وليمة للحكام العرب في إسطنبول - هيفاء زنكنة

المتواجدون الأن

62 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

وليمة للحكام العرب في إسطنبول - هيفاء زنكنة

 

 

في يوم واحد ارتكب نظام الفصل العنصري مذبحة تعادل، ما يحفر في ذاكرة شعوب أخرى، على مدى التاريخ، مطالبة بمحاكمة المسؤولين كمجرمي حرب. مؤرخة حياة الضحايا، لئلا تنسى، لئلا يكون القتل عاديا ومألوفا. 63 شهيدًا و2884 جريحاً على حدود غزة في «مليونية الزحف»، في ذكرى مرور 70 عاما على النكبة، تأسيس النظام الصهيوني، ورفض الشعب الفلسطيني، حامل عبء المحافظة على الكرامة العربية والإسلامية، اعلان القدس عاصمة للكيان اللقيط. 
ما هو رد الفعل على جريمة بهذا الحجم في عصر النقل الحي للأحداث، بضمنها الجرائم، والعالم كله شاهد عيان؟ رسميا، دولتان فقط جمدتا عمل سفير النظام المجرم، لفترة مؤقتة، هما تركيا وجنوب افريقيا. عربيا، باستثناء الكويت، التزم مسؤولو الدول العربية، غير بضع همهمات، في الأمم المتحدة، بقاعدة « السكوت من ذهب». بينما ارتفع صوت مندوب بوليفيا ممثلا للغضب ضد جريمة نكراء.
في البرلمانات العربية مارس الساسة رطانتهم المعتادة، استنكروا وأدانوا، وعلى ايقاع التكرار، ارتفعت درجة الحماس، لتصل بهم الجرأة ذروة حالاتها، قائلين: نطالب المجتمع الدولي بتحمل المسؤولية ومعاقبة المجرمين! 
رسميا، قال الساسة: «سنفدي القدس بدمائنا». كيف؟ وماذا عن فلسطين كلها؟ من بين الطرق « الفعالة» التي تم اتخاذها، اصدار الجامعة العربية، بيان ادانة ورقية استنكرت فيه « ما تقوم به دولة الاحتلال» مطالبة « المجتمع الدولي بتوفير الحماية للشعب الفلسطيني وللمقدسات الإسلامية في الأراضي المحتلة». في العاصمة التركية، إسطنبول، عقدت القمة الخاصة لمنظمة التعاون الإسلامي «لمناقشة التطورات الأخيرة في فلسطين بما في ذلك افتتاح السفارة الأمريكية في القدس وجرائم إسرائيل بحق الفلسطينيين». وهو اجتماع القمة الثاني بعد القمة التي جرت في كانون الأول/ديسمبر الماضي، حين حضر نحو 19 رئيس دولة، لـ»التنديد» بقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إعلان القدس عاصمة لإسرائيل. ولم يغير «التنديد» الإسلامي أي شيء، وها هو بيان القمة الثانية يؤكد عدم التراجع «عن مطالبنا بإقامة دولة فلسطين عاصمتها القدس». والمطالبة بحماية دولية للشعب الفلسطيني وإدانة الجرائم المرتكبة بحقه.
رسميا: بيان آخر أضيف الى أكوام بيانات الإدانة والاستنكار، بدون ان تتضح ماهية الخطوات العملية التي يقومون باتخاذها تطبيقا لشعارات الإدانة والاستنكار والتعهدات الخطابية. 
شعبيا، وهنا مكمن الأسى، خفتت الأصوات ومعها الأفعال، في البلاد العربية، لتضمحل، تدريجيا، روح النضال الجماعي الموحد الذي ميز سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حين كان شباب البلدان العربية، يجدون أنفسهم في المقاومة الفلسطينية. غابت من شوارع المدن شعوب، كان تضامنها نسغ يمد المقاومة بروح تبعد عنها العزلة، وتمنح المقاومين الإحساس بالتواصل مع بقية الاهل. في أجواء الكوارث التي تهطل على سوريا واليمن وليبيا والعراق، لم تعد الشعوب قادرة على تشخيص الجرح الأول. وفي خضم ازدياد المهارة في صناعة الزيف السياسي والإعلامي، ضاعت ملامح جرح فلسطين النازف، عمليا، امام «غيتو» التفاصيل الحياتية، اليومية، في كل بلد عربي على حدة. 
بات صمت العراق المحتل، بنظامه الطائفي الفاسد، مدويا. وهذا متوقع، فقطع حبل السرة بين فلسطين والعراق كان أحد أسباب الغزو. في بقية المدن العربية، خرج الى الشوارع أعداد من المتضامنين، وقفوا في الساحات العامة، حرقوا علم الكيان الصهيوني، تحدثوا بمرارة وغضب عن «احتلال بلدانهم» غير المباشر وكيف نحر «الاستقلال» بمعاهدات واتفاقيات سرية وعلنية مع القوى الامبريالية، وسياسة الحكام في التطبيع المستمر مع العدو الصهيوني. 
خلافا لحالة الإنهاك العربي، شهدت شوارع المدن الغربية والاسلامية، تزايد الاعتصامات والمظاهرات، المؤيدة للشعب الفلسطيني. فمن لندن الى ايرلندا وأسكوتلندا ونيويورك الى مدريد وبروكسل الى تركيا وإندونيسيا، خرج المتظاهرون ليعلنوا غضبهم على جريمة العصر واستمرارية محاولات الكيان العنصري ـ الصهيوني إبادة الشعب الفلسطيني. تحدت منظمات التضامن مع الشعب الفلسطيني، خاصة في أمريكا وبريطانيا، سياسات حكوماتها الداعمة لإسرائيل، كما تتحدى، يوميا، التهم والرقابة الأمنية والتشريعات القانونية المستحدثة بذريعة « معاداة السامية»، المستهدفة، عمليا، المنظمات والناشطين المدافعين عن الحق الفلسطيني بالعودة وانهاء الاحتلال وتحقيق العدالة.
وبينما تنشغل الأنظمة العربية بإصدار بيانات الادانة، دون أي تطبيق، يتسع مد التضامن الشعبي، في جميع ارجاء العالم، من أوروبا الى أمريكا اللاتينية، مبدعا مستويات تضامنية متعددة اعترافا بحق الشعب الفلسطيني في انهاء أطول احتلال شهده التاريخ. ويؤكد تنامي الدعم العالمي الشعبي للمبادرة الفلسطينية الداعية الى المقاطعة، وسحب الاستثمارات ومعاقبة إسرائيل، كشكل رئيسي من أشكال المقاومة الشعبية السلمية الفلسطينية، دليلا على إمكانية احداث التغيير انطلاقا من القاعدة، من الشعوب المتمسكة بالقيم الاخلاقية، بعد فشل الحكومات و»المجتمع الدولي» وأصحاب القرار في وقف التطهير العرقي الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني. وقد بلغ نجاح حملة المقاطعة الاقتصادية والأكاديمية الثقافية حدا جعلها جزءا أساسيا من مطالب الحركة العالمية للتضامن مع الشعب الفلسطيني. فلا تكاد تخلو أية عريضة موجهة الى الحكام والمسؤولين وأعضاء البرلمان، في أرجاء العالم، من الضغط لفرض العقوبات على القطاعات الاقتصادية الإسرائيلية، إلى أن ينال الفلسطينيون حقوقهم الكاملة.
لقد حققت حملة المقاطعة الاقتصادية والثقافية نجاحا عالميا مشهودا من خلال انضمام العديد من الاتحادات والنقابات والشخصيات المعروفة. وبلغت حدا دفع الكيان الصهيوني الى اعتبارها خطرا أمنيا يتطلب اتخاذ إجراءات سريعة للحد من انتشارها. 
ويبقى نجاحها الأكبر هو انها قدمت الى العالم مبادرة فلسطينية تجعل العمل المشترك، بين الشعوب، بعد فشل الحكومات، لأنهاء الاحتلال وتحقيق العدالة أمرا ممكنا، مع الاعتراف بكافة سبل ومستويات المقاومة الأخرى. فدماء الشهداء هي التي تنسغ الأرض الفلسطينية وأهلها بديمومة الحياة. أنها الحياة التي لم تبخل يوما بعطائها، وكان بإمكان الحكام العرب ولايزال بإمكانهم ان يتخذوا موقفا فعالا موحدا لوقف النزيف واستمرارية الحياة. «فقد آن الأوان للتضامن الفعّال والمبتكر بما يتخطى بيانات الإدانة… نشجعكم على الالتحاق بحملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات ضد دولة إسرائيل الإرهابية»، كما قال إيفو موراليس، رئيس بوليفيا، وهو يوقع على انضمام بلده الى الحملة التضامنية مع الشعب الفلسطيني في أمريكا اللاتينية وليس البلاد العربية.

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث