اليسو … ليس مشكلتنا - مشرق عباس

المتواجدون الأن

207 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

اليسو … ليس مشكلتنا - مشرق عباس

 

 

لدينا في العراق مشكلات أكبر بكثير من الانشغال بالآثار المدمرة التي ينبئ بها تشغيل سد «اليسو» التركي على نهر دجلة، فالحكومة تنتظر ربانها والوزارات والهيئات والسفارات والمناصب الإدارية المختلفة تنتظر سفراً جديداً من عمليات النهب المنظمة، من أجل الأهداف الحزبية العالية، والقضايا المصيرية، والحروب الأبدية!.

لدينا الشخصيات المقدسة من سلالة المناضلين والمجاهدين الذين أكملنا للتو مراسم تعداد صفاتهم ومناقبهم، وللتو فرغنا من استحضار تاريخنا الزاخر بتأليه الحكام والنحيب على الكوارث، ولدينا وقت طويل مقبل قبل الوقوف على اطلال دجلة، والبحث عن طريقة لرفع اسمه من ذاكرتنا.

ليس دجلة مشكلتنا الآن، فمآدب الإفطار والسحور العامرة في قصور السياسيين العابدين الساهرين، أكثر أهمية، فنحن نعوّل عليها كثيراً في ترطيب قلوبهم المجروحة من بعضهم، وصولاً إلى قبولهم بتنازلات لتشكيل الحكومة الجديدة وتسيير القوارب العاطلة حتى لو على عجلات بعد جفاف النهر، وسوف نحتمل بصبر ذلك الدلال والتمنّع الذي يطغى على سلوكهم هذه الأيام، فالتمنّع في موسم توزيع الوزارات نوع من الدبلوماسية المجربة، والشح بالمواقف الوطنية في وقت انتظار الفيض المالي سمة يجدر التباهي بها.

في خضم الحملات الانتخابية وفتح بورصة بيع وشراء الأصوات والمواقف التي كلفت العراق حسب أكثر الحسابات تفاؤلاً نحو بليون دولار، كانت وزارة الموارد المائية العراقية قد طلبت مبلغ 250 مليون دولار لإنشاء سلسلة من السدود الغاطسة في نهر دجلة تخفف من نتائج بدء تركيا بإملاء سد اليسو، لكن «اليسو» ليس مشكلتنا، ولم يكن مشكلتنا يوماً، فهو ومجموعة السدود التي تخطط تركيا لإنشائها منذ خمسينات القرن الماضي، لا يهدد العراق سوى بإخفاء دجلة والفرات من خريطته، وهي فرصة جيدة لتوزيع الأراضي التي ستنتج عن انحسار النهرين للنواب الجدد من أجل شراء مواقفهم الحزبية من قوانين النفط والغاز والأحوال الشخصية والتضييق على حقوق الناس.

خلال أيام سيتمكن العراقيون من عبور دجلة مشياً على أقدامهم بعد أن بدأت نسب مياهه بالتدني إلى مستويات تسمح بذلك، وخلال أسابيع سيكون عليهم استقبال أزمات حادة ومصيرية مثل شحّ مياه الشرب، وتراجع إنتاج الطاقة الكهربائية غير الكافية في الأساس، وخلال شهور فقط، ستكون المزيد من الأراضي الزراعية قد استسلمت أمام زحف التصحر المرعب.

ليست تلك مشاهد من فيلم نهاية العالم، بل مجرد أعراض متوقعة منذ سنوات يكتب عنها الخبراء، ويحذر من تبعاتها المختصون، وتنشرها المنظمات والإصدارات الدولية المعنية بالبيئة في شكل شبه يومي، فلماذا يتسمر العراقيون أمام مشهد دجلة المحتضر اليوم، وكأنهم يكتشفون الحقيقة للمرة الأولى؟ ولماذا بدأ السياسيون الذين أهدروا أموال البلاد ومقدراتها طوال 15 عاماً مضت بإطلاق تغريدات الرثاء؟ ولماذا استلمت الجيوش الإلكترونية إشارة البدء لاستخدام الواقع المؤلم كحملة جديدة في مفاوضات تشكيل الحكومة؟ ولماذا يقرر البرلمان عقد جلسة طارئة؟.

متوقع أن ينبري أبطال الأزمات بعد الانتباه إلى صدمة الشارع في الحديث عن حرب مقدسة جديدة مع تركيا، تبرر استمرار المجموعات المسلحة، والمظاهر المسلحة، والأحزاب المسلحة… فالبلايين التي يجلبها النفط يجب أن تكرس لشراء السلاح لا لإنشاء السدود وتطوير أساليب الزراعة الحديثة، ولا تطوير إمكانات الطاقة البديلة، ولا حتى لبناء الاستراتيجيات الدبلوماسية والاقتصادية الفعالة.

القضية المعلقة أن إيران المستعدة لبيع سلاحها المعطوب لنا لإدامة حروبنا الداخلية والخارجية، تقوم بإنشاء السدود بدورها، وتقطع الروافد والممرات المائية التي كانت تغذي بلادنا، ودورها في خنق دجلة لا يقل عن دور تركيا، ولن نستغرب أمام مقترحات يقدمها في هذا الشأن خصوم إيران لشراء السلاح من تركيا واستئناف قادسية جديدة!.

معركة بقاء العراق، كانت وما زالت في حاجة إلى بناة حكماء لم ننجح في تقديمهم، ليس لأنهم غير موجودين، فقضية مثل كارثة سد «اليسو» حذّر منها المخلصون مراراً، واقترحوا استراتيجيات فعالة لمواجهة تداعياتها، وطالبوا ببدائل مثل الاستثمار في السد إذا كان إيقافه مستحيلاً، لكن صوتهم لا يمكن أن يكون مسموعاً وسط ضجيج أمراء الطوائف، واستشراء المواقف المزورة

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث