العراق: تمرين فكري لمرحلة ما بعد الانتخابات - يحيى الكبيسي

المتواجدون الأن

66 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

العراق: تمرين فكري لمرحلة ما بعد الانتخابات - يحيى الكبيسي

 

 

مبكرا جدا، وقبل إعلان النتائج النهائية للانتخابات المختلف عليها، بدأت دبلوماسية التغريدات، والاتصالات الهاتفية، والزيارات، بموازاة ذلك بدأت تتوالى الرسائل الضمنية، وبالونات الاختبار، والإشاعات، والأخبار المزيفة، حول طبيعة تحالفات ما بعد الانتخابات، ومرشحي الرئاسات الثلاث، وشكل الحكومة القادمة. 
تحالف سائرون، الفائز الأول في هذه الانتخابات، والذي يشكل تيار الزعيم الشيعي مقتدى الصدر عماده الرئيس، تحدث صراحة عن حكومة تكنوقراط، وأن هذه الحكومة لن تكون «خلطة عطار»، كما أسماها، أي بعيدة عن المحاصصة الحزبية والطائفية في مسألة تشكيل الحكومة! وقد قوبلت هذه الدعوى بترحيب من بعض الكتل السياسية الفائزة في هذه الانتخابات. ومن الواضح ان هكذا توجه تواجهه إشكاليات حقيقية، فخلطة العطار التي حكمت تشكيل الحكومات السابقة، والتي شارك فيها التيار الصدري نفسه بقوة، لم تكن خيارا، بل ضرورة فرضتها عوامل موضوعية عديدة، وليس بالإمكان تجاوزها بهذه البساطة. المعضلة الأخرى المتعلقة بخلطة العطار، التي تعني عمليا إنهاء نظام «التمثيل النسبي» الذي حكم العراق بعد عام 2003، أنها تلتقي مع دعوات سابقة دعت إلى «تحرير الدولة وكل مؤسساتها من نظام المحاصصة العرقية والطائفية إلى نظام الاستحقاق السياسي»، كما ورد في ورقة التسوية التاريخية التي قدمها التحالف الوطني في العام 2016 من دون ان يشرح لنا أحد طبيعة النظام المقصود هنا! وبالتالي فإن دعوة سائرون إلى «حكومة وطنية»، بمعنى تمثيلها لمكونات المجتمع التعددي في العراق، تعيد طرح الإشكالية نفسها. خاصة وان الانتخابات الاخيرة كشفت بوضوح أننا ما زلنا بعيدين عن أحزاب وكيانات عابرة للهويات الأولية، وأن ما جرى كان مجرد محاولة لتأطير الطائفية السياسية وليس تجاوزها، وأن معادلة (طائفي + طائفي = عابر للهوية الطائفية) لا يمكن لها ان التعامل معها بجدية بأي حال من الأحوال. 
كما ان فكرة حكومة التكنوقراط البعيدة عن خلطة العطار، التي ترددت بقوة في مرحلة لاحقة لحركة الاحتجاج التي بدأت في تموز/ يوليو 2015، والتي طالب السيد مقتدى الصدر نفسه بها في بيان أصدره في آذار 2016، واستجاب لها رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي بتقديمه كابينة تكنوقراط عجز مجلس النواب عن تمريرها في المرة الأولى، ثم مررها مجتزئة في مرحلة لاحقة، لم تصب نجاحا يذكر وتحولت إلى مادة للتندر. 
والسؤال المهم هنا: كيف يمكن القبول بحكومة تكنوقراط يقودها رئيس مجلس وزراء ينتمي إلى حزب سياسي؟ ومن الذي يحدد طبيعة التمثيل في هكذا حكومة مفترضة؟ 
إن حكومة تكنوقراط مفترضة، سواء تم اختياره هذه الكابينة من رئيس مجلس الوزراء نفسه، ام من خلال صفقة جماعية للكتلة الأكبر عددا، او لمجلس النواب مجتمعا، لن تكون في النهاية سوى حكومة موظفين سيقومون بالالتزام بما يقرره رئيس مجلس الوزراء الحزبي تبعا لتوجهاته السياسية، مع ما يعنيه ذلك من احتكار مطلق للقرار السياسي لصالح حزب بعينه. وبالتأكيد فان الحديث عن رئيس وزراء تكنوقراط غير حزبي لتشكيل حكومة تكنوقراط غير حزبية غير مفكر فيه أصلا.
أما مسألة التمثيل فتبدو أكثر إشكالية، ففي المجتمعات التعددية التي تشهد انقساما مجتمعيا، وصراعا سياسيا، كما في حالة العراق، ليس من المنطق ولا من العقلانية في شيء أن يقرر طرف ما، مهما كانت نواياه طيبة، من يمثل الآخر! لأننا بذلك نعيد انتاج خطأ الدولة العراقية الجوهري في تاريخها الحديث حيث يفرض طرف من أطراف المجتمع التعددي من يمثل الآخر، وهو السبب في تكريس الانقسام الحاصل اليوم.
المفارقة تكمن هنا في أن ثمة ربطا ميكانيكيا بين بنية الفساد المتحكمة، وسوء الإدارة المستعصي في العراق اليوم، وبين نظام التمثيل النسبي/ المحاصصة. وهذا الربط الميكانيكي غير المفهوم وغير المسوغ الذي يكاد يكون محل اتفاق جماعي لا يريد ان يستوعب الدروس من تجارب دول مثل بلجيكا أو النمسا أو سويسرا التي تعتمد نظام التمثيل النسبي القائم/ الديمقراطية التوافقية من دون ان ينتج عن ذلك فساد او سوء إدارة! وكذلك ماليزيا، وهي دولة اتحادية، ايضا تعتمد نظام التمثيل النسبي/ الديمقراطية التوافقية، واستطاعت من خلاله ان تصبح واحدة من البلدان التي حققت ما أطلق عليه «المعجزة الآسيوية» اقتصاديا. من ثم فان المشكلة لا تكمن في نظام التمثيل النسبي/ المحاصصة في حد ذاته، وإنما في نموذجه العراقي الذي أتاح للطبقة السياسية نفسها إنتاج بنية الفساد القائمة اعتمادا على التواطؤ الجماعي على الفساد من جهة، والذي اتاح استخدام هذا الفساد كأداة في هذا الصراع (التواطؤ السياسي مقابل الفساد)، بسبب طبيعة الصراع على السلطة التي لم يتم التوصل إلى اتفاق حول إدارتها بعد من جهة ثانية. في ظل عجز سلطات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية، ومؤسسات الدولة المسؤولة عن مكافحة الفساد (دائرة المفتش العام، وهيئة النزاهة، وديوان الرقابة المالية)، في الحد من سطوة هذا الفساد.
ليس ثمة شك في وجود إرادة حقيقية لدى البعض للإصلاح، ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في تشخيص مواطن الخلل الجوهرية التي تستدعي هذا الإصلاح. فالتمثيل النسبي/ المحاصصة الذي استخدم، على الأقل منذ العام 2004 لخلق نموذج أوليغارشي يحتكر تمثيل المكونات، من دون ان يمثل مصالحهم بشكل حقيقي، مع كل ما نتج عن ذلك من انعدام ثقة بالدولة وبالطبقة السياسية ككل، يمكن تحسين شروطه لتحقيق الغاية منه، وهو التعبير عن «الإرادة العامة» للمجتمع ككل عبر الشراكة الحقيقية في السلطة/ القرار السياسي، اعتمادا على آليات مقننة وملزمة تعالج الاختلالات القائمة المتعلقة باحتكار هذا القرار وما ينتج عن ذلك من أزمات وعدم استقرار. كما ان الفساد مجرد عرض لأزمة جوهرية تتعلق ببنية الدولة، ولا يمكن مكافحته من دون معالجة المقدمات التي أتاحت له أن يكون جزءا من بنية الدولة نفسها! وهذا يتطلب إعادة هيكلة كاملة للنظام الإداري والمالي للدولة ككل، فضلا عن إعادة هيكلة للنظام السياسي الذي أتاح الإطاحة الممنهجة بما تبقى من قواعد واعراف تحكم النظام الإداري والمالي للدولة (كانت هذه القواعد والاعراف قد بدأت بالتحلل نتيجة الحصار الاقتصادي الذي تعرض له العراق بعد حرب الكويت).

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث