دماء مدينة دوما ليست دماء مجلس الدوما - حامد الكيلاني

المتواجدون الأن

40 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

دماء مدينة دوما ليست دماء مجلس الدوما - حامد الكيلاني

 

الضربات الكيميائية وتحشيد العقاب الدولي ضدها والتنديد بها، يبدو للكثيرين وتحديدا للمكلومين من ملايين الشعب السوري أقرب إلى مزاج مجتمع أرستقراطي يتعامل بالانتقاء مع ما يُعرض عليه من المآسي في صدفة حماسة مؤقتة توعد فيها الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما برد مؤثر، ثم اكتشف تورطه في لحظة انفعالية أملتها مكانته كرئيس لدولة عظمى.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرغي لافروف وصلتهما ترددات أوباما واستغاثته لإخراجه من حفرة الخط الأحمر التي تعجل النظام الحاكم في سوريا استكمالها ليقينه أن المتعهد الروسي سيكون حكماً وراعيا أو شريكاً في فض النزال المرتقب وإطلاق آلة نظامه القمعية لترتكب المجازر والإبادات بضمانة كيري – لافروف.

ارتكبت أنظمة الأسد وخامنئي وبوتين الفظاعات بمختلف الأسلحة ومنها المحرمة دولياً، إلا أن الهجمات بالغازات الكيميائية تثير مخاوف ورعب المجتمع الدولي لأنها خضعت لتجارب حروب مريرة انتهت منذ عقود بنص قانون يحرم انتشار واستخدام أسلحة الدمار الشامل باتفاق الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن بعد الحرب العالمية الثانية، والتوقيع على معاهدة حظر انضمت إليها معظم دول العالم.

في زمن الحروب القاسية والملتبسة، كالحرب السورية، يلجأ الأبرياء إلى التضحية بأنفسهم وأسرهم بتطبيق شعار المغامرة بالحياة من أجل الخلاص. بحر إيجة شاهد على الهروب الرهيب من فضائل إفلات النظام في سوريا، بمساعدة حلفائه الإيرانيين والروس ومعهم إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، من العقاب بتجاوزه خطا واحدا فقط من بين خطوط الأسلحة التي تُنزل أكبر الخسائر بالمواطنين والمدن.

أشاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل مدة قصيرة بتنوّع الأسلحة الروسية وقدراتها القتالية المجربة على الساحة السورية بما يشبه التسويق للمنتجات الاستهلاكية وترويج بوليصات شركات التأمين، بما شجع المنتجين الآخرين على عرض ما تجود به أسواقهم للسلاح في سباق تتصدره لافتة حقوق الإنسان السوري في الحياة وحمايته من الوحش الحاكم، أو حماية “الحكومة الشرعية” من إرهاب معظم الشعب السوري، كما ترى القيادة الروسية.

بعض الغازات السامة في تشكيلة السلاح الكيميائي مزدوجة الاستخدام كمادة الكلور التي تدخل في الصناعات الكيميائية لكنها تشترك بانتقال مخاطرها كمبيدات بواسطة الهواء، لذلك فإن استخدام السلاح الكيميائي إهانة للحياة الإنسانية وبالذات عندما يستخدم ضد المدنيين باعتباره رسالة احتقار تساوي بين المجموعات البشرية والحشرات.

بمجرد تلويح الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا بردع النظام الحاكم في سوريا، قال الرئيس بوتين “نأمل أن تتغلب لغة العقل في النهاية لتسوية الخلافات الدولية”. في هذه الجملة تبدو أن حكمة القوة الروسية تشتاق إلى قوة مماثلة لها أو تفوقها، لتدرك مدى حدود عروضها الدموية في سوريا.

مندوب نظام سوريا في الأمم المتحدة لن يتنازل عن تمجيد صناعة السينما الأميركية، معتبرا كل الضحايا السوريين ممثلين في فيلم من إنتاج استوديوهات تتوزع على أكثر من 50 مدينة سورية

إن كانت في تسوية الخلافات الدولية إشارة متأخرة من روسيا انتظرت إنهاء الأزمة السورية على قياساتها الخاصة في أستانة بعد فرض إرادة احتلالها وإباداتها وتغيير موازين الصراع لصالح حكومتهم “الشرعية” التي لم تتورع عن استخدام الغازات السامة في وداع مواجهات الغوطة الشرقية، كدليل على سلطتها المطلقة وحسمها للحرب استنادا إلى الدعم الروسي الذي ضرب بعرض الحائط قرار مجلس الأمن، رغم تعديلاته الروسية لتنفيذ الهدنة وإدخال المساعدات الإنسانية.

جوهر خلافات روسيا الدولية ليست في سوريا، بل هناك في العقوبات المفروضة عليها من الولايات المتحدة الأميركية والإتحاد الأوروبي مع رغبة بأن يكون التصعيد بشدة في سوريا مفتتحاً لانفراجة عقلانية يسعى لها بوتين بعد تجربة السياسة الأميركية الخشنة لإدارة الرئيس دونالد ترامب الجديدة، وعندها يكون الاختيار بين روسيا معاصرة، أو بخلفيات سوفييتية أو إمبراطورية تحاكي تعصب نظام ملالي إيران المتخلف.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين كلاهما بميول شخصية استعراضية وتاريخهما سيرة ذاتية توجز إمكانية انطلاق العرض الكبير والواسع على المسرح السوري، واختتامه بتقاسم الهدوء الذي يسبق العاصفة مع الهدوء الذي يلي العاصفة أيضا.

النظام في سوريا مصاب بإدمان سلطة لن تتخلى عن حماقة استمرارها في الحكم بالقوة، فهي في جوع دائم لالتهام الخصوم والمعارضين، كما تلتهم وتحتكر المشاريع الاقتصادية والرأي العام، وكذلك القوانين والخروج عليها.

الرئيس بوتين تلقف نموذج العنف المبالغ للنظام في سوريا تجاه الثورة السلمية، ونموذج الحرب العالمية على الإرهاب ليحتل سوريا باستخدام العنف المفرط ضد كل من يعارض النظام وضد المدنيين ومن دون أي مبالاة.

تبيّن ذلك في الشق السياسي من مفاوضات جنيف وما تلاها لوضع كل الثورة السورية في سلة الإرهاب لتدعيم موقفه الدولي بالتلاعب بالمعارضة أو حتى بالنظام الذي افتقد قراره وصار عليه لزاماً الركوع أمام إرادة ومتطلبات الرئيس بوتين، بما يخدم منهج النظام أيضاً في توقيتات الضربات الكيميائية وتنفيذها؛ وهو إيحاء مركب لهمجية الحاكم تحت مظلة الحماية الروسية وبمخارج فيتو متعدد في مجلس الأمن تتعدى أهدافه الإبقاء على بقايا هذيان الدم وجرائم السلطة في سوريا.

التصعيد الدولي هذه المرة إن كان جدياً ضد النظام ينبغي قراءته على مسافة شهر واحد من مراجعة الاتفاق النووي مع إيران، وحساب هستيريا الميليشيات الإيرانية في العراق وسوريا ولبنان واليمن، ومتابعة الاتهامات الروسية للولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا بخرق القانون الدولي، ومراقبة الأبواب المفتوحة على تأمل العقل الروسي لتسوية الخلافات في العلاقات الدولية.

الشعب السوري يستحق من المجتمع الإنساني ردة فعل لا تكتفي بتضميد جراحه كما لو كان صيداً يوفر متعة المطاردة للحاكم بكل وسائل وتقنيات التنكيل ومنها المبيدات البشرية.

مندوب نظام سوريا في الأمم المتحدة لن يتنازل عن تمجيد صناعة السينما الأميركية، معتبرا كل الضحايا السوريين ممثلين في فيلم من إنتاج استوديوهات تتوزع على أكثر من 50 مدينة سورية اشتركت في تصوير فيلم هوليوودي، كانت آخر مشاهده قصف مدينة دوما في الغوطة الدمشقية بالغازات الكيميائية السامة.

لا بد لهذا الفيلم الكئيب من نهاية تعيد افتتاح الضوء والأمل في صالة أرض عريقة كانت مفتتحاً للحضارات الإنسانية، إذ لا يمكن لمدن مرموقة مثل لندن وباريس وواشنطن وموسكو وبكين وبرلين وطوكيو أن تتخلى عن دمشق وحلب وحمص وحماة، لتقايضها بنظام حاكم متوحش مزق بلاد الشام إلى غنائم حرب وحولها إلى فريسة على مائدة اللئام

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث