عندما يطرق الأكراد أبواب الإيلزيه - أمين بن مسعود

المتواجدون الأن

87 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

عندما يطرق الأكراد أبواب الإيلزيه - أمين بن مسعود

 

 

كلما ازداد الخناق التركي على الرقبة الكردية شمال سوريا، اجتهد أكراد سوريا في تدوير الزوايا والبحث عن دعم ميداني حقيقيّ يبعد المقصلة الأردوغانية التي أحكمت الطوق على مشروع كردستان سوريا”، ولو قليلا.

طرق أكراد سوريا البوابة الفرنسية في ملفّ الدعم العسكري واللوجستي يشير، في العمق، إلى أنّ أزمة هيكلية وبنيوية عميقة تضرب الوجود الكردي في الشمال السوريّ، وأنّ المشهدية العسكرية الراهنة عاجزة عن إيقاف تحرّك وتقدّم القوات التركية والميليشيات الداعمة لها في المحافظات الكردية الكبرى وصولا إلى ضفاف نهر الفرات.

اللقاء الذي جمع مؤخرا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالوفد الكردي السوريّ، في غاية الأهمية والدلالة الاستراتيجية، إذ يرجّح بقوّة فرضية بداية بحث الأكراد عن معاضد لهم في الشمال السوري يدعم، إن لم نقل يستبدل، الوجود الأميركيّ الذي بان بالكاشف أنّه ينظر إلى المسألة الكردية من زاوية مغايرة لمنظور أكراد سوريا.

بنى أكراد سوريا لا فقط على العلاقات الوطيدة بينهم وبين باريس التي تكرّست في حرب تحرير الرقة ومحاربة الدواعش، بل أيضا وهو المهمّ على الموقف الأوروبي الرافض للتدخل التركي في الشمال السوري وهو موقف متأسّس على التزام بقضايا الأقليات الإثنية في الشام وأيضا التباين الاستراتيجي بين بروكسيل والرئيس رجب طيب أردوغان في أكثر من ملف داخل تركيا وخارجها أيضا.

اللجوء الكردي المتأخر للغاية إلى باريس، تزامن فعليا مع 3 أحداث مفصلية كبرى، وهي: سقوط عفرين مع إمكانية توجّه القوات التركية إلى المنبج، الاهتمام السوري الروسي الحصريّ بمعركة الغوطة الشرقية وإمكانية فتح جبهة جديدة في درعا أو في مخيّم اليرموك، ثالثا، وهو الحدث الأهمّ، تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنّ القوات الأميركية في سوريا تستعدّ للمغادرة بعد طرد قوات داعش من سوريا.

لا أصدقاء استراتيجيين للأكراد يقفون بجانبهم في حرب الوجود ضدّ الأتراك، ولا حلفاء تكتيكيين براغماتيين يكفّون عنهم “الطمع والطموح” التركيّ في التوسّع على شمال الشام… لم يدرسوا جيّدا “المأساة الكردية في كردستان العراق”… ومحكوم على من لم يقرأ التاريخ ويستوعبه أن يعيده في شكل مأساة وملهاة”…

لذا كانت الهرولة في اتجاه باريس أشبه بتمسّك الغريق بغصن شجرة لاح له من بعيد، وافق ماكرون على الطلبين الأساسيين، الأوّل وساطة أوروبية فرنسية بين الأكراد والأتراك، والثاني دعم عسكري فرنسي يحول دون تقدّم القوات التركية في الشمال السوريّ.

المفارقة هنا أنّ الطلبين متناقضان إلى حدّ التضادّ، فالوساطة لن تنجح إذا كانت تحت ضغط تغيير موازين القوى في المعادلة العسكرية الحاصلة، والدعم العسكري سيضرب في الصميم أية محاولة توسّط نزيه بين الفرقاء لأنّه انحياز إلى طرف على حساب آخر.

وهذا الواقع يرجح سيناريوهين اثنين، فإمّا وساطة خجولة تدرك باريس اهتراءها وفشلها نظرا لرفض أنقرة أيّ وساطة فيما يخص الملفّ الكردي، وإمّا بداية انخراط بطيء فرنسي في الأزمة السوريّة وتحت عنوان دعم الأكراد وعلى وقع الانسحاب الأميركي الهادئ للمشهد العسكري في سوريا وهو ما نرجحه.

من الصعب الحديث عن استبدال أدوار بين باريس وواشنطن في الشمال السوري -سيما وأنّ القواعد العسكرية الأميركية تعدّ بالعشرات- ومن الصعب أيضا التطرّق إلى انخراط فرنسي مباشر في الميدان السوري على غرار مالي أو منطقة الساحل الأفريقي برمته، لكن في المقابل يبدو أنّ الحماسة الفرنسية في دعم أكراد سوريا في حربهم ضدّ الأتراك تتجاوز البعد الحماسيّ أو الثأري من الرئيس رجب طيب أردوغان.

تريد باريس إعادة التموقع في الشرق الأوسط وفي الجغرافيا الرخوة بين العراق وسوريا تحديدا، حيث منابع النفط والغاز والشريان الحيوي المغذي لأوروبا من الغاز الطبيعي، واكتساب نفوذ استراتيجي هامّ يمكّنها من التأثير في مسارات جنيف وأستانا مما يحول دون استفراد الغريم الروسي بالخراج السوريّ ويمنع الانفراد التركي بالشمال الشامي.

اختارت باريس بعد تسميم الشهيد ياسر عرفات في 2004 واغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري 2005 ونشوب الحرب الإسرائيلية على لبنان في 2006، الانكفاء عن مشهدية التأثير في مسارات الأحداث في الشرق الأوسط سيما عقب انتهاء ولاية الرئيس الأسبق جاك شيراك في 2007 والتي كانت آخر مراحل الديغولية السياسية وقدوم اليمين الشعبوي المتقوقع على نفسه وفي الملفات الفرنسية حصرا مع نيكولا ساركوزي.

يبدو أنّ باريس اليوم بدأت تتلمّس طريق العودة إلى الشرق الأوسط من بوابات عديدة، ليس أوّلها الملف الفلسطيني حيث باتت السلطة الفلسطينية تشترط انخراط وسيط جديد في ملف التسوية مع اللاعب الأميركي للعودة إلى طاولة المفاوضات، دون نسيان الملفّ الإيراني الذي يحتاج إلى مقاربات خلاقة سيما مع عزم واشنطن إلغاء الاتفاق النووي من جانبها على الأقلّ. وليس آخرها الملفّ اللبناني الذي يتدحرج نحو الصدام مع إسرائيل فيما يخص الحقوق الوطنية في حقوق النفط والغاز.

كيف ستتقبل أنقرة الانخراط الفرنسي المزمع في الشمال السوري؟ وهل ستؤيد موسكو دخول لاعب جديد في رقعة شطرنج جنيف وأستانا؟… أسئلة كثيرة يطرحها الملف السوري الشائك والمتشابك اليوم، ولكن المؤكّد أنّ الصراع في سوريا، وعليها، دخل مرحلة جديدة وأنّ الأزمة أبعد ما تكون عن الانتهاء

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث