليون دونم بسبب الإهمال. والتعليم في أسوأ حالاته. وبلغت الديون العراقية 124 مليار دولار من 29 دولة.

أليس عارا على السياسيين حكاما وقادة أن يصبح هذا البلد في قوائم البلدان الاثني عشر الأكثر تخلفاً في العالم، وهو الذي بلغت مبيعات نفطه بين 2003 و2016 ألف مليار دولار، سُرق منها بصورة مؤكدة ما لا يقل عن 300 مليار دولار، ولم يقدم سارق كبير واحد للقضاء العادل، لكن الموظف الحكومي البسيط يُحرم من حق استلام كامل أجوره في وقت تعيش طبقة المسؤولين الحكوميين والحزبيين والبرلمانيين في رفاه وتخرج مواكب نقلهم في مشاهد إمبراطورية، وهم الذين كانوا قبل 2003 تحت رعاية مساعدات حكومات اللجوء أو فقراء.

ولو كانت قضية النهب وإفقار الناس لوحدها لكان الأمر هيناً، ولكن الكارثة الكبرى التي حلت بالعراق هي إغراقه من قبل تلك الأحزاب بالفتن الطائفية، ويسأل العراقيون لماذا وصل بهم الحال إلى أن يُرغموا على العيش في جزر طائفية معزولة داخل العاصمة بصورة خاصة بعد تصنيف محافظات العراق سنية أو شيعية أو كردية بعد أن كانوا لحمة واحدة، ولا يتذكر أبناء جيل ما قبل 2003 أن هناك فرقاً ما بين شيعي وسني خصوصاً أن جسم العشائر العربية العراقية يحمل صفة الشيعي والسني، وأن قادة بارزين في الأجهزة المدنية والعسكرية للدولة كانوا من الشيعة.

ماذا قدم حكم من يدعون تمثيل الشيعة وهم براء من هؤلاء أليسوا هم المسؤولين عن تحول مناطق وسط وجنوب العراق إلى أكبر سوق لمافيات المخدرات والخط المافيوي الكبير نشط عبر الحدود العراقية الإيرانية. ألم تسقط نظرية مظلومية الشيعة التي تاجر بها أولئك السياسيون قبل عام 2003، لأن أبناء هذه الطائفة يعانون اليوم الحرمان من أبسط مقومات الحياة، وأي إنجاز تذكره جميع حكومات العهد الجديد للمواطنين، سوى الإنجاز الوطني الوحيد الذي تحقق في 9 ديسمبر 2017 بالانتصار العسكري على داعش، والذي تم بتحالف أكثر من ستين دولة كبرى والذي يسجل بفخر للعراقيين جميعا لأنهم قدموا دماءهم الزكية، وهو انتصار ناقص قد تتبدد آثاره المعنوية والنفسية إن لم يتم اقتلاع جذور قيام المنظمات الإرهابية وأسبابها السياسية، وهذا ما لم يقم به رئيس الوزراء حيدر العبادي إلى حد اللحظة وسط استغراق إعلامي في مفردات محاربة الفساد والناس ينتظرون منه الضربة الشجاعة. ماذا نتوقع من حال للعراقيين عام 2018؟ الجواب وفق القراءة السياسية الواقعية التالية:

*لا تغيير في البيئة السياسية التي أنتجت الزعامات والأحزاب والكتل السياسية الطائفية، سوى بعض التغييرات بديكورات كابينات القاطرة الطائفية في الانتخابات المقبلة.

*الانتقال في تعهدات العملية السياسية من التوافق والشراكة بين ممثلي المكونات الطائفية والعرقية إلى دكتاتورية الغالبية السياسية والتي تعني في الواقع دكتاتورية الطائفية السياسية.

*لا فرص حقيقية للتيار المدني الليبرالي العابر للطائفية، فالديناصورات السياسية الكبيرة ستسحق الأسماك الصغيرة إن حاولت النمو خارج ما هو مرسوم لها.

*لا حلول جذرية لقضية النازحين وإعادة إعمار ديارهم المهدمة وسط تصاعد حمم التوظيف السياسي للانتخابات عبر تصريحات رسمية لتمييع قضية إعمار تلك المدن وتوزيع هذه الحملة على محافظات الوسط والجنوب من دون أولويات استثنائية.

*لا حلول جذرية للمشكلة الكردية، وسيبقى الدستور مجالا لحوار الصم بين أربيل وبغداد، والاحتمال ما زال قائما بإنشاء كيانين كرديين؛ الأول في السليمانية والثاني في أربيل.

*لا إجراءات حازمة ضد زعماء إمبراطورية الفساد الموجودين في قمة الهرم السياسي من عام 2003 وإلى حد اليوم.

*سيحصل تغيير طفيف في حضور العراق الإقليمي العربي الذي يسعى إلى معاونة العراقيين لإعادة إعمار المدن المهدمة خصوصا من السعودية والإمارات وتشجيعها لبناء بيئة مصالحة مجتمعية عراقية حقيقية وسط حملات تشكيك من قبل المحسوبين على المعسكر الإيراني في العراق.تصعيد مكثف للنفوذ الإيراني في العراق قد يؤدي إلى قيام مؤسسات ومنظومات سياسية وعسكرية رديفة لما عليه في إيران.

*لا اختراقات جدية في سياسة الولايات المتحدة تجاه العراق، واستمرار غموضها إلا في موضوع دعم صعود العبادي إلى ولاية ثانية في رئاسة الوزراء.

ولكن الأهم من مفردات الوضع السياسي المتوقع هو الإجابة عن التساؤلات المتفاعلة في ضمائر الناس: هل أخلص قادة الأحزاب الشيعية الحاكمة لدعواتهم بين جمهورهم وتقديم أساسيات الورع وحب أهل البيت والعدل على مكاسبهم ومغانمهم، وهل نسي بعضهم كيف عاش آباؤهم على “الحصير ووسادة الوبر وتُربة السجود” إيمانا صادقا، وكيف أصبح بعض الأبناء يضعون العمائم السود على رؤوسهم وهم يستعرضون أنفسهم أمام جمهور جاهل مأجور في قاعات فارهة للقصور المنهوبة، ويتباهون في ما بينهم بأرقام الحسابات الفلكية بالبنوك في بيروت وطهران ودبي معتقدين بأن أسوار الحاكم يمكن أن تحميه تلك المظاهر حين يصبح الظلم جماعيا. وكيف تواجه عيون جميع السياسيين المنتفعين من السلطة قوافل الألوف من الأطفال اليتامى في الكرفانات سيئة الصيت، أو آلاف الثكالى اللائي فقدن أزواجهن وأولادهن في الموصل وصلاح الدين والأنبار وديالى وكركوك وحزام بغداد؟

صحيح أن هذه القوافل المليونية المظلومة صامتة بسبب تعبها وإعيائها، لكن صمتها هذا يربك معسكر تجار السياسة.

العراقيون اليوم بلا أحلام كبيرة بحلول العام الجديد، وهم لا يطلبون أن تمطر على بغداد حلوى “المن والسلوى” والتي كانت حلم الوافدين إليها، وحاضرة الزهو والمهابة والعز، ولا يتوقع المشردون من مدن الموصل وصلاح الدين والأنبار وديالى وكركوك أن يجدوا أنفسهم داخل جدران بيوتهم التي كانت آمنة قبل داعش، ولا يتوقع جميع العراقيين أن يفتحوا عيونهم في صباحات هذا العام الجديد على مشاهد الأمن والسكينة وهروب الخوف والقلق من عقولهم، وأن يعاد الاعتبار لقاماتهم المهانة ولكرامتهم المجروحة، وأن يجدوا ما حول بيوتهم العامرة حدائق وساحات لعب لأطفالهم وأن تختفي من جدران بيوتهم أسلاك الكهرباء البديل.

حتى الحلم أصبح عصيا على العراقيين الأباة بعد أن أذلهم جميع السياسيين منذ عام 2003 وإلى حد اليوم.

Comments are now closed for this entry