العيال والكعكة - نور الدين الجزائري

العيال والكعكة - نور الدين الجزائري

 

العيال والكعكة ..
 
مع قرب نهاية المعركة في اعرافهم وتحالفاتهم المعلنة والخفية والباطنية وما آلت اليه الأوضاع على أراضي المعارك ضد الدولة الاسلامية في كل من العراق وسورية من جهة، وفي الحسابات الدولية وحرب الكل على "الاٍرهاب"، ووعود بتسوية في اليمن لصالح عاصفة الحزم من امريكا بفضل المليارات المُقدّمة في قمّة الرياض، ومنها حصر ايران في خانة الاتهامات وتحديدها كعدو دائم للفرقاء في الشرق الاوسط الجديد من جهة اخرى، ظهرت فجأة خلافات دبلوماسية حادّة وامام الملأ وخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، ودخلت أحلاف كنّا نظن أنّها كالجسد الواحد في التلاسن والتراشق بأحجار الخيانة والعمالة والأنساب ضد بعضها البعض، أحلاف تكوّنت بعد حرب الخليج الثانية والتي عزلت ايران بعد ان قضت على العراق، دولٌ رسمت لنفسها سياسات انتهجتها لتقوم داخليًّا بنهضة علمية وفكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية بعد ان اُزِيحت قوتين من المشهد السياسي والجيو-استراتيجي من حيث الثقل والهيمنة على منطقة الشرق الاوسط، تخلل من هذا النتاج صراعات ايديولوجية من حيث رسم الخريطة الجديدة للمنطقة والسياسات الدبلوماسية والاقتصادية المتّبعة، فكان لدول كالسعودية والإمارات وقطر دورا بارزا في ذلك منذ اكثر من عقدين ..
تبلور مفهوم الشرق الاوسط الجديد مرة اخرى بعد خروج كُلّ من ايران والعراق من حلبة الصراع على النفوذ والسياسة في منطقة الخليج، فتحالف بعض البلدان العربية مع امريكا للإطاحة بصدام حسين كان من مضمون رؤية جديدة للمنطقة، بسياسة أمريكية وأدوات محلية، فالمصالح فوق السياسة والأشخاص ومن هذه القاعدة والنظرة البراغماتية أوعزت امريكا للامارات ان تلعب دورا محوريا وأساسيا في الخليج، اذ اعتمدا البلدان على خطة تنهض وتقفز بالامارات شريطة التخلي عن الاسلام السياسي، ولَم يكن ذلك موفّقا بالنسبة لقطر وانتهاجها سياسة مرنة مع الإسلاميين السياسيين من اخوان وسلفية تقليدية، والامر كان شبه مستحيل بالنسبة للسعودية من اجل الصراعات الداخلية بين الاسرة الحاكمة والفساد المالي، فامريكا ومن ورائها إسرائيل وبعض دول الغرب كبريطانيا وفرنسا نهضوا بالامارات خطةً ونصحًا وترشيدًا، اذ جعلوا منها هنكونغ الشرق الاوسط من الناحية المالية وإدارة الاعمال، فبدأت تنهض بصناديق سيادية آمنة ممّا جعلها من أقوى وأجذب البلدان العالمية استثمارا وحيوية اقتصادية، فكان لابد لهذه المهمّة رجلا يأتمر بسياسة غربية وغير مداهن او محابي للتيارات الاسلامية السياسية، وكان لابد من غلاف ديني للمشروع الإماراتي وهو تبنّي العقيدة الصوفية والاستثمار فيها وإعطاء حكام الامارات الصبغة الشرعية والدينية، وقد نجحت الامارات في ذلك الى حد كبير مما أدى بانفراد السلطة وعدم ازعاجها من الجانب الديني، وما المعارضون بداخلها إلاّ من الإصلاحين المحسوبين على الاخوان المسلمين او بعض السرورية، فقد نجحت الامارات بهذه الخطة لتكميم المناوئين لحكّامها داخليًّا، ممّا جعلها البلد الأوحد في الشرق الاوسط من حيث الأمن والامان المنشودين في بعض الدول الاخرى في المنطقة ..
اما بالنسبة لقطر فقد انتهجت معلمًا وطريقًا اخر من حيث النصيحة والترشيد، فقد احتوت إعلام اخوان المسلمين وبعض اللاجئين السياسيين من دول المنطقة، فكوّنت حلفًا نهضويا على غرار تركيا اردوغان، فنجحت الى حد ما من الاستقرار السياسي والاقتصادي، وفشلت في احتواء سياستها الخارجية بسبب قناة الجزيرة وحرية اعلامها من زاوية معلومة، وكذلك بسبب تحالفها مع حركة حماس والتي استضافت قطر رؤوس مكتبها السياسي على أراضيها، ففي المدة الاخيرة اصبح ملف حماس عبئا على قطر وذلك من خلال التقارب العربي الاسرائيلي منذ ورقة الملك عبدالله بن عبد العزيز في تسوية القضية الفلسطينية مع الكيان الصهيوني مرورا بمساندتها للإخوان بمصر وبروز السيسي والتجاذبات بين مشروعين في المنطقة الواضحين الملامح والمعالم، مشروع ليبيرو-عربي، وآخر ليبيرو-إسلامي، ممّا أدى اليوم الى هذا التصادم والتناطح ما بين الامارات والسعودية ومصر من جهة وما بين قطر وقريبا تركيا معها من جهة اخرى، فقطر اليوم بين مطرقة التبعية للحلف الجديد في المنطقة وسندان مآلات ومخرجات نهاية الحرب في المنطقة وخاصة في سورية، فالمصالح كثيرة والمطامع كبيرة، فأنابيب الغاز من ايران وقطر ونقطة الالتقاء في سورية ومنها إسرائيل ولبنان منوطة بشراكة قوية مع كل من ايران وإسرائيل لضمان تدفّق الغاز القطري الى ما بعد البحر المتوسط، فقطر لا تريد ان تخسر ايران في صراع التوجهات لمحور الليبيرو-عربي والذي يريد إقصاءها. لدورها السياسي والاقتصادي في المنطقة، فالإمارات اليوم هي من وراء هذه النزعة السياسية في المنطقة لابعاد قطر وسياستها التقليدية اتجاه السعودية، وتفرّد محمد بن زايد بمحمد بن سلمان في إطار حلف ثنائي يقود المنطقة سياسياً واقتصاديًّا وهيمنة وبمباركة أمريكية إسرائيلية، وهذا ما لُوحظ من خلال زيارة ابن سلمان لنتنياهو في الاْردن في نهاية الصيف المنصرم، وتقديم بن زايد لابن سلمان للرئيس الامريكي الجديد ترامب ووعوده بدعم سياسي لتولي الحكم وإزاحة محمد بن نايف عنه، وقد تقرر الامر من خلال قمة الرياض والسخاء السعودي، وقبول ولي العهد بالتنحي مقابل شيك زهيد لصالح محمد بن سلمان ملك السعودية القادم ..
فالصراع على النفوذ لا يعرف عقيدة ولا سياسة متّبعة ولا عرفاً مشهودًا، فالكل في المنطقة امتطى الكل لمآرب خاصة وحوائج في النفوس، فالصراع الدائر اليوم ما بين حكّام العرب يندرج تحت ما ستؤول اليه الحرب" ما بعد" الدولة الاسلامية، فهي خطرهم الوحيد من الاستئصال وابطال المخططات المحاكة للمنطقة، فتراهم مجتمعين عليها من خلال الدعم المالي واللوجستي والقواعد العسكرية، ولكن سياساتهم ما بعدها تنبؤ بصراعات حادة يمكن من خلالها توجيه ضربات استباقية لبعض مراكز القرار والإعلام، سيسبق كل ذلك إغواء امريكا بالخروج من قاعدة العديد الى ابوظبي، ومن قاعدة انجرليك الى الاردن او السعودية، فالمحمّدان ( بن زايد وبن سلمان) اتّفقا على دفن الاسلام السياسي وتقديمه كهِبة للإسرائليين عند التسوية، فيُريدان من المنطقة نموذج استقرار وظفر سياسي واقتصادي جديد، فاصلاحات بن سلمان ورؤيته 2030م من هذا الباب، فالعاقبة الكبرى كانت الاسلام السياسي والجماعات الجهادية، فقد نجحا الى حد بعيد باحتواء البعض والقضاء على البعض الاخر واجتمعا على إحداهم، ويريدان من ايران شراكة اقتصادية ونبذ الطائفية بسياسة الحصار والتحالفات مع امريكا وإسرائيل، ومن أراد الدخول في حلفهما فالولاء السياسي لابن زايد والمالي لابن سلمان، فالرجلان في حلمها وان تطلب زعزعة واستقرار بلدان، فالنفوذ لا ربّ له ولا دين ولا اخلاق في عرف هؤلاء ..
فالذي لم يتفطن له البعض والمحسوب على الطبقة المثقّفة من اسلاميين وقوميين هو نهاية لحقبة امتطاء الحمير وبروز الضوء بعد غبار المعارك الخفية، فالقرابين اليوم على اشدّها والمصلحة تتطلب تقديمها على أطباق من ذهب لأجل النفوذ والبقاء على الساحة الدولية، فالسعودية امتطت حمير السلفية المسماة بالجامية، والإمارات امتطت الصوفية الظلامية القبورية، وقطر امتطت الاخوان والقومية، فزجّوا بهولاء القوم كلهم من اجل النفوذ والسياسة والشرعية ، فالقربان من أصول السياسات الوضعية في تقديمه كهدايا من اجل التسامح وبناء الثقة من جديد، فقد ضحِك حكّام العرب على النخب بعد ان جيَّشت معارفها وعلومها وثقافاتها لاصباغ الشرعية المفقودة من خلال المؤامرات والانقلابات العائلية وعلى عقيدة المسلمين ، ومن ثمة إيجاد حمير اخرى من عالم المادة والاستهلاك تدافع عنهم وتنافح عن سياساتهم المعلنة، فما نراه اليوم افرازات شرق اوسط جديد في الأفق، فالذي لا يريد دخول بيت الطاعة الجديد فعليه تحمّل تبِعات سياسته ويمكن ان تُنزع منه الشرعية الدينية والوطنية والإقليمية، فيبدو ان جينات سياسة العصى والجزرة أتت أكلها بعد مضاجعة كادت ان تُرزق من خلالها بولد عاق يغربل كل السياسات في المنطقة ..
فالقوم في نشوة من مآربهم ونزواتهم الخاصة بعد ان وصل ترامب لسدة الحكم في امريكا، فبعد تعهّده بالقضاء على الدولة الاسلامية ووعوده لحزام أمن من سياسات ايران في المنطقة، برز صبية امام كعكة يريدون تقاسمها على حسب الرغبة والطلب، فقد سبق في علم الله انّ ارض المنطقة عصية على العبث والنوايا السيئة، والحذر كل الحذر من مقادير الخلطة في الكعكة، فقد تكون غير صالحة للاستهلاك او مسمومة، فقد اعذر من أنذر ولن يرث المنطقة إلاّ اتباع الرسل واصحاب النوايا الصادقة ..
السلام عليكم ..