سُقُطرى اليمنيّة: جزيرة العجائب وأحلام النفوذ - أحمد الأغبري

المتواجدون الأن

105 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

سُقُطرى اليمنيّة: جزيرة العجائب وأحلام النفوذ - أحمد الأغبري

 

 

  ارتبطت جزيرة سُقُطَرى اليمنيّة عبر التاريخ بأحلام النفوذ، بسبب موقعها الاستراتيجي على طريق التجارة وممر الملاحة الآتي من المحيط الهندي، بالإضافة إلى ما تحتويه بيئتها من كنوز طبيعية أرتقت بمكانتها عبر التاريخ وبقيت من خلالها مستوطنة لعجائب وفرائد النبات والطيور والفراشات والحشرات وصولاً إلى بيئتها البحرية، ليصنفها العالم ضمن أهم مستودعات الطبيعة البكر ومن أهم جزر العالم في التنوع الحيوي، ونتيجة لخصوصيتها أدرجتها منظمة «يونسكو» في قائمة التراث العالمي ومن أهم المحميات الطبيعية العالمية.
ستشعر وأنت تتنقل في ربوعها كأنك في عالم من الأساطير، فما تشاهده من الأعشاب والأشجار التي تزدهي بها تلك التضاريس على إيقاع خرير الينابيع والجداول وأصوات الحيوانات التي تحلق على علوها فصائل فريدة من الطيور والفراشات، كل ذلك وغيره يشعرك كأنك في رحلة من رحلات السندباد.
إنها جميلة وساحرة، تنسجم مكونات ومفردات بيئتها فيما بينها بما فيها سكانها بملابسهم اليمنيّة التقليدية وبساطتهم وهدوء حياتهم. لقد أدرج العالم سُقُطَرى ضمن قائمة أجمل وأهم الجزر في العالم لما تتمتع به من طبيعة ساحرة وتنوع بيئي وباعتبارها موئلا لعدد كبير من أنواع الطيور بعضها لم تعد توجد سوى في هذه الجزيرة، بالإضافة إلى التنوع والثراء العشبي والحيوي الذي يمتد لشواطئها وبيئتها البحرية وكهوفها وجبالها. ووفقاً لمصادر بيئية فإن ثلث الحياة النباتية هناك لا يوجد في أي مكان آخر في العالم.
تقع سُقُطَرى في جنوب شبه الجزيرة العربية عند نقطة التقاء بحر العرب بالمحيط الهندي، وتمثل كبرى الجُزر اليمنيّة والعربية، وتبعد 300 ميل من رأس فرتك في محافظة المهرة كأقرب نقطة في الساحل اليمنيّ، كما تبعد عن محافظة عدن 553 ميلاً.
على عمق ارتباطها بالهُوية والثقافة العربية منذ أزمان غابرة، لم يستطع عدد من الأقوام التي نزلتها أن يؤثروا في صِلتها العربية بهُوية اليمن، وهو ما أكدته مراجع علمية تتبعت صِلة ممالك اليمن القديم بهذه الجزيرة منذ الحميريين وحتى السلطنة العفرارية في المهرة/جنوب اليمن في النصف الأول من القرن العشرين. خلال التاريخ القديم كان لهذه الجزيرة شأنها ومكانتها، حيث مثلت قديماً، سوقاً عالمية لتبادل السلع، بين عدد من الشعوب كالهنود والصينيين والعرب والافارقة الذين كانوا يلتقون فيها ويتبادلون سلعهم ويشترون منها السلع المقدسة التي كانت تتميز بها. وعُرفت سُقُطَرى منذ بداية الألف الأول للميلاد باعتبارها أحد أهم مراكز إنتاج وتصدير السلع المستخدمة في أحياء الطقوس في ديانات الشرق القديم، لذا سميت بـ»جزيرة التجارة المقدسة» لارتباطها تاريخياً بطريق البخور، كما سميت «جزيرة البخور» باعتبارها من أهم من مواطن أشجار اللبان «البخور» على مستوى العالم، وهي الشهرة التي تعود إلى بداية العصر الحجري.
جاءت تسمية «سُقُطَرى» وتكتب أحياناً «سُقُطَرة» وفق إحدى القراءات، من «سوق قطرة» أو «سوق التحلبات الناضجة» وهو ما تم تحويره إلى سُقُطَرى بضم الحرفين الأول والثاني وفتح الثالث، وهي تحلبات أشجارها وخاصة شجرة العَنْدَمْ أو شجرة دم الأخوين، وهذه الشجرة التي تشبه الشمسيات ولا توجد في أي مكان في العالم إلاّ هناك، ولمكونات ومخرجات هذه الشجرة استخدامات أثبتت جدواها غذائياً وطبياً عبر التاريخ.
وجزيرة سُقُطَرى، التي تصل مساحتها إلى 3950 كم مربع، هي إحدى ست جزر تكوّن أرخبيل سُقُطَرى، اثنتان منها مأهولة بالسكان، وهما سُقُطَرى وعبد الكوري، ويضم الأرخبيل، أيضاً، سبع جزر صخرية. ويصل عدد السكان هناك وفق تعداد 2004 نحو 65 ألف نسمة. في عام 2013 أقرت الحكومة اليمنيّة اعتبار الأرخبيل محافظة بعدما كانت مديرية تتبع محافظة حضرموت/شرق.
تبدو تضاريس الأرخبيل من الطائرة، وكأنها أشبه بمحار لؤلؤ، وعندما تقترب الطائرة أكثر ستبدو الجزيرة كأنها امرأة أكملت الاستحمام لتوها، ومستلقية على زرقة البحر.
في المطار يكون البخور السقطري وحبل مُجَهر هما أول ما يستقبلانك، فخلال تنسمك رائحة البخور ستغتسل عيناك بمنظر الجبل، وهو ينتصب أمامك مُزداناً بحلة خضراء. تنتقل من المطار إلى «حديبو» عاصمة الجزيرة ومركز المحافظة، بواسطة سيارة تعبر طريقا يمر بمحاذاة الشاطئ عند سفوح الجبال، وعلى جنبات الطريق ستدهشك مشاهد تختزل تنوع سحر الطبيعة هناك. فعلى الغرب من الطريق بساط نباتي أخضر، تتخلل البساط أشجار عجيبة كل منها له جذوع اسطوانية ملساء، وفي أعلى الجذوع تخرج أفرع ثنائية على هيئة أذرع، وتتفرع في نهاية هذه الأفرع عناقيد زهرية، فيما لا يفوتك أن تنظر إلى الشاطئ وتستغرق في تأمل منظر تداخُل اليابسة مع البحر في أشكال نصف دائرية تغمرها مياه يزيد من جمال زرقتها وأشكال شواطئها تلك الصخور التي استقرت فيها لتكون محطاً لطيور جميلة تتناوب عليها. مشاهدٌ يتداخل في نسج جمالها الساحل والجبل والوادي.

الغطاء النباتي

تتمتع الجزيرة بغطاء نباتي تنتظم فيه مجموعة كبيرة من فصائل النباتات ذات القيمة الجمالية والعطرية والدوائية النادرة، وستذهل عندما تعلم أن معظم هذه النباتات التي تشاهدها هناك قد انقرضت أو مهددة في البيئات الأخرى، وستندهش أكثر عندما تستمع من السقطريين عن فوائد واستخدامات هذا المخزون من النباتات، وتلك الأعراف والتقاليد والمستويات الحضارية للمجتمعات التي تعاطت مع هذه النباتات واعتقدت في منافعها وتأثيراتها على نحو أسطوري خاصة شجرة اللبان «البخور» وشجرة «دم الأخوين». ومن الأساطير المرتبطة بهذه الأخيرة أنه تحكي قصة أول قطرة دم وأول نزيف بين الأخوين: قابيل وهابيل. قصة جمال وغرابة وفرادة الغطاء النباتي تبدأ من الأعشاب الصغيرة وتنتهي فصولها على رؤوس أشجار غريبة الشكل ونادرة الفصيلة يصل ارتفاعها إلى ستة وسبعة أمتار، يضاف إلى تلك المشاهد غابات أشجار النخيل المنتشرة بكثافة على ضفاف الوديان التي تتدفق بالمياه العذبة على مدار العام. 
كل تلك المشاهد بما يتخللها من شلالات وجداول ترسم لوحات فنية ساحرة. وحسب تصنيف المركز العالمي لمراقبة شؤون البيئة، تُعد سُقُطَرى إحدى الجزر الأربع الأكثر تنوعاً نباتياً في العالم، لاحتضانها أكبر تجمع للنباتات المستوطنة، ولاحتوائها مئتي نوع من النباتات النادرة من أصل ما يزيد عن 600 نوع نادر في العالم. وحسب الدكتور عمر صغير أمين عام الجمعية اليمنيّة لحماية الحياة الفطرية فإن «جزيرة سقطرى وأرخبيل مجموعة الجزر التابعة لها تحوي ما يزيد عن 950 نوعاً نباتياً منها 300 نوع مستوطن في الجزيرة لا توجد في أي مكان في العالم».

الطيور والكائنات الحية

لا تقتصر تلك الفرادة على الغطاء النباتي، ففيما يخص الطيور والكائنات الحية، مثلاً، تقول مصادر علمية إن جزر سُقُطَرى تعتبر موئلاً طبيعياً للعديد من أنواع الطيور والحشرات والأحياء البرية والمائية فهناك 179 نوعاً من الطيور التي تعيش في 32 موقعاً على الجزيرة منها 41 نوعاً تقيم وتتكاثر وتشمل ستة أنواع من الطيور المستوطنة التي لا وجود لها في مكان آخر من العالم. كما تنفرد بيئة الجزيرة بأنواع كثيرة من الحشرات منها فراشات النهار المستوطنة وعددها 15 نوعاً وفراشات الليل وتضم 90 نوعاً إلى جانب 100 نوع آخر من الحشرات 80 منها خاصة بسُقُطَرى. كما تعتبر شواطئ أرخبيل سُقُطَرى من أفضل مصائد اللؤلؤ في العالم، ويوجد في سواحل الأرخبيل وأعماقه أنواع متعددة من الأسماك وكذلك الأحياء البحرية، التي يتوفر منها نحو 60 نوعاً من الإسفنجات إضافة إلى أنواع أخرى من الصدفيات وغيرها، والتي تلعب دوراً مهماً في التوازن البيئي. كل مفردات هذه الخصوصية وغيرها جعلت سُقُطَرى من أهم الجزر في العالم ووضعتها في طليعة اهتمامات المرفق البيئي العالمي «GFF».

حديبو

ما أن تصل مدينة حديبو ستلتقي إنسان الجزيرة، وكم ستدهشك بساطته وجماله! بل ستشعر بماهية جماله وكأنها جزء من جمال الطبيعة من حوله. ستظل ذاهلا من كل ذلك الهدوء وتلك المحبة التي تسكن الناس هناك وتغمر مجتمعهم بكل معاني السلام، كما ستدهشك أكثر، خلال زياراتك للتجمعات السكانية، تلك البدائية والبساطة التي ما تزال تحصر حياتهم وثقافتهم في عادات وتقاليد ما زالت الأساطير حاضرة فيها بقوة، كما أن البطالة والأمراض والأوبئة والفقر ما تزال الملمح البارز لمعاناتهم، وخاصة كلما توغلت في الجزيرة، وابتعدت كثيراً عن حديبو.
على الرغم مما شهدته الجزيرة بعد إعادة الوحدة اليمنيّة عام 1990من تنمية، إلا أن الخدمات بقيت محدودة جداً، وهو وضع تتحمل مسؤوليته الحكومات اليمنيّة المتعاقبة، لاسيما وقد استغلت الوضع جمعيات خيرية غير يمنيّة استطاعت بواسطة مشاريعها التغلغل في الجزيرة وصولاً إلى ما تعانيه الجزيرة من وجود عسكري إماراتي.
ما زال التاريخ اليمنيّ القديم في سُقُطَرى يمشي على قدمين، حتى على مستوى اللغة، فما زال للسكان لغتهم الخاصة التي يتحدثونها بجانب اللغة العربية. هي إحدى اللغات اليمنيّة القديمة، وتمثل لغة تعاملات مجتمع الجزيرة، فيما يتحدثون العربية في المرافق الحكومية ومع الزوار.

الكهوف

يتوزع سكان الجزيرة ما بين الوديان والسهول والسواحل والجبال والمرتفعات، ويسكن أبناء الوديان، والذين يمارس معظمهم الزراعة والصيد في بيوت غالبيتها بسيطة، أما سكنة الجبال والذين يعدون بدو رحل ويمارسون الرعي، فيتخذون من الكهوف والمغارات بيوتاً، ويعيشون فيها حياة بدائية. وحسب بيانات هيئة تنمية الجزر اليمنيّة، فإن عدد الكهوف التي تنتشر في الجزيرة يفوق الأربعين كهفاً معظمها مأهولة بالسكان، وأكبر هذه الكهوف يسكنها عدد من الأسر موزعة في المغارات الداخلية، ويصل طول أحدها إلى حوالي 3.1 كم وبمتوسط عرض 17 تقريباً مع احتوائها على الآثار والمياه التي شكلت بانسيابها المنتظم أعمدة كلسية يفوح منها عبق التاريخ.

العزلة

على ما يبدو أن العزلة التي عاشتها الجزيرة في الماضي قد فرضت عليها كل هذه الحال، كما ما تزال هناك عزلة أخرى تعيشها حتى اليوم، حيث تنقطع فيها الاتصالات وتتوقف حركة الملاحة من وإلى الجزيرة من حزيران/يونيو إلى آب/اغسطس نتيجة اضطراب أحوال الرياح في محيطها. هنا ذهب البعض إلى اعتبار أن العزلة التي يفرضها المناخ على الجزيرة قد خلف مستوى فريداً وغير مألوف هناك من الحياة الاجتماعية والاستيطان الحيوي.

تراث وآثار

بالإضافة إلى الثراء الطبيعي هناك، يزخر تراث مجتمع الجزيرة بثراء ثقافي، فالتراث السقطري يتنوع بين الشعر والحكايات والأمثال والألعاب والأزياء والعادات…ألخ، والتي لم توثق وتدرس حتى الآن. كما كشفت أعمال التنقيب الأثري عن نتائج تؤكد أن الإنسان القديم سكن هذه الجزيرة، ومن أهم تلك الأعمال عثور بعثة روسية عام 2008 على بقايا أثرية شرق الجزيرة تعود إلى إنسان العصر الحجري. وقال رئيس البعثة فيتالي ناوميكن «إن الآثار المكتشفة ترجع إلى ما يقارب المليون سنة». وأضاف إن هذه الاكتشافات تدل على أن بداية وجود الإنسان البدائي في سقطرى يعود إلى نحو 600 ألف عام. وكانت بعثة أثرية بلجيكية – يمنيّة مشتركة قد أعلنت في وقت سابق عن العثور على كهف جبلي يمتد بطول ثلاثة كيلومترات، ويضم مجموعة من المباني والمعابد القديمة إلى جانب أوان فخارية ومباخر، وغير ذلك من الأدوات المرتبطة بأداء الطقوس والشعائر داخل هذه المعابد والتي يعود تاريخها -حسب التحليلات الأولية- إلى القرن الثالث الميلادي. وأعلنت الهيئة اليمنيّة للآثار والمتاحف عن اكتشاف خمس مستوطنات بشرية و6 مقابر قديمة هناك تعود إلى حقب تاريخية موغلة في القِدم.
وفي الأخير، يبقى من الصعوبة الإلمام بفرائد هذه الجزيرة الأعجوبة في هذه السطور، إلا أن الوقوف على بعضٍ من الصورة كافٍ لنعي أهميتها والخطر المُحدق بها في ظل ما تشهده حالياً من أحداث.

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث