العراق: خرافة الديمقراطية التوافقية - يحيى الكبيسي

المتواجدون الأن

65 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

العراق: خرافة الديمقراطية التوافقية - يحيى الكبيسي

 

 

 

تنطلق النخب السياسية العراقية من مقدمة خاطئة، كما يقول المناطقة، مفادها أن النظام السياسي العراقي هو نظام ديمقراطي توافقي يقبله البعض ويعترض عليه البعض الآخر! فهل كان النظام السياسي في العراق يقوم على الديمقراطية التوافقية؟
يتحدث عالم السياسة الأمريكي آريند ليبهارت في كتابه «الديمقراطية التوافقية في مجتمع متعدد» عن إمكانية الوصول إلى ديمقراطية ناجحة في مجتمعات تعددية، تعاني من انقسامات حادة، ثقافيا وأجتماعيا، بعيدا عن نموذج «الديمقراطية المعيارية»، أو «الديمقراطية التنافسية»، بنموذجها البريطاني الذي يقوم على مبدأ حكم الأغلبية، والذي يسميه نموذج المعارضة ـ ضد ـ الحكومة. حيث ترتكز هذه الديمقراطية البديلة في محاولتها إدارة التنوع على ما يسميه «الحكم بالإجماع
Consensus Democracy «، من خلال إجراءات مقننة تضمن «تقاسم السلطة Power ـ Sharing»، كما هو الحال في نماذج ديمقراطية ناجحة قدمتها كل من هولندا وبلجيكا وسويسرا والنمسا.
يتحدث ليبهارت عن أربع خصائص أساسية للديمقراطية التوافقية:
أولا: الحكم من خلال ائتلاف واسع يضم الزعماء السياسيين من القطاعات الهامة في المجتمع التعددي.
ثانيا: الفيتو المتبادل، الذي يستعمل كحماية إضافية لمصالح الأقليات الحيوية. فهذا الفيتو هو وحده ما يمنح كل مكون ضمانة كاملة للحماية الأساسية.
ثالثا: التمثيل النسبي في التعيينات في مجالات الخدمة المدنية، وفي تخصيص الأموال العامة. 
رابعا: درجة عالية من الاستقلالية لكل مكون في إدارة شؤونه الداخلية الخاصة.
هذه هي باختصار خصائص الديمقراطية التوافقية، فما مدى حضور هذه الخصائص في النظام السياسي العراقي؟ 
يشير دستور 2005 إلى أن العراق بلد تعددي (المادة 3)، و يدعو إلى مراعاة «التوازن» بين مكونات المجتمع العراقي في بناء القوات المسلحة (المادة9/أولا)، وينص على مسألة إدارة كل مكون لشؤونه الخاصة فيما يتعلق بالأحوال الشخصية (المادة 41)، وإدارة الأوقاف والشؤون الدينية (المادة 43/ب)، إلا أن قراءة هذا الدستور و تحليل مواده يبين بوضوح أننا بإزاء نظام سياسي برلماني يقوم بالكامل على مبدأ «الأغلبية».
فالمادة (49/ثانيا) تنص على أن: ((تتخذ القرارات في جلسات مجلس النواب بالأغلبية البسيطة بعد تحقق النصاب ما لم ينص على خلاف ذلك))، وهذا يعني ببساطة أن العنصر الأول والأهم في الديمقراطية التوافقية لا يتحقق، فالأغلبية البسيطة تطيح تماما بمبدأ الحكم بائتلاف واسع. وعلى الرغم من أن الدستور اشترط «الأغلبية المطلقة» في بعض القرارات، إلا أن المحكمة الاتحادية العليا أطاحت بهذا الشرط، عندما قررت في قرار لها (القرار رقم 23 اتحادية 2007)، أن الاغلبية المطلقة هي نفسها الاغلبية البسيطة! وحيث أن الأحزاب والتجمعات السياسية الرئيسية في العراق تقوم على أسس إثنية ومذهبية، فإن التشابك بين «الأكثرية السياسية» و«الأكثرية الديمغرافية» سيبقى قائما، ولا مجال للفصل بينهما. 
كما أن الدستور أغفل تماما الحديث عن «الفيتو المتبادل»، ما عدا الجملة التي نقلت عن «قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية» 2004، الواردة في المادة(142/ رابعا) والتي تتحدث عن رفض ثلثي ثلاث محافظات أو أكثر. وهي مادة كانت مصممة للكرد حصرا ولا يمكن عدها فيتو متبادل، لأن التوزيع الجغرافي للسنة العرب، لم يتح لهم الإفادة من هذا الفيتو المفترض على الرغم من أنهم ديمغرافيا أكثر من الكرد! هذا فضلا عن ان المادة 126/ ثانيا وثالثا تطيح عمليا بهذا الشرط، عندما تحدثت عن إمكانية تعديل الدستور بعد موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب، موافقة الشعب بالاستفتاء العام، ومصادقة رئيس الجمهورية، من دون أية إشارة إلى قدرة ثلثي ثلاث محافظات على تعطيل ذلك. وإذا كانت صلاحية (مجلس الرئاسة) في عدم المصادقة على القوانين (المادة 73/ثانيا) يعدها البعض نوعًا من الفيتو المتبادل، إلا ان الدستور نفسه أتاح لمجلس النواب تجاوز صلاحية مجلس الرئاسة هذه (المادة 138/خامسا/ج)، فضلا على أن رئيس الجمهورية، لم يعد يمتلك هذه الصلاحية بعد انتهاء العمل بمجلس الرئاسة (تم العمل به لدورة واحدة بموجب الدستور)، ومن ثمّ لا يمكن أن يعكس ذلك مبدأ الفيتو المتبادل المقصود هنا.
كما أغفل الدستور تماما الإشارة إلى قضية التمثيل النسبي في التعيينات في الإدارة المدنية العامة. لاسيما أنه لا وجود لإحصائية دقيقة تظهر الحجم الحقيقي لكل مكون، ومن الواضح من النماذج الخاصة بالتعداد السكاني التي اعتمدتها وزارة التخطيط العراقية لأجراء التعداد السكاني غير قادرة على تحديد الوزن الديمغرافي للمكونات جميعها (على سبيل المثال لا الحصر لم يتضمن هذا النموذج تحديدا للمذهب والاكتفاء بالديانة)، ومن هنا، فان الادعاءات المتعلقة بهذا الأمر ستبقى قائمة، وستحددها علاقات القوة، مما يمنع الوصول إلى تمثيل نسبي حقيقي حتى في القوات المسلحة التي تحدث عنه الدستور، وهو ما عكسته السجالات المتعلقة بهذا التوازن في المؤسسة العسكرية.
أما بالنسبة للخصيصة الرابعة والمتعلقة بالإدارة الذاتية، فهي متحققة فيما يخص إقليم كردستان حصرا، بخاصة في ظل صعود القوى السياسية الرافضة لفكرة الأقاليم التي أقرها الدستور. أما فيما يتعلق باللامركزية التي أقرها الدستور، فعلى الرغم من القوانين الخاصة بتطبيقاتها، إلا أن الوقائع على الأرض تكشف عن نزعة مركزية ما زالت حاضرة بقوة في ذهن النخب السياسية العراقية. 
ببساطة ليس ثمة شيء من الديمقراطية التوافقية في نص الدستور العراقي. إنها خرافة قامت على ممارسات سياسية براغماتية، كانت أقرب إلى الصفقات، لا تستند إلى أي إطار دستوري أو قانوني، كما أنها لم تتحول إلى أعراف غير مكتوبة، أو قواعد متفق عليها بدليل هذه التصريحات المتكررة عن رفضها، ومن أعلى المستويات، بدليل تجاوزها في لحظات التناقض الحاسمة، كما جرى عند إقرار بعض القوانين بموجب الأغلبية في مجلس النواب العراقي، كما حصل في اصطفاف الفاعل السياسي الشيعي مع الفاعل السياسي الكردي في مواجهة الفاعل السياسي السني (قانون الاجراءات التنفيذية الخاصة بتكوين الأقاليم 2008)، أو اصطفاف الفاعل السياسي السني مع الفاعل السياسي الشيعي في مواجهة الفاعل السياسي الكردي (قانون الموازنة الاتحادية لعام 2018)، او انفراد الفاعل السياسي الشيعي بالقرار (قانون هيئة الحشد الشعبي 2016).

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث