العراق.. قصة سد أليسو المحزنة - د ماجد السامرائي

المتواجدون الأن

164 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

العراق.. قصة سد أليسو المحزنة - د ماجد السامرائي

 

 

 

 

وأخيرا اشتعلت أزمة المياه بين تركيا والعراق، وكأنها ثورة بركان مفاجئ وهي ليست كذلك، وليصرخ الرافدان بوجه الجفاف وبوجه المسبب في ذلك هل هي الطبيعة أم الحكومات في كل من العراق وإيران وتركيا وسوريا التي يمر بأراضيها دجلة والفرات.

وخلال ساعات تم ترحيل أزمة العراقيين مع ممثليهم عطشى الكراسي وأزمات الكهرباء والخبز والخدمات إلى أزمة مياه سببها المباشر قيام تركيا بتشغيل سد أليسو قرب الحدود التركية العراقية في الأول من يونيو الجاري ليسمح بمرور 9.7 مليار متر مكعب إلى داخل الأراضي العراقية بدلا من 21 مليار سابقا.

وتعالى صراخ البرلمانيين العراقيين في جلسة استثنائية كانت قد عقدت لأربع مرات احتجاجا على فشلهم في الانتخابات الأخيرة، معتقدين أنهم يقلبون الطاولة ليس على الفائزين وإنما على مجمل العملية الانتخابية الأخيرة في مشهد غامض مرتبك هدفه الرئيسي العودة بالعملية السياسية إلى ثوابتها في التوافق الطائفي على تسمية رئيس الوزراء المقبل، ولإزاحة المحاولة الجريئة التي فتحتها فوز قائمة مقتدى الصدر لإعادة بناء قواعد جديدة لاستيعاب القرار الشعبي برفض الفاشلين في إدارة البلاد، والذين ابتعدوا عن أدنى قواعد الدولة الحامية لمصالح أبنائها والمدافعة عن ثروات العراق من النفط والمياه والتعاطي مع الجيران وفق تلك المبادئ، وللخروج من الكهف الأسود ومن حالة الضعف المهين في مختلف السياسات ومن بينها حماية الثروات المائية والنفطية من الضياع.

كان مشهد الجلسة البرلمانية ليوم 3 يونيو التي خصصت لموضوع أزمة المياه يبعث على الرثاء، لأنها كانت خطابات إنشائية لا تخلو من البواعث الطائفية، ما عدا توضيحات وزير الموارد المائية المهنية الذي قدم خلالها بعض الحقائق العلمية لأسباب إقدام تركيا على تشغيل سد أليسو في الأول من يونيو رغم أنه لم يقدم كل الحقائق التاريخية المتعلقة بالسد والسنوات التحضيرية العشرة لهذا البناء، والتي لم تتمكن (أو ترغب) حكومات ما بعد 2003 في وضع استراتيجية دقيقة لمواجهة المخاطر المقبلة تتضمن إجراءات احترازية لبناء السدود على روافد نهري دجلة والفرات، وترشيد استهلاك المياه القادمة داخل الأراضي العراقية وفق ما يقوله الخبراء لمنع حالات التبذير في المياه وفق نظام فاشل لمحاصصة مياه الزراعة بين المحافظات، والبناء العشوائي لبحيرات الأسماك التي تدرّ الأموال على بعض المتنفذين، وعدم استغلال المياه الجوفية داخل العراق التي تقدم بصورة متجددة 6 مليار متر مكعب قبل تسرب المياه إلى البحر جنوبي العراق.

قدم الوزير عرضا لنصف المشكلة ومن جانب واحد، هو إقدام تركيا الأحادي الجانب على تقليل الحصة المائية المتدفقة إلى النصف في فصل الصيف، ولم يقدم الحقائق التاريخية القائلة بقيام تركيا بتنفيذ مشروع استراتيجي للموارد المائية لديها، والبالغة 20 سدا ضمن ما سمي بمشروع “الكاب” وذلك ببناء شبكة سدود عددها 22 سدا ثمانية على منابع نهر دجلة وأربعة عشر على منابع نهر الفرات أهمها سد أتاتورك عام 1992، وهو الذي أحدث أزمة سياسية مع كل من العراق وسوريا، وأنجزت ستة سدود على نهر دجلة وبدأت ببناء سد أليسو منذ عشر سنوات وسيتم إنجاز سد سلفان عام 2019.

وللتاريخ يمكن ذكر حادثة وقعت في زمن النظام السابق عام 1989 حيث شرعت الحكومة التركية بوضع أسس بناء أليسو، واحتجت الحكومة العراقية في ذلك الوقت وتم إيفاد وزير الخارجية (طارق عزيز) إلى أنقرة لثني حكومتها عن مواصلة الشروع ببناء هذا السد، وبعد أن رفضت ذلك حصل احتجاج دبلوماسي شديد حيث تم سحب السفير العراقي وأنذرت الحكومة العراقية أنقرة بأن هذا الإجراء يدخل في باب الحرب المائية وتم حشد القوات العراقية على الحدود وتوجيه الصواريخ لتهديم جميع الإنشاءات القائمة في أليسو، إذا لم يتم إيقاف البناء خلال 48 ساعة مما أجبر الحكومة التركية على التراجع وإرسال وزير خارجيتها للتفاوض.

لكن ما حصل عام 1990 من كوارث سياسية وعسكرية في اجتياح الكويت وما بعدها من حصار جعل الهاجس الأمني يتقدم على مسألة الحفاظ على الثروة المائية، وكان الأجدر بحكومات ما بعد 2003 بدلا من الانشغال بتقاسم السلطة ونهب الموارد النفطية، أن تضع أهدافها الاستراتجية حماية الثروة المائية للبلد، وأن يتم التعامل مع دول منابع دجلة والفرات بصورة متساوية سواء مع إيران أو تركيا، لا أن يتم غض الطرف عما قامت به إيران في قطع روافد 30 نهرا أهمها نهري الوند والزاب الصغير.

لقد حكم العراق نظـام سياسي ضعيف غير قـادر على تثبيـت حقـوق العـراق، وحمـاية أهله من الموت عطشا أو إرهابا أو جوعا. وإيران المنادية بمظلومية الشيعة كذبا تتعامل مع مصالحها قبل مصالح العراق وأهله، وإلا كيف تقطع المياه عن أبناء الوسط والجنوب.

أما تركيا فقد أعلن رئيسها رجب طيب أردوغان يوم 4 يونيو تعقيبا على الأزمة “أبلغنا العراق قبل 10 سنوات، وقلنا لهم خزّنوا المياه وأنشئوا السدود لبلدكم ولشعبكم.. لماذا تهدر المياه في الخليج بدون فائدة؟ ولكن حكام العراق لم يفعلوا شيئا وليس لهم أذن صاغية”.

واعتبر أن “سد أليسو سوف يجعل مناطق جنوب شرق تركيا أكبر المناطق الزراعية والسياحية ولتوليد الكهرباء في أوروبا، وسوف يجلب لنا المستثمرين”. وتركيا تعلم بأن الحكم العراقي ضعيف ولا رادع لها لذلك فهي تصول وتجول عسكريا في شمالي العراق بعلم حكومة بغداد.

هذه الأزمة تتطلب مقدرة سياسية عالية ودبلوماسية تعكس ذلك الاقتدار لتتعاطى مع الخطر الذي يهدد أبناء العراق بحكمة ورؤية دبلوماسية، وليس هبة شعبوية تخدم مصالح بعض السياسيين.

أليست قصة سد أليسو المحزنة مثالا على نتاج حكم الطوائف والإثنيات، والشعب العراقي الصابر يقف اليوم على بكاء دجلة ويعيد بألم ما قاله الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري قبل 56 عاما:

حييتُ سفحكِ عن بعدٍ فحَييني – يا دجلة الخير يا أمَّ البساتين

حييتُ سفحَك ظمآناً ألوذ به – لوذ الحمائِم بين الماء والطين

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث