الإسلام في عالم ليف تولستوي - فالح الحمراني

المتواجدون الأن

132 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

الإسلام في عالم ليف تولستوي - فالح الحمراني

 

درس تولستوي القرآن الكريم بعمق وتوجد في متحفه الواقع في ضيعته/ المتحف ياسنايا بوليانا النسخة التي طالعها من القرآن الكريم باللغة الفرنسية
تعرف الأديب تولستوي على الإسلام ومعتنقيه من سكان روسيا في زمن مبكر من حياته، وتواصل معهم أكثر من أي أحد من الأدباء الكلاسيكيين الروس. فقد انتقلت أسرته، وكان له من العمر 13 عاما، إلى مدينة قازان عاصمة جمهورية تترستان حاليا، حيث كان جده إليا اندرييفيتش حاكما هناك من 1815 إلى 1820، وبالمناسبة ما زال قبره قائما في مقبرة كيزيتشيسكي. والتحق تولستوي في عام 1844 في جامعة قازان قسم اللغات الشرقية في كلية الفلسفة (وبعدها انتقل إلى كلية الحقوق حيث درس حوالي عامين). وخلال تلك الأثناء، ولو لفترة غير طويلة، تلقى دروسا في العربية على يد العالم ميرزا كاظمبيك (1820 ـ 1970) ـ أحد مؤسسي الاستشراق الروسي.
اقنعه أخوه الأكبر نيقولاي في عام 1851 بالسفر معه إلى القوقاز، حيث أمضي حوالي ثلاثة أعوام في بلدة قوقازية تقع على شاطئ نهر تيريك، وسنحت له الفرصة للقيام بجولات في مدن كيزلار وتبليسي وفلاديقفقاز، فضلا عن أنه شارك في العمليات العسكرية (في البداية كمتطوع ومن بعدها في الخدمة العسكرية). وتجسم أعماله، التي نتلمس فيها جوانب من سيرته، مثل «القوقاز» ومجموعة قصصه «الغارة» و«يد الغابة» علاوة على عمله الأخير «حجي ـ مراد»، جلال الطبيعة ومعرفة نمط عيش الطرفين المتحاربين، وكذلك فهمه لطبيعة وخصائص الشخصية المحلية، التي تكونت بتأثير التعاليم الإسلامية. وسجل تولستوي في دفتر مذكراته أنه تعلق بهذا «المكان الموحش، ومن الغرابة والشاعرية تتوحد اكثر الاشياء تناقضا: الحرب والحرية». واحتفظ طيلة حياته بذكريات دافئة عن أصدقائه (الكوناك بلغة القفقاز) المسلمين من القوقاز. وعلق بخاطره حادث خسرانه في لعبة القمار كل ماله فبات مهددا بان يكون مديوناً طيلة حياته، بيد أن سادو ميسيربيف الشيشاني هب لإنقاذه، وسدد عنه كل ما خسره. وحمل ذلك طيلة حياته، إلى جانب الانطباعات التي تركتها تعاليم الطريقة الصوفية التي كان الشيخ كونات ـ حجي كيشييفتش من دعاتها، حيث كان يحث على الوفاق ونبذ العنف.
وكتب تولستوي «قصص سيفاستوبل» الشهيرة خلال حرب القرم، حيث كان قائدا لبطارية مدفعية تدافع عن سيفاستوبل المحاصرة، وابدى، بشهادة معاصريه، شجاعة نادرة استحق عليها نيل وسام «آنا» وميداليات. ولم يتعرف تولستوي في القرم على البسالة ومأساوية الحرب فقط، وإنما أيضا على تتار القرم المسلمين سكان القرم الأصليين، علاوة على إن الأفكار المهمة التي ظهرت في تلك السنوات تتيح لنا القول إن الضابط الشاب احتفظ بحيويته في شخصية تولستوي ـ الداعية في ما بعد: كان يحلم «بالتبشير بدين جديد» خالٍ من التعقيدات الكهنوتية والغموض، وكان يرى ذلك في الدين الإسلامي، حتى إنه قال ذات مرة: اعتبروني من أبناء دين محمد (الإسلام).
وفي وقت متأخر تبادل الرسائل مع مفتي مصر الشيخ محمد عبده، ووجدت هاتان الشخيصتان البارزتان لغة مشتركة وقواسم مشتركة في تفكيرهما. كما تبادل تولستوي الرسائل مع الكثير من الشخصيات المتحدرة من أصل تتري، سواء من معتنقي الإسلام الأصولي أو من دعاة الإصلاح. وفي واقع الحال كانت لدى تولستوي، الذي لم يتلق تعليما إسلاميا، ولم يكن عالماً بالإسلاميات، معارف وتجربة معايشة استثنائية بالنسبة لرجل من النخبة الروسية لذلك العصر الذي ساد فيه فكر الحضارة الأوروبية وتقاليدها وميولها وأهمية محاكاتها.
لقد عرف تولستوي وفهم الكثير عن الإسلام، وعرف الكثير من المؤمنين بالإسلام من مختلف القوميات، وربطته بهم علاقات ودية وتبادل للرسائل معهم وتركت أعماله لنا صوراً أدبية ذات مستوى فني رفيع للمسلمين، خاصة من سكان القفقاز. وهي كأي صور فنية رفيعة قد تثير الجدل، ولكنها عميقة وتجسم فكرة الإسلام. درس تولستوي القرآن الكريم بعمق وتوجد في متحفه الواقع في ضيعته / المتحف ياسنايا بوليانا النسخة التي طالعها من القرآن الكريم باللغة الفرنسية. وقد وضع عشرات الهوامش عليها، ما يدل على أنه طالعه باهتمام وعمق. ورغم أن أتباعه الذين يطلق عليهم اسم التولستيين، قريبون من الإسلام بتعاليمهم ونمط حياتهم، إلا أنهم ظلوا في إطار المسيحية.
وترى الباحثة المصرية مكارم الغمري أن اهتمام تولستوي يتركز على دعوة الإسلام للعدالة التي كانت مطلبا ملحا في عصره، وعلى المحبة والتكافل الاجتماعي ودعوة الإسلام إلى التآزر ومساعدة المحتاج، فضلا عن التسامح واحترام المرأة.
وتجلى تقدير تولستوي للإسلام وتعاليمه في الكثير من أعماله الفكرية والفلسفية ورسائله، فضلا عن نقله عن اللغة الإنكليزيه كتاب «المأثور من أقوال محمد» بهدف إيصال تعاليم الإسلام إلى سكان روسيا. ويقول تولستوي في فصل من كتابه الذي جاء بعنوان «من كان محمد»: من أراد أن يتحقق مما عليه الدين الإسلامي من تسامح فليس له سوى أن يطالع القرآن الكريم بإمعان وتدبر. فقد جاء في آياته ما يدل على روح الدين الإسلامي السامية ومنها «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ». علما أن المترجم سليم بقعين هو من ترجم الكتاب ووضع له مقدمة عن آراء تولستوي في الإسلام.
ويقول أيضا: «لقد تحمل في سنوات دعوته الأولى كثيراً من اضطهاد أصحاب الديانة الوثنية القديمة وغيرها شأنه شأن كل نبي قبله نادى أمته بالدعوة إلى الحق. ولكن هذه المحن لم تثن عزمه بل ثابر على دعوة أمته مع أن محمداً لم يقل إنه نبي الله الوحيد، بل آمن أيضاً بنبوة موسى والمسيح ودعا قومه إلى هذا الاعتقاد أيضاً، وقال إن اليهود والنصارى ينبغي ألا يُكرهوا على ترك دينهم، بل يجب عليهم أن يتبعوا وصايا أنبيائهم».

٭ كاتب ومترجم من العراق يقيم في موسكو

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث