العراق: خرافة الأغلبيات ثانية - يحيى الكبيسي

المتواجدون الأن

484 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

العراق: خرافة الأغلبيات ثانية - يحيى الكبيسي

 

 

 

مرة اخرى، وفي سياق البروباغاندا الانتخابية، يتصاعد الحديث عن حكومة أغلبيات مفترضة ستتشكل بعد الانتخابات! فقد تحدث   نوري المالكي عن حكومة «أغلبية سياسية» تتشكل بعد الانتخابات، وهي الدعوة التي لم يتوقف عن إطلاقها منذ العام 2009 عندما أبدى تحفظه على «الديمقراطية التوافقية» المفترضة في العراق التي يعدها تكريسا للطائفية، وما تسببت به من إشكاليات مفترضة أيضا على مستوى العمل الوزاري، وأعلن دعوته لمبدأ الديمقراطية الذي تمنح «الأكثرية» حق تشكيل الحكومة. وقد تحول هذا الحديث لاحقا إلى برنامج سياسي معلن لائتلاف دولة القانون الذي شكله المالكي في انتخابات 2010، وقد شرح البرنامج مفهوم الأغلبية السياسية: «أن يتولى رئيس وزراء العراق المقبل مسؤولية تشكيل حكومته بما يضمن انسجام أعضائها على أساس المهنية و الكفاءة بعيدا عن المحاصصة»! 
في الوقت نفسه تحدث   عمار الحكيم زعيم تيار الحكمة، المنشق عن المجلس الأعلى، عن ضرورة «التخلص من قيود التوافقية غير المجدية»، ودعا إلى تشكيل حكومة «اغلبية وطنية»! وهذه ليست الدعوى الأولى بالنسبة له، فقد طرح البرنامج السياسي للائتلاف الوطني العراقي الذي تشكل من المجلس الأعلى الإسلامي والتيار الصدري في انتخابات 2010 إلى «ديمقراطية الأغلبية السياسية التي تفرزها صناديق الاقتراع والتي تقوم على أساس المشاركة الشعبية في صنع القرار السياسي، وليست الديمقراطية التوافقية التي أنتجت المحاصصة»!
في مقابل هاتين الدعوتين، كانت هناك دعوى ثالثة أطلقها   حيدر العبادي يدعو فيها إلى حكومة «توافقية»، على الرغم من أنه كان عضوا في تحالف دولة القانون في العام 2010 الذي دعا صراحة إلى حكومة اغلبية سياسية حينها!
لا يتبادر إلى الذهن أن ثمة اختلافات حقيقية في هذه الدعوات الثلاث خارج إطار اللغة المستخدمة! فبالنسبة للجميع هذه الأغلبيات يجب أن تكون ممثلة للمكونات جميعا، تحديدا المكونات الرئيسية الثلاثة؛ الشيعة والسنة والكرد! ولكنها لا تشترط أن يكون هذا التمثيل نسبيا، او وفقا لوزن هذه المكونات السياسية داخل مجلس النواب على الأقل، بعيدا عن الوزن الديمغرافي. فهذا النوع من التمثيل النسبي يعد «محاصصة» سيئة الصيت لا بد من تجاوزها! فالتمثيل المطلوب يجب ان يكون تمثيلا «انتقائيا» يحدده الطرف الأقوى في المعادلة السياسية في الوقت الحاضر، وهو الفاعل السياسي الشيعي!
ففي ظل الفشل الذريع في مأسسة العمل الحزبي في العراق على أسس عابرة للهويات الفرعية! وفي ظل الفشل الذريع في انتاج قوائم انتخابية عابرة للهويات الفرعية استجابة للبروباغاندا الصاخبة بهذا الشأن طوال السنة الماضية على الأقل! وفي ظل المحاولة البراغماتية لتأطير هذه الطائفية السياسية المتجذرة عبر «تزويق» بعض القوائم لنفسها من خلال إضافة بضعة أسماء مفردة، كما في تحالفي النصر (العبادي) والفتح (ميليشيا الحشد الشعبي)، أو تأطير قوائم سنية بإطار شيعي كما في تحالف الوطنية (أياد علاوي)، كنا في النهاية، عمليا، أمام تحالفات قائمة على أسس طائفية سياسية صريحة (مذهبية و قومية)! هذا فضلا عن أن السلوك الانتخابي للناخب العراقي ظل سلوكا طائفيا سياسيا بحتا كما أثبتت ذلك الانتخابات الستة الماضية على المستويين الوطني (انتخابات مجلس النواب)، والمحلي (انتخابات مجالس المحافظات). 
خرافة الاغلبيات الثلاثة التي أشرنا اليها لن تعني في ظل هذا الواقع السياسي، وبعيدا عن المجازات اللغوية المقصودة والمتعمدة، سوى ديكتاتورية اغلبية هوياتية تستخدم بعض الأفراد او الكيانات «المدجنة» سياسيا لإضفاء نوع من الشرعية الديمقراطية المزيفة عليها! فبالتأكد لن يستطيع احد في العراق، أن يغير العرف الذي لم يستقر بعد، بان تكون الرئاسات الثلاثة موزعة بين المكونات الرئيسية، مع إمكانية التبادل بين رئيسي الجمهورية والنواب كرديا وسنيا، في ظل الهيمنة المطلقة للفاعل السياسي الشيعي على منصب رئيس مجلس الوزراء. وبالتأكيد سيكون هناك تمثيل للمكونات في مجلس الوزراء، ولكن من سيحدد الممثل، وطبيعة التمثيل، ليس «المكون» نفسه، او الحجم السياسي للممثلين في مجلس النواب، بل الفاعل السياسي الشيعي هذه المرة! خاصة وان آليات التصويت في مجلس النواب على هذه المواقع تحددها «الأغلبية» العددية هنا. فرئيس مجلس النواب يتم انتخابه بالأغلبية المطلقة لعدد الأعضاء، أي 165 صوتا من مجموع 329 صوتا (المادة 55 من الدستور). أما رئيس الجمهورية فيتم انتخابه في الجولة الأولى بأغلبية الثلثين، ولكنه لا يحتاج في الجولة الثانية سوى لأكثرية الأصوات من دون أي تحديد (المادة 70/ اولا وثانيا). أما رئيس مجلس الوزراء فيحوز على الثقة بالأغلبية المطلقة (المادة 76/رابعا). وهذا يعني عمليا ان أي تحالف سياسي يحظى بأكثر من 165 صوتا يمكنه ان يفرض الممثل (بكسر الثاء) الذي يريده بمعزل عن موقف المكون الممثل (بفتح الثاء)! كما يمكنه أن يمنح الثقة للوزراء الممثلين (بكسر الثاء) للمكونات بمعزل عن موقف المكون الممثل (بفتح الثاء)! وهذه الوصفة لا يمكن لها إلا ان تزيد من حدة الازمة السياسية في العراق. فلن يعود السؤال هنا عن حجم التمثيل، او القدرة على التمثيل، بل عن إشكالية التمثيل نفسها!
طوال عمر الدولة العراقية الحديثة، ظل الكرد والشيعة ممثلين في الدولة، وممثلين في الحكومات العراقية المتتالية، بل وصل بعضهم إلى رئاسة الجمهورية نفسها (تشكل المجلس الرئاسي بعد انقلاب/ ثورة 1958 من ثلاثة: سني وشيعي وكردي)! كما وصل بعضهم إلى رئاسة مجلس الوزراء نفسها. ولكن لا احد كان ينظر إلى هذا التمثيل على أنه كان تمثيلا حقيقيا. وبالتأكيد لن ينظر أحد إلى التمثيل المزيف الذي يريده الفاعل السياسي الشيعي اليوم على أنه يعكس تمثيلا حقيقيا. ففي المجتمعات التعددية، مثل المجتمع العراقي، ليس ثمة خيار إلا من خلال نظام سياسي يضمن الشراكة الحقيقية في السلطة والثروة، وعبر آليات دستورية وقانونية، وعبر تمثيل يحدده المكون نفسه. وليس عبر صفقات سياسية يطلق عليها عبثا «توافقات»، ويتم توصيفها زيفا بأنها «توافقية سياسية» أثبتت فشلها الذريع في ضمان ذلك، وأوصلتنا إلى الكارثة. 
ينهي آرنست ليبهارت كتابه «الديمقراطية التوافقية» بالقول إن الخيار الواقعي بالنسبة إلى الكثير من المجتمعات التعددية في العالم غير الغربي ليس خيارا بين النموذج المعياري البريطاني للديمقراطية والنموذج التوافقي، بل بين النموذج التوافقي للديمقراطية وبين انعدام الديمقراطية تماما. بكلام آخر لا خيار أمام النظام السياسي العراقي إلا الاختيار بين الديمقراطية التوافقية الحقيقية التي تتيح للمكونات جميعا المشاركة الحقيقية في السلطة، وليس الشكل الهجين الذي وجدناه منذ العام 2005، أو احتكار مكون ما للسلطة، وتهميش الآخر، ومن ثم انعدام الديمقراطية. لسنا هنا في إطار التنظير، فالصيغة المقترحة للحكم بالأغلبيات المزيفة لن تنتج سوى احتكار أحاديا للسلطة، وهذا الاحتكار سيفرض على «الآخر» أن يواجهه بأية وسيلة ممكنة، ومن بينها العنف، وما أسهل التحشيد باسم «المظلومية»!

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث