مصر وأزمة إرسال قواتها إلى سوريا - محمد أبو الفضل

المتواجدون الأن

150 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

مصر وأزمة إرسال قواتها إلى سوريا - محمد أبو الفضل

 

كلما جاء ذكر إرسال قوات مصرية للمساهمة في حل أزمة عربية، تعالت أصوات محذرة من نتائج تلك الخطوة. على الفور يتم استدعاء شبح عقدة اليمن في ستينات القرن الماضي، عندما شاركت مصر بقوات عسكرية برية لدعم الثورة اليمنية.

البعض يربط بين هذا التدخل وفاجعة يونيو 1967 وخسائرها الفادحة، وبين كل حديث يتعلق بفكرة إرسال قوات مصرية إلى أي بقعة عربية أخرى. يتناسى هؤلاء أن المرارات التي أفضى إليها ما يوصف بـ”التورط” كانت لها روافد إيجابية لدى قطاع كبير من الشعب اليمني، ولم يتعاملوا معها باعتبارها غزوا سافرا.

هناك تقديرات كثيرة متباينة لهذه القضية ليس هذا وقت استعراضها، لكن إرسال قوات مصرية لم يكن كله شرّا، كما يتخيل البعض، أو كما يروج آخرون. في النهاية ثمة لحظة تاريخية معينة تفرض على الحكام اتخاذ مواقف صعبة، حتى لو جلبت مشكلات لاحقة.

عقدة اليمن لم تمنع مصر من إرسال قوات في حرب الخليج الأولى عام 1991، عندما وجد الرئيس حسني مبارك آنذاك، ضرورة أملتها تقديرات بدت له مقنعة ماديا للإقدام على هذه الخطوة في حينه.

نغمة الرفض القاطع لإرسال قوات خارجية، والتي يبيحها الدستور في حالات معينة، بدأت تتردد مع نشوب الحرب الأهلية في اليمن، وامتنعت مصر عن المشاركة فيها بقوات على الأرض، ضمن التحالف العربي، ولا تزال تشارك فيها بقوات جوية وبحرية.

تصاعد الكلام حول إرسال قوات عربية إلى سوريا مؤخرا، تزامن مع عزم الرئيس الأميركي دونالد ترامب سحب قوات بلاده من هناك. المياه الكثيرة التي جرت في هذا النهر، إقليميا ودوليا، تصب في صالح الاتجاه نحو التوافق على فكرة تشكيل هذه القوات.

على الفور قفزت إلى الذهن مشاركة مصر، بحكم أنها تملك أكبر جيش عربي، عددا وتسليحا. وعلى الفور عادت أسطوانة اليمن، وصعوبة أن تُقدم القاهرة على هذه الخطوة في أزمة معقدة. هذا كلام صحيح له وجاهته السياسية والأمنية، ومن الممكن أن تكون له مزايا، لكن أغلبية من رددوه تجاهلوا الضريبة التي تدفعها أي قوة تطمع في دور قيادي.

عملية جس النبض التي بعث بها وزير الخارجية المصري سامح شكري، الأربعاء الماضي، أجلت قدرا من الغموض في الصورة، عندما تطرق إلى مسألة إرسال قوات مصرية إلى سوريا. ثم أصدر الرجل بيانا في اليوم التالي لم ينف فيه الفكرة، وأوحى أن هناك حديثا جادا في الأروقة لإرسال قوات عربية، والدستور وحده يرسم مسألة المشاركة المصرية. بمعنى أن الباب لا يزال مفتوحا، والقاهرة يمكن أن تتخلص من عقدة اليمن، ما يجعلها غير أسيرة لها.

الولايات المتحدة، وهي قوة كبيرة، تخلصت من عقدة فيتنام، ولو بقيت رهينة لها لما أصبحت قوة مسيطرة على مقاليد أمور كثيرة في العالم. جميع التدخلات في العراق وأفغانستان والبوسنة، وحتى الصومال وما انطوت عليه من فاجعة جديدة، ساهمت في تحويل أميركا إلى دولة عظمى.

روسيا أيضا، لم ترضخ لعقدتها في أفغانستان ولو حدث ذلك لما تدخلت في أوكرانيا أو فكرت في إرسال جيشها إلى سوريا. وكلها محكات جعلتها محورا من المحاور الرئيسية في العالم؛ تحقق مصالحها وتجني ثمارا من وراء هذه التدخلات.

المخاوف التي تلازم القاهرة منطقية، لكن يمكن أن تفوت عليها فرصة تاريخية. المشاركة في القرارات الإقليمية تستلزم قدرة على طرح المبادرات وتحمل مسؤولية العمل على تنفيذها

المؤكد أن هناك فرقا كبيرا بين حسابات مصر وحسابات كل من الولايات المتحدة وروسيا، لكن النتيجة واحدة. إذا أرادت دولة تحقيق أهدافها والحفاظ على مصالحها، يجب أن تكون لها تطلعات وطموحات تتواءم مع ذلك. الانسحاب لن يجعل أي دولة في مأمن تماما، بل ربما يسمح بهيمنة قوى غادرة على المنطقة، تؤثر على المصالح الاستراتيجية لدولها.

مصر عندما لازمتها ظروف قاسية وانزوت خلال السنوات الماضية، ومنحت أولوية لترتيب أوضاعها الداخلية، فتحت الباب لتغوّل دول مثل إيران وتركيا وإسرائيل، والتي انتهزت الفرصة وضاعفت من التدخلات السافرة في المنطقة، ما أفضى إلى تعقيد الأزمة السورية، وتجاهل التفكير في التسويات لغالبية الدول العربية، لكنه لم يستطع غض الطرف عن دور طهران وأنقرة وتل أبيب.

هذه ليست دعوة مجانية لتدخل الجيش المصري في الأزمة السورية بلا تقديرات دقيقة، لكنها محاولة لإعادة النظر في الحسابات لأنها أضحت متغيرة. الأجواء التي حدث فيها التدخل المصري في اليمن مختلفة عما هو سائد الآن، في الظروف السياسية والقدرات العسكرية والتحالفات الإقليمية وتوازنات القوى الدوليةكما أن القاهرة لم تنكر دعمها لسوريا حاليا من خلال مدها بمستشارين عسكريين. ولم تنكر التعاون الأمني في ملف مكافحة الإرهاب وتتبع قوائم المتطرفين، كذلك القيام بعمليات تدريب وتزويد الجيش السوري بقطع غيار ومعدات عسكرية.

بمعنى أن ثمة حضورا عسكريا مصريا ليس بخاف على الدول المنخرطة في الصراع، ناهيك عن المشاركة في وساطات اتفاقيات الهدنة وخفض التوتر في مناطق مختلفة برعاية روسيا، الأمر الذي تم بسبب تمتع مصر بقبول من جانب أطراف متعددة، متحالفة ومتخاصمة.

الطريقة التي صُنع بها القرار المصري في السنوات الماضية، تتسم بقدر عال من التوجس. وهي عملية مفهومة في ظل الظروف التي مرت بها البلاد من توتر وعدم استقرار. الآن الظروف تغيرت؛ تحقق قدر مرتفع من الأمن، مؤسسات الدولة تعمل بصورة طبيعية، المخاوف الناجمة عن خطر الإخوان والمتشددين والإرهاب تلاشت تقريبا.

التريث والحذر والتردد، أبعاد مطلوبة في أزمة سوريا، بحكم ما يكتنفها من تشابكات غريبة، وتبدل في الولاءات وتغير في التحالفات. وتميل القاهرة إلى أن يكون التدخل لحفظ السلام وليس للقتال.

مصر الطموحة لدور عربي كبير وتحرك إقليمي واسع، لم يغب عن ذهنها ما يجري في سوريا، لأنها الامتداد الطبيعي للأمن القومي. وقامت بأدوار مباشرة وغير مباشرة، كلها تصب في دعم هذه القضية المصيرية.

الهواجس الظاهرة حيال عملية إرسال قوات برية إلى سوريا لها مبررات كثيرة، بعضها على صلة بالعلاقة القوية مع السعودية التي طلبت مشاركة مصر بقوات مماثلة في اليمن، ولم تتم الاستجابة لها، وجرى الالتفاف على هذا الطلب بحجج متباينة، وبعضها الآخر له علاقة بعدم استبعاد استمرار انفلات الأوضاع في سوريا، فتجد القاهرة نفسها متورطة في أزمة مفتوحة على مصراعيها، عامرة بقوات وميليشيات تابعة لدول عدة.

الطرح الجديد لم يتحدث عن قوات مصرية فقط، لكنه أشار إلى تشكيل قوات عربية. بالطبع مصر تتحمل جزءا كبيرا في العملية، حال إتمامها. الطرح له غطاء أو ضامن دولي، يتمثل في الولايات المتحدة. كما أن هناك قواسم جيدة مع روسيا المتحكمة في مفاصل رئيسية في الأزمة، يمكن أن تسهّل عمل القوات العربية.

الأهم أن الخارطة في المنطقة تتغير ولم تعد رهينة بتقديرات جامدةالتطورات المتلاحقة تؤثر على الكثير من التوازنات التقليدية. الدول الآن تتفق وتختلف في الأزمة الواحدة؛ لم تعد الرؤية حدية على الدوام، من كانوا حلفاء بالأمس قد يتحولون إلى أعداء اليوم، والعكس صحيح.

السيولة الشديدة في بنية النظام الإقليمي عقدت أزمات وسهلت تفاهمات. من هنا فإن التفكير بعقل مفتوح وغير مكبل بميراث الماضي سوف يكون مفيدا، ويخرج مصر وغيرها من أنماط تجاوزها الزمن.

المخاوف التي تلازم القاهرة منطقية، لكن يمكن أن تفوت عليها فرصة تاريخية. المشاركة في القرارات الإقليمية تستلزم قدرة على طرح المبادرات وتحمل مسؤولية العمل على تنفيذها. الدول المتقاعسة لن يكون لها مكان تحت الشمس. وقد تجاوزت مصر مسألة الحذر. وأمامها فرصة بالتعاون مع السعودية والإمارات، للمشاركة في إعادة هندسة المنطقة بما يحافظ على مصالح جميع الدول العربية

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث