الجدلان، طيف معراج المرادي. أو التراجيديا الإلهية، محاورة معه جل جلاله وسبحانه

المتواجدون الأن

60 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

الأكثر قراة

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

الجدلان، طيف معراج المرادي. أو التراجيديا الإلهية، محاورة معه جل جلاله وسبحانه

 

الجدلان، فلسفة المرادي. الجزء الأول: معراج المرادي، أو التراجيديا الإلهية

  المعراج كاملا، من البدء حتى العودة إلى عالم الدنيا  

 

 

لا شيءَ ثابتٌ صمد غيـره سبحانه!

أنا متجدد ساع، فيا فُضلانهـا المنزلـة!

أجَـلُّ الخلود بالأعمال وأجـَلُّ الخالدين الشهداء!

كمّات الفكر، أول جزئيات المادة وتخترق كل الرُصُد!

أنا مسلم عابر حملني طيف إلى نقطة البدء وأعادني بما أراد!

 

 

 

يقام في آب، أغسطس، من كل عام في مدينة مالمو السويدية الجميلة مهرجان شعبي تختلط خلاله الثقافات والأعراق بألفة ومرح كل يعرض ما عنده من أغان ورقص وطعام من الصباح حتى ساعات متأخرة من الليل. والمدينة هادئة وجميلة وليس لها من روح الشمال غير الموقع الجغرافي وحسب. وفيما عداه فهي جنوبية حارة الوداد والناس. والمهرجان يدوم أسبوعا من الجمعة إلى التي تليها. وقد بدأ مهرجان ذلك العام المشهود 2001 في منتصف آب. وكان اليوم الثالث من المهرجان حارا صافيا ساكن الريح جميلا مشمسا. لذا قررت عائلة المرادي الاستجمام قيلولته على ساحل ليماهمن – الضاحية الجنوبية لمالمو. وسرعانما وصلت العائلة إلى هناك، فانشغلت الزوجة بإعداد السفرة، بينما الإبنتين نِجدانة ودُجلية ذهبتا إلى الماء، وبدأت روزا التي لازالت في شهرها الثالث تتململ في مهدها تطلب أن يحملها أحد على يديه.   

وكانت الساعة تشير إلى الواحدة ظهرا، والشاطئ على أبهى ما يكون حيث رقشته الأجساد الجميلة والزروع وشمس لم يعتدها الشمال. وكانت رائحة الرطوبة وأصوات رشقات الموج وصيحات الأطفال والسابحين وزرقة البحر والسماء الصافية والقوارب الشراعية والمراكب الراحلة في الخليج بين السويد والدنمارك، كل هذه كانت مبعثا لأن تشيع في النفس صبابة وإبتهاجا.

 

- رباه! (تمتم المرادي وهو يرى الشاطئ العامر) إن كانت الأرض جميلة هكذا، فكيف الحال عندك في السماء؟! لاحظي (قال لزوجته) تلك البُنيّة! إنها تلعب الكرة الطائرة بصدرها وأفخاذها

-  كيف؟ (قالت زوجته وقد اعتادت مثل هذه الملاحظات منه) أليس لها يدان ورِجلان؟!

-  لها، إنما لاحظي البوزة الحلوة التي تتخذها حين تضرب الكرة، وبعدها

-  أي والله صحيح!

-  ما رأيك يا جميلتي بجسدها؟!

-  أتنظر إليها وأنا معك أيها المتصابي؟!

-  النظر إلى أكثر من جسد جميل طمع مشروع، أيتها الصبية!

 

أجاب المرادي زوجته التي تصغره بثلاثين عاما، وفرش البساط وأفرغ الزوّادة وحقيبة لُعب الأطفال، ولحق ابنتيه إلى الماء ولعبوا قليلا ريثما هيأت الزوجة الغداء. وعلى الغداء فتح الكتاب الذي كان يتحدث عن أساطير الخليقة السومرية، وبدأ يطالع فصل "معراج الراعي إيتانا إلى السماء".

وحرارة ذلك اليوم بطبيعة الحال، أزالت ذلك الخيط الرفيع الذي كان يمسك ورقة التوت الحوّائي لتظهر بعدها حسان اسكندنافيا كما خلقهن ربهن؛ وسبحانه البارئ المبدع العظيم، الذي خلق ومن علق هذه الأجساد. والجمال آية، لذلك اعتاد المرادي أن يقول: " إن أحب الناس بعد المجاهدين إلى الله الحِسان".

والمرادي بالمناسبة، دهري حُشَري لا يقع شيء تحت يديه إلا وتفحصه وتصور آلية فعله وإمكانيات تحسينها. وحين يرتاد مطعما يحسب احتمالات معدل رواده اليومي ومن ثم أرباحه، مثلما لا يكل عن كتابة الملاحظات على حواشي الكتب التي يقرأها، أو يخزن بعض مما يتصوره يفيده يوما ما في مقال أو حديث. وتصابيه لاحظته زوجته الصبية مبكرا، وتعايشت معه، حتى لقد بدأت تنبهه لينظر إلى صبية جميلة الطلعة فاتته.

وكانت الصبية لاعبة الكرة تلك ذات جمال وقدّ اسكندنافي أخّاذ، وعارية الصدر جهارا نهارا وتلعب الكرة مع شلة من رفاقها البنات والصبيان. لكن الملحـّة في النظر إليها ليس يغني. لذا، وحين انتهى الغداء، كوّم المرادي الرمل تحت طرف البساط وتوسده، ووضع الكتاب وعنقود عنب على صدره، وخلد يأكل العنب ويطالع، بينما تلوح فوق الكتاب رافعة شركة "كوكمز" البيضاء الهائلة وكأنها تطاول السماء.

 

ولازال يقــــرأ ويأكل العنب ويتخيل وقائع معراج إيتانا الأشبه بالحقيقة الحاضرة منه إلى عالم الأساطير. إنما سرعانما فتر انتباهه عن المحيط وعن صيحات الأطفال والسابحين وتلك الصبية الحسناء اللاعبة. وربما انهدل رأسه جانبا مرة أو اثنين من النعاس.

وقد سخّنت الشمس الرمل أو هو ساخن أصلا، فجعلت بخاره يتصاعد إلى عنان السماء، كما تتصاعد فقاعات الماء من قعر الغلاية التي إلى جانبه، حين بدأت الزوجة تجهز الشاي. هذا مع فارق جوهري بدا له لحظتها بين الغلاية والرمل. فالنار الحارقة توضع تحت الغلاية مباشرة لتصل الحرارة عبر القعر إلى الماء فيغلي وتصعد فقاعاته ويتبخر، بينما الشمس موضوعة فوق الرمل بمسافات ومع ذلك تسخنه. لكن، ويا للغرابة، أن كلا البخارين، بخار الرمل وبخار الغلاية التي إلى جانبه، يصعدان إلى السماء الصافية البعيدة، وهناك يتحدان، أو يتشاركان المصير، وربما يصطدمان معا بعارضة رافعة الكوكمز.

 

-  هه هه (تهكم المرادي في نفسه) ماذا لو سقط البخار من هذه الرافعة الهائلة إلى الأرض هل ينكسر أم يذوب،، أم يتراجع؟؟ غلايتنا في الكميت، كانت تسخن بالحطب، لذلك فهي سوداء دائما مخسّفة، لكن منظرها حتما أجمل من غلايات هذا الزمان المغلقة من جميع الجوانب،، ولابد إذن من العودة إلى الغلايات المختبرية،،،، لأنها تثبت أن الماء ،، منه يصنعون الشاي. ومرة شرب والدي الشاي وهو ساخن جدا، فحرق لسانه فلفظه وضربني وكأنني المذنب في هـذا. هو نفسه لم ينفخ عليه كي يبرد ثم يشربه. وجدي الحاج مجيد مرة كان ينجر تختة، وضرب أصبعه خطأ، فصاح بوجهي بينما رمى المطرقة جانبا فسقطت على الأرض وصاحت طاخ،،

وصحا المرادي حين سقط الكتاب على وجهه. إلا أن أفكاره عاودت التقلب بين المنطقية والهذيان تحت سلطان النعاس. وبين هذه وتلك، بدا وكأن بخارا ما في رأسه تحرك نحو أنفه محاولا الانفلات، أو هكذا افترض. والناس إذا تعبت وأجهدت تقول: " طلعت روحي من خشمي". والسعلاة والقرطة وغيرها تدافع عن أنفها بشدة خلال العراك. والقط بسبعة أرواح لا يموت ما لم تهشم أنفه، كما يقول الناس.

 

هكذا تواردت الأفكار في خاطر المرادي النعسان.

-  ثم لماذا يكون البخار في الرأس؟! (عاد يساءل أفكاره التي بدأتت تتشتت) ولماذا يطلع من الأنف؟! لأنه الروح، هههه. فلم لا نمنعها من الخروج ونبقى أحياءً؟! هذا مستحيل،، فحين تغلق الأنف تخرج من الأذن أو الفم،،، وهي روح ولن يعترضها شيء، ههههه!

 

وبدأت عينه تذبل واختفى التعبير عن وجهه، وما افترضه قهقهة يعقب بها على تساؤلاته وأجوبتها، لا تلوح على وجهه وشفتيه. بله انعزل كليا عن المحيط، حين أفلت البخار – الروح من انفه، كما يدعي، وارتفع. ولو جاريناه بتوصيفاته، لكنا مجبرين على القول أن الروح أشد من أن تحبس ولو وفي خزائن الحديد. وهي مجبولة على الحركة، وفيها شفرة القرار المسبق واللاحق وهي الحاملة أسباب الوعي والكينونة ومدارك الإحساس بالعالم والنقيض وبجعل من الذي برأها، ولا حول لنا على هذا ولا ميانة.

 

-  أنا الآن أعلى من رافعة الكوكمز، هها، هذه ساحة جوستاف، هذه الطريق الدائرية، هذا برج الماء،، هذا الخليج، تلك كوبنهاجن،، تلك عروق الطرق القادمة والخارجة من مالمو،، يا للبساط الأخضر الجميل، ياه!

 

هكذا صار صاحبنا يعلّق على ما يراه وهو يصعد بتسارع عنيف وكالمقذوف إلى الأعلى. وبدأت الأشياء والبيوت والأزقة ومالمو كلها تتصاغر وتتجه نحو نقطة هي تلعة الرمل الصغيرة التي توسدها حيث البساط وزوجته وطعامه وجسده. واستمر التسارع إلى الأعلى وصار الكل كنقطة واحدة سرعان ما اختفت على خيط متعرج رفيع كان قبل قليل الحد الفاصل بين الماء واليابسة في شاطئ ليمهامن. ثم بدا خليج أورسوند كحقل أسود رفيع بين قطعتين داكنتين باهتتي اللون، تتصاغران، كانتا قبل قليل فقط مملكتين كبيرتين هما السويد والدنمارك. وبدا الخليج يتصاغر هو الآخر في وقع متسارع هرموني مع الجبال والغابات والصحاري ليبدو الجميع كذرات من الرمل على طبق صغير هو تلك الأرض التي نعرف. واستمر الارتفاع، وبدأ الظلام يعم المحيط، وتصاغرت هذه الأرض ثم أصبحت كقطرة زرقاء ضاعت بين الكثير من القطرات البيضاء المضيئة السابحة في ظلام دامس شاردة عنه بسرعة جنونية راسمة خطوطا رفيعة تتجه نحو نقطة الانطلاق لتختفي ثم لينضم الجميع إلى ضباب وسط عماء هائل تخلله سحابات هنا وهناك وبلا حدود. واستمر على صعوده غائرا في الأعلى البعيد، ثم البعيد الذي لم يعد فيه أعلى أو جهات،، حتى اعترته رعشة عنيفة حين ارتطم ثم اخترق ما فترضه حاجزا، إلى واقع آخر.

 

هناك، وفي هذا الواقع الجديد اللامتناه، لا أفق ولا سماء، سوى لون رمادي مائل للبيج كأن حريقا هائلا حدث وانطفأ. ولا قرار، أو هو قرار لا يعرف إن كان تحت أم فوق. وتلمس المرادي موطئ قدميه، فوجد نفسه يقف على شيء كغاز كثيف عديم اللون، أو كهلام لو رمي بحجر سينتشر كحلقات على سطح الماء. لا قمر ولا نجوم ولا غيوم سوى هذا اللون الأغبر، بينما على الهلام الخفيف تنتصب كائنات متساوية الحجوم والأشكال كصغار الحملان، تنتشر في مستو واحد لا يعلو أحدها على الآخر. جسدها أسود بالي الشعر، عيونها ضيقة وأنفها أفطس وشفتها العليا مشرومة. ولا مؤخرة كاملة لها ولا أطراف خلفية بل جزء من القوادم مع جناحين صغيرين مهترئين على الترقوتين. وعلى كل منها بردع مسود الحمرة مرقع بقطع سوداء مهترئة. ولا فعل للمسافات هناك. فقد كانت معالم الخيوط الرفيعة المتدلية من أهداب البرادع تلوح من أقرب أشباه الحملان تلك كما من أبعدها على درجة واحدة من الوضوح. والتحدث إلى أي منها أو لمسه لا يحتاج لتغيير الموقع أو شدة الصوت. وتتبادل هذه الكائنات فيما بينها نظرات خالية من المعنى والاهتمام في الوقت الذي يلوح أنها تتجاذب الحديث عن مواضيع شتى إنما كأنها تنظر صوب نقطة ما.

 

-  من أين هذه الكائنات (قال في نفسه) وما تفعله وعلام تعيش في هذا السرمد الشاسع الفارغ الذي لا حد له ،،

-  وافد من عالم القرار إلينا (تناهى صوت غريب الرنة غليظ خافت لكنه مسموع للجميع)

-  اسمي ليس وافدا (قال المرادي) اسمي ،، ها،، (وتوقف، حيث لم يجد اسمه، بله انتبه أنه كان يتحدث دونما تحريك لشفتيه)  

-  لا اسم لك هنا (قال الصوت ثانية) أنت وافد وحسب. أتدري كيف ومن أتى بك ؟!

-  لا (أجاب ولم يلتفت) صعدت بلا إرادة!

-  نحن استقدمناك (قال الصوت)

-  لماذا ؟!

-  أمر جرى ويجري مع الكثير، والأسباب شتى. كيف كان المسار عليك ؟!

-  لا أعرف، لم أنتبه،،، لم أشعر (واحتار أية كلمة يقول ليصف مشاعره خلال المسار إلى هنا)

-  لا بأس! مرحبا بك !

-  شكرا ،،،

- هه (قاطعه الصوت كأنما متهكما) هذا كلام أهل القرار! لا تكرر كلمة شكرا منذ اللحظة حتى تعود !

-  ومن أين أعود ؟!

-  من حيث ستذهب الآن

-  لا أفهم ما تقول، ولكن من أنت ولم لا أراك؟!

-  افتح بصرك جيدا !

ففعل المرادي، الذي أصبح اسمه "الوافد" منذ الآن، ويم بصره نحو الصوت فإذا بكائن لا معالم لجنسه عملاق كأكبر الحيتان حجما لا شرم في شفته العليا أسمر اجعد الشعر خشنه، جامد السحنة جاف الوجه يقف دون الجميع منتصبا وقد غاص أسلفه في الهيولي الذي تحته كإخوانه الآخرين. له بردع بني مائل للسواد تتدلى خيوط بيضاء من أطراف الرتق البالية عليه، وبيده عصا طويلة سمراء اللون بالية هي الأخرى كثيرة الشدوخ. وجسمه صلد غير شفاف لكن مكوناته ظاهرة للعيان. والكائنات الأشبه بالحملان تنظر صوبه. ولو أراد الوافد رؤية أعلى رأس هذا الكائن رآه وإن أراد رؤية أسفله أو جانبه الآخر رآه. فشعر الوافد برهبة وهو يحادث شيئا كالجثة المحنطة خال الملامح لا يعرف سروره من غضبه ولا يحدس ما ينوي ليتقيه ولا يدري كيف ينتزع نفسه من هذا العالم الرهيب.

  

-  عالجوه !

 

قال الكائن واستدار يتابع مهماته السرمدية غير المعروفة. بينما ظهرت ثلاث كائنات من أقاصي الأطراف وبسرعة خاطفة بحيث لم يكمل الكائن كلامه أو ربما هو لم يبدأه بعد، وصارت أمام الوافد وكأنها برزت من الأثير إليه. لا يبلغ حجم الواحد منها قبضة اليد، لا شكل محدد لها ولا لون، أو لها لون هلامي شفاف خفيف جدا، كأنه المجال أو الأثير المتكثف. وسرعة فعل الواحد منها خاطفة أيضا فيبدو وكأنه ينجز آلاف الأعمال في وقت واحد.

 

-  من هذه الكائنات يا ترى ؟! (تساءل الوافد في خاطره مستغربا)

-  مساعدو سيدنا الخازن (قال أحدها وهو يحرك يديه أو شيء من هذا كزميليه مؤشرا على مناطق من جسد الوافد)

-  كيف أجبتني وأنا لم انطق

-  هكذا (قال ممتنعا عن التفصيل)

-  من أين وكيف حضرتم؟

-  رأينا أن سيدنا سينادينا فجئنا

-  وهناك غيركم ؟!

-  لا !

-  عجيب! (قال الوافد في نفسه) كائن وثلاثة مساعدين وترعون هذا القطيع الهائل!

-  هذا ليس قطيعا

-  فهو عالم الأرواح

-  لا. إنه مخزن الماضي

-  ماذا تقول؟

-  مخزن الماضي !

-  أرشيف (قال الوافد متندرا)

-  نعم ! (استمر الكائن جامد السحنة يجيب ويواصل عمله) أرشيف الماضي.

- لا أفهم !

 

وجوابا على هذا الاستغراب، لمس الكائن الصغير هامة الوافد فغير قوامه، ليصبح حنطي اللون مائلا إلى البياض ممتلئ جميل البناء بين جنسين لا علامات فارقة عليه مما يميز البشر. وصار متى شاء رأى ما يريد من بدنه وما خلف هامته وتحيّد وعيه فصار لا يستغرب المحيط ولا كائناته وذهب الخوف أو الاستغراب عنه من هذا العالم الغريب. مثلما نسي خلقته السابقة وما رافقها من معايير ومحالات واختلفت مداركه واتسعت. وإذ كان شكل الأرشيف في مداركـه السابقة كمحزن للورق البالي، أو شريحة صغيرة تمسح أو تنسخ على الفور، لم تعد لهذه المعايير من أهمية، لذاه تعامل مع هذا الأرشيف الغريب الذي يراه بلا أهمية لشكله أو محتواه.

 

-  ها هو أمامك!

 

قال الكائن الصغير، ونقر على هامة الوافد ثانية وأشار بيده إلى الفضاء المحيط والكائنات التي يحتويها. وفجأة، فكأنما انفتحت عينا الوافد أو تزودتا بشيء فصار يرى كل كائن من أشباه الحملان تلك وكأن عليه عدسة يرى عبرها واقعا حيّا متحركا كامل المعالم سرعانما يشير إلى أنه حدث كان يوما ما على موقع القرار من حيث أتى. وكل تركيبة أو صورة يرنو نحوها عبر العدسة، تتقمصه حالتها فيعيشها كاملة بمحيطها وموجوداتها وتسلسلها الحدثي لحظة بلحظة رغم سرعة مرورها الفائقة أمامه. رأى الأرض كيف تكونت ورأى أول اليابسة على شكل سرّة، وأول البحور كيف نشأت وأول خلقة كيف بدأت كفطر في الماء ثم تطورت وتعددت وتشعبت أجناسها وأنواعها، ورأى نفسه كيف بدأت وكيف اختلفت أفعالها وكياناتها. رأى كيف بدأت أول القتالات بين من تحرك ثم أول الحروب بين ما استطاع الوقوف على قدمين من الكائنات. ورأى بوادر التاريخ والحضارات وتشعباتها. شاهد تسعة غمور عارمة انتشرت هنا وهناك. وشاهد صخرة عملاقة تقف جاثمة كالطود الهائل جاءها أشباه بشر وحفروا تحتها وأودعوها سرّا على صحائف من معدن، ثم قطعوا رؤوس بعضهم البعض حتى بقي واحد منهم خلط سوائل أجسادهم بفتاة الصخر وعجنه وأغلق به على السر، ورمى نفسه من أعلى الطود فمات متحطما على الصخور. وشاهد مشعلا تحت واحد من بحور الجليد. وفي عدسة أخرى ظهرت دفائن الأرض وخفاياها من العجائب. بعضها تحت بلد في الشمال والآخر تحت بلد فقير في الشرق لا يدري إن ما تحته، لو كشفه سيغنيه. وظهرت الزرافات البشرية تتحرك كالخيوط مرة من هنا إلى هناك ومرة من هناك إلى غير مكان. وظهرت أحداث حرب طاحنة جرت في قارة عالمها غريب جدا لو تذكر الوافد معايير القرار لقال أنها متطورة جدا. إذ كانت المدن من شكل ونمط ومعدن آخر والحياة ذاتها مختلفة تماما. وبعد محفل صاخب استقل مجموعة من سكنة إحدى هذه المدن عربات غريبة الشكل كانت تتحرك بلا أثر خلفها رغم سرعتها، وغادروا المدينة إلى مكان معد سلفا، وبعدها انطلقت من منطقتين على تلك القارة أنوار هائلة وعم لهب ساطع كل الموجودات من المدن والأحياء والجبال بقي مسجور الإوار فترة ثم انطفأ مخلفا الوديان المحترقة الناتئة الحواف والصهارة المتجمدة والرائحة الحادة. وقد نجا الذين أشعلوا النار الهائلة فقط حين احتموا فيما صنعوه مسبقا للوقاية. ولكن حين تحولت القارة في مجملها إلى قفر قاحل لا شيء فيه، عاد من بقى من هؤلاء حين نضب معينهم وزادهم إلى الحالة البهيمية وانتظموا في قطعان تأوى الجحور والصخور وتقتات التراب وتشرب القطر. وبقوا هكذا حتى ظهر النبات. ولازالوا هكذا، ولازال يكمن في مخيلتهم سر آخر خطير أيضا اكتشفوه أيام حضارتهم الغابرة. وحدث خسف مفاجئ في أحد المحيطات فصدرت منه موجة حين وصلت الشواطئ أغرقت الدول. وظهرت قطعان بشرية كثيرة العدد تعاملت مع الصخر وراكبته على بعض وجعلت له مسالك لا تحصى. واحترقت أرض فجأة،، وظهر رجل،،

 

-  نعم ! (قال الكائن الصغير) جميع ما جرى سابقا على القرار محفوظ هنا كامل التفاصيل. أرأيت نفسك كيف كنت؟! نحن راحلون. انتبه! لست بحاجة إلينا بعد الحد. هناك سيخبروك عمّا يجب.

 

واتجه به صحبه الثلاثة صوب نقطة شرقهم، وتوقفوا، ثم رنا أحدهم عبر شيء كأنه جدار رقيق جدا يتحرك هو الآخر شرقا. انفتح الجدار فبان عبره عالم له الكثير من ملامح عالم القرار. وأشار الكائن له أن ادخل، ثم ودعه. وحين دخل انغلق الجدار وانمسح موقع الفتح ولم يعد له وجود.

 وليس لما عبره من معالم الجدار شيء، إنما حين عاد الوافد إلى وعيه فسره على أنه كان جدارا. فقد كان لا يرى شيئا، وفجأة تنفتح بصيرته ليرى ما لم يره قبل قليل. وحين انطبق الجدار وانعزل عما أسماه مرافقوه قبل قليل بعالم الماضي، وجد نفسه بعالم لا يختلف كثير عن عالم الماضي سوى قناعة بأن هذا الشيء سيحدث وذاك سيكون. وهناك شبه ماء وشبه هواء وبشر وأحياء تتحرك والكثير من الأشياء الأخرى بما فيها أطفاله وزوجته والسابحون حولهم. لكنه لم يعبأ بما يراه، وكأن علاقته بأطفاله خبرية. فهو يراهم ويعرفهم لكن بلا اتصال ولا عاطفة. وظهرت أمامه لجة سبح فيها وغاص وبقى عالقا وسطها. وحين أجال بصره، فإذاها لجة شذرية لا حدود لها ولا حول على وصف جمالها، تسبح فيها كائنات كمال حسنها لا يستوعبه العقل. وتحوم بها مجموعة من الطيور الجميلة المطوقة الأعناق بشرية الوجوه مكحولة الأحداق، كأنها حجل ابيض أو لون من هذا القبيل تطير أو تسبح وتغرد ما شاءت وبملامح عزة وابتهاج ظاهرة يكبر أو يصغر حجمها بلا سبب، بعضها يخرج من المحيط جملة ثم يعود أكثر بهجة ووقارا وقريرة. وبقية الكائنات لكل منها لون أزرق هو الآخر شذري مائل إلى الخضرة النظرة وهيئة بشرية، لو أراد الوافد لحادَثَ أبعدها أو أقربها بمجرد النظر إليه. وغمرته بهجة المحيط، ثم فجأة،

 

-  مرحبا بالوافد المَثـَل! (ظهرت كلمات مسموعة في المحيط) مرحبا مرحبا أتستغرب أيها الوافد مما تراه أم تستكثره؟!

-  مذهـ ،،

-  مذهول ! (قالت الكلمات ورافقتها ابتسامة قبول على المحيط، ثم بدأت معها تتشكل هيئة بشرية) كيف تذهل وقد غيّر جارنا خلقك وبترك عن مشاعرك؟!

-  فما كنـت ،، 

-  نعم ما كنت صانعا لو لم يبترك عن المشاعر (قاطعته الهيئة البشرية)

-  أنت تحز،،

- لا، أنا لا أحزر جوابك، بل أراه

-  ترى ،،

-  نعم ! أنا أرى جوابك وقبل أن يتكون فيك ! وهو موجود عندنا ونعرفه، ونعرف ما لم تقل منه أيضا. وستسألني عما نحن فيه ولِم أنت هنا وما هذا.

 

وكانت الكلمات تخرج إلى المحيط بينما أفكار الوافد تؤكد مصداقيتها. وكل جواب تعرفه تلك الهيأة البشرية وكل سؤال مقبل وكل ما لم يسمح الحال بنطقه. وبدا وكأن الطيور لمحته بنظرة رضاء عابرة، ثم مضت لبهجتها وما هي فيه. وهناك حشور وهناك أقوام فرادى وجماعات كل يبدو منشغلا ولا منشغلا بشيء في آن. بينما النور يغمر الجميع وبدرجة واحدة، كما يبدون جميعا راضين فرحين أو شيء من هذا القبيل

 

  -  نعم أيها الوافد! هنا المعايير تختلف، وهذه اللجة هي الخالدات والقادمات من حوادث القرار، وأنا الأمير الخازن، أنظر هناك!

-  آه، هذا (صاح الوافد حين نظر حيث أشار الأمير، ورأى مثيله)

-  نعم هو أنت! أو الأصح هو الأصل وأنت المثل (قاطعه الصوت في رقة) ومعه جدول ما سيجري لك من الأحداث في القوادم من الأيام والحيوات التي ستعيشها. لا بأس (استطرد حين شاهد انبهار الوافد ورغبته الشديدة للاندفاع نحو الأصل) اذهب إليه! حادثه!

 

ورغم إن مشاعر الوافد أماتها الماضي المجاور لهذه اللجة، كما يفترض، إلا أنه ارتج حين رنا الأصل إليه وغمرته عاطفة جارفة نحوه. عاطفة لا كالحب ولا ترابط التوائم بل أسمى من أي شيء. خصوصا حين وجده طريا نَضرا باه كما الولادة. ولم يقاوم فارتمى إليه علـّـه يمتزج به فلا يفارقه.

 

-  محظور! (قال الأصل، بينما علت وجهه ابتسامة إشفاق ) توقف! ما جشته محظور عليك هنا.

-  خذني! أو تعال إلي (صرخ الوافد شوقا وحبا وقد جاشت عاطفته)

-  ممنوع! (قال الأصل وحاشه برفق) لا تندفع!

-  محال، كيف أراك ولا ،،

-  هكذا هي! تعال معي!

 

وأخذه وجلسا على صخرة من الشذر الأزرق، وسرعانما تخلقت قربهما شجرة بيضاء شفافة الأغصان والجذع، ساعة تشبه نخلة وأخرى سدرة أو صفصافة تظللهما ولا تظللهما. ولازال المحيط كامل الشفافية وكأنه فراغ تام رغم السابح فيه من الكائنات، ورغم لونه المشرق الشذري الساطع.

 

-  تريث قليلا! (قال الأصل ووضع يده قرب صدر المثل الوافد) نعم أنا أفهمك وأفهم شوقك

-  كيف الجواب ومشاعري تفور إليك (قال الوافد)

-  للعاطفة شأن آخر (قال الأصل وحرك يده فانزاح شيء بينهما هدأت إثره مشاعر المثل) أنا أصلك هنا، ومعي جدول حياتك كلها ،،

-  لأنها حياتك أنت أيضا !

-  لا .

-  ألسنا قرينين ؟!

-  لا !

-  فأنت قرين والدي ؟!

-  لا أيضا (وقرب الأصل يده ثانية من صدر المثل، حين رأى ملامح الحزن عليه) تريث! عندي أحداثك القادمة، وما سبق وعشته من الحيوات والأحداث كان عند جارنا. وما كان الوقت يسعك لتعرفه.

-  لو ،،

-  لو عرفته لراجعته (سأله الأصل برفق) أليس كذلك؟! فلم لم تراجعه قبل الصعود إلينا؟!

-  كيف أراجعه وأنت تقول عشت حيوات وليست حياة واحدة؟!

-  الحياة الأخيرة فيها خلاصة حيواتك السابقة، لو تمعنتها لأدركت!

-  وما الفائدة ؟! ألا تقول أن كل شيء معك

-  لا أدري أكثر من أنك كما جئت سترحل

-  لن أرحل، أريد البقاء معك متعلقا بك ،،

-  محال! أنا سرمدي ساكن هنا وأنت متبدل! وأنا الحال وأنت المحلول، ولسنا واحدا رغم ما تراه من تشابه

-  لا بأس، لكني لا أريد العودة إلى عالمي أريد البقاء هنا، هذا عالم جميل

-  لا إرادة لك!

-  ساعدني بما لك من سلطان! ألست تعرف كل شيء عني ؟!

-  نعم!

-  فابحث عما يمكنني من هذا!

-  محال! نحن مأمورون. ليس عندنا أشياء كالبحث والتخمين والاستنتاج وغيرها. هذه فيكم فقط. ونحن لا نجمع المعرفة، فكل المعرفة في هذا الكون واحدة ونحن نراها أمامنا. وما كان يبقى على وضعه دون تغيير. نحن سرمديون لا نتجدد.

-  فاشفع !

-  أشفع؟! (قال متهكما) قراري بوفودك أو بقائك محدود ولا إرادة لي عليه!

-  كيف !؟

-  هي هكذا ولا أدري كيف ولماذا !

-  ابحث عن السبب !

-  ها هو الفرق الذي بيني وبينك أيها المثل. نحن هنا نقبلها هكذا، أو هي فينا أصلا، أما أنتم فتجادلون وتبحثون.

-  لا أمل ؟!

-  ليس بما في يدي على الأقل! فلوجودك هنا وطوله وفادتان فقط -  صغرى متكررة خلال الحياة الواحدة عبر طيف أو يقظة. وكبرى متكررة هي الأخرى ولكن كلما تنتهي دورة الحياة الواحدة لك. وفي كل مرة تستقي منا ونستقي منك وتعود

-  فهذا هو

-  نعم. وهذا وجه اختلاف آخر بيني وبينك! أنا سرمدي هنا وأنت متغير هناك رغم أنك مني ومثلي على القرار. نحن نستقيها مرة فقط، ولذلك لا نتغير. بينما أنتم متجددون فلا تتكررون وإن تشابهتم. وأنت أنت، وأنت آخر غيرك في آن. وفي وفادتك الصغرى تأتي ونعيدك مختلف الوعي، وفي الكبرى تأتي ونعيدك مختلف الحال والهيئة

-  ماذا تقول؟! أتعني ،،

-  نعم ! ليس لجميعكم إمكانيات واحدة.

-  فما مبرر وجودنا على القرار

-  البحث والسعي والتجربة والاستنباط وحمل النتائج إلينا نستخلصها منكم ونمدكم بما نريد. ومنكم من يستشف حيواته السابقة ومنكم من يفهم ما نقوله له في وفادتيه، ومنكم من لا يستطيع.

-  فهذا قدر

-  ليس هكذا فمن لا يستطيع في شيء يستطيع في آخر.

-  تقول نمدكم بما نريد،، كيف؟!

-  هناك لغة مشفرة برموز نصنعها مما تعيشون، ونحشرها فيكم. فمن أدركها واستوعبها وحكم على الكل من الأجزاء وتعلم عاننا واستعان

-  تقول عاننا ؟!

-  نعم ! فحين يفد أحدكم نستخلص ذاكرته، وحسب ما تحتويه يجري الفصل، أما أن نجعل له شأنا، أو نعيده إلى ما كان أو دونه. وهذا يحدث مرة واثنين ومرات ولا أحد يتعب هنا ولا يرحم

-  أتعني

-  نعم ! كل شيء له رسالة في معشره، إن وعاها هيَّأنا له الظرف فرقى إلى معشرٍ أعلى، وإن لم دنى.

-  لكن ،،

-  أوافقك ! (قال الأصل مقاطعا) الغيبة الكبرى محزنة ووطؤها كما نعلم ثقيل عليكم. لكنا لا نفهم لماذا ولا سلطان لنا عليه. هي تحدث فيحزنون ثم تعود وتحدث فيحزنون ثم تعود وتحدث فيحزنون دون ملل.

-  لازلت ،،

-  لازلت في حيرة من الفهم! الأمر سهل وبسيط. أنتم تبحثون وتستنبطون ضمن المتاح لكم. وتفدون فنستخلص نحن وجارنا نسخة مما تستنتجون، ولا ندري شيئا بعد هذا. لاحظ! (ومد يده إلى هامة الوافد فظهر أشبه بشريط مشفر طويل)

-  أتعني ،،

-  نعم إن وفادتكم متكررة، وفي كل منها تترك جسدك في القرار، وتأتينا كما أنت الآن، إلى الشطر الغربي أولا، ثم إلينا، وتتبادل المعرفة مع غيرك من الوافدين، بالرموز أو الحديث، ثم تعود إلى جسدك السابق أو إلى واحد جديد!

-  بأي لســان ،

-  باللسان الذي نتخاطب به الآن أنا وأنت.

-  ولكنه ليس

-  نعم هو ليس لسانا ولا تخاطب إنما رؤيا تراها عندي وأراها عندك، مع فارق أن لي ما ليس لك من النفاذ. أنا أجعلك تفهمني. أما المخاطبة واللسان فهذه معاييركم هناك. فالقرار ماضيه وحاضره واحد ومحتواه واحد وأنت مثلا تكلمت خلال حيواتك السابقات وستتكلم في حيواتك القادمات لغات ولغات بما فيها الإشارات. ولن تفهم معلومات مضت أو آتية بلغة واحدة، ومن الصعب أن تتبادل أنت وغيرك المعلومات كلاما، لذا، فالمعلومات هنا وعناصر نسخها مبسطة مرمزة، بعضها مأخوذ من قراركم،

-  لكنك الآن،،

-  ليس هكذا. أنا لا أتكلم معك، هذا حين تعود ستفهمه على أنه كلام. أنت حين تعود إلى القرار وتتذكر رموز حديثنا هذا، ستقول إني كلمتك

-  فمن يدفعنا

-  الذي يدفعكم إلى وفادتنا هنا وازع جعلناه فيكم.

-  أتعني

-  نعم أنتم مبرمجون (رد على مزحة المثل) مسبقا على حد فهمك. وهذا البرنامج هو خيط تواصلي معك. بعضكم يفهم ما نريد والآخر لا. وأنا هنا أصلك وما يخصك في قرارك فقط،

-  فمن أين أنت

-  لا أفهم ما تسأل عنه، ماذا تعني من أنا ومن أين أتيت ولم أنا هنا وهل سأنتهي يوما ما، هذا لا نعيه ولا نفهمه ولم يرد يوما أمامنا. نحن موجودون هنا ونعمل وحسب. وأنا الآن أعلم أنك سترحل عني

-  إلى أين ؟!

-  إلى حدود منطقتي، ولا أدري ما ينتظرك.

-  ما لك تقول لا أدري لا أدري،

-  هي هكذا. وكل ما عندي قلته لك ولا أكثر من هذا.

-  أتعلم حال ما أنا راحل إليه

-  لا

-  يا للرهبة !

-  لا تخف! (ومد يده إلى ما يفترض أنه هامته) ما بقى من مشاعرك الحالية،،

-  وهل بقيت لي مشاعر (قاطع الوافد أصله)

-  نعم بقيت. وإلا ما عرفت معنى الرهبة. بقايا مشاعرك ستتركها هنا عندي. وهي وما أخذه جارنا الغربي، سأرسلها لتنتظرك على القرار من حيث بدأت!

-  كيف أرحل دون مشاعر؟!

-  هذا ما لا أدريه! كل ما علي أن أنتزع ما تبقى من مشاعرك القرارية. فهنا لا يحتاج القاطنون إلى مشاعر فالجميع يعرف ما في أفكار الجميع ولا أحد يستطيع أو يرغب أن يخفي خاطرا على أحد. والكل يرى الكل مهما تباعدت المسافات، وهنا الطاعة المطلقة ولكن دون خوف، والكل يؤدي عمله دونما تعب أو كلل

-  والعمر والزمــ

-  العمر! ماذا تعني بالعمر؟ نحن لا زمان عندنا كالذي تفهمه. نحن هنا نحسبه بالأحداث. فمتى حدث الشيء فهناك زمن، وما لم يحدث فلا زمن. وأنا الآن هنا. فإن أردت الانتقال إلى طرف هذه اللجة، فأرنو إليه وأصله، رغم أن المسافة من هنا إلى الطرف لا تسعها كل معاييركم في القرار.

-  وكم

-  لا تتعب تفكيرك! لن تعرف الجواب. فهذه المسافة لا تحتويها معاييركم. قد جعلناكم تحسبون الزمن بأجزائه لأنكم مجبولون على البحث ومحكومون بخصائص القرار الضيق. وكل شيء يبدأ عندكم قليلا أو بطيئا ثم يتسارع. ولسنا كذلك. نحن لا تتسارع الأشياء عندنا أو تتباطأ. والزمن إن شئت هو عدد الأحداث وليس طول حدوثها، فهي أصلا تحدث عندنا فجأة. وحيث لا حدث لا زمن. والانتقال من نقطة إلى أخرى، مهما تباعدت، هو حدث واحد. وحين أوصلك إلى المنطقة المعنية فالزمن الذي تستغرقه حتّاها هو وحدة واحدة، لأنه حدث واحد وهو وصولك (أفصح الأصل وكأنه أستاذ).

-  أحقا سنفترق ،،

-  نعم، ولن ترني حين تعود !

-  أرجوك ! (قال الوافد متوسلا)

-  صه! (ووضع إصبعه على جبهة المثل) لقنتك الآن مفاتيح اجتيازك الحاجز الفاصل حتى منواك. ستقول كلمات السر وهي ثلاث، فتجتاز

-  بقيت ،،

-  بقيت كلمة عالقة في خاطرك مما كنت تستخدمه في القرار. أنا أقولها عنك! أنت تعشقني! لا تقل نعم، انتبه! هذه هي المرة الوحيدة المسموح لك أن تفكر بها دون تبدل. فحين تشعر بعشق إليّ فإن دورة حلولك انتهت وآن فراقك مع القرار. قوانيننا صارمة. لكن بالمقابل أنا الذي أعشقك وأنا الذي أنتظرك! (وخلال ذلك وضع يده على قلب المثل أو هو اعتبره قلبا) الآن أحتضنك دون خوف عليك. بدنك الآن منسوج من الفكر (وفعلا جمدت ملامح المثل الوافد وصار ينظر لأصله دون إحساس) وأنت الآن قادر على اختراق ما لا يخترق. (وتوقف لحظة) سألقاك بوفادات لك أخرى أطولها عند سابعتك والسبعين، الق الآن نظرة على ما حولك!

 

نظر الوافد الذي أصبح الآن قطعة من مادة الفكر، حوله، وإذا بكل كل شيء يمثل زمانا أو حدثا أو حاضرة من قراره أما كائنة أو ستكون، وكل كائن حي يمثل بشرا أو حيوانا. وفي آلية ما حدث له في الشطر الغربي حيث شاهد الماضي، ظهرت عبر جسد أحد كائنات هذه اللجة دويبة تحت راكب أقنى الأنف رقصت طربا حول جسد دويبة كانت شديدة وهمدت. رقصت الدويبة قليلا وأنهكت وبدأت الشقوق تنخر ما بين أعضاء جسدها الواحد تلو الآخر، فاقتربت منها دويبات صغيرة جدا فطالت أطرافها وصارت تنخر جناحيها ثم قدميها حتى أقعدنها واقتطعت كل دويبة جزءا من جسدها وابتلعته. وسجر كانون على أرض وسط العالم ثم تغير اللهب فصار ساطعا ينير السماء والأرضين. وظهرت ثلاث نيران عملاقة خرجت من قمقم فسقطت على ثلاث مدن فوق. وظهرت بناية تحطم كل ما حولها فخرج أحدهم منها وصاح متوجها إلى الشرق والجنوب، نحن وأنتم واحد فهل تعينون، فلم يسمع جوابا. وسطع لمعان شديد انتقل من شمال الغرب لجنوب الشرق والجنوب على الأرض. وبعض البلاد التي كانت جميلة في الشمال خبت كمصابيح عتيقة نخرها الصدأ. ويد سمراء لاعبت صخيرات صغيرة وكسرتها. وتلبدت السماء بغيوم ثقيلة قميئة كالكوابيس جدا حتى كادت تطابق الأرض وجرت رعود مخيفة وبروق ونزل مطر شديد بارد جدا، أوحلت الدروب والدور والأرض إثره فلم لم يعد بالإمكان الخروج من الغرف حتى إلى أحواش الدور. واستمر طويلا، ضاقت البلاد به ذرعا. وما انفرج سوى حين أخذ بعضهم في يديه أنابيب تقذف النار إلى الغيوم فبددتها. وعلت نار حارقة أرضا في الشمال وأزالتها من جذورها. ونهران عظيمان أزليان شحا فعبرهما الأطفال سيرا. وبحر عظيم جف. وصحراء شاسعة اخضرت بعد مطر غزير وظهرت عليها أحياء غريبة كانت عليها من قبل، كما ظهرت البحور والمستنقعات وكأنها لم تكن يوما من الصحاري. وظهر أربعة أشخاص في هيئة بشرية لونهم بني فاتح، في أعناقهم ومعاصمهم أطواق بيض يقفون على لوح مربع الشكل تحته ثلاثة دنان للوقود، ودن رابع يبدو أنهم تخلوا عنه خلال رحلتهم من كوكب آخر إلى الأرض، أو هو فهمها على أنها الأرض، حيث لا معيار عنده للقرار غيرها. هؤلاء الأشخاص نزلوا غرب قرية شمال بحر له هيئة الكرسي. وحل هول عظيم ببلد لم يكن في مستطاع أحد تصور بشاعته. ومدينة ظهرت صورتها معكوسة في السماء. ومخلوق غير طبيعي الولادة لا سيطرة عليه سينهي نفسه بنفسه بعد أن يثير الرعب والخوف. وشيء ظاهر للعيان سينتبه إليه شخص مغمور فيجيد استخدامه فيماري فيه مصادر القدرة الحالية. ويستحوذ الناس حنق شديد من ملة تمتص أيديهم وأثدائهم فيتنادون ويستأصلونها. وسيظهر شيء في وسط بحر معلوم يثير العجب. ستظهر عن قريب أرض في وسط البحار، بينما تختفي أخرى مقابلها. وشخص قصير بطين سيسحر الناس بقوله ويتبعه الكثيرون ويكون أمة. وستنكشف ثلاث كنوز عظيمة في صحراء شرقية. وستحرق مدينة الوافد ويحل عليها فيضان ويهوى نجم لها ثم ينفجر بركان ويعود يهدأ وينتهي وتعود الحاضرة من جديد،،

 

-  كفاك أيها المعشوق! فمهما رأيت أو استوعبت لن تحيط بكل شيء. اللجة شاسعة واسعة أنّى لك أن تراها كلها، وإن رأيت فلن تحمل كل ما تراه إلى القرار. هذه كلمات السر، قد لقنتك إياها، وقد أزف الموعد، وداعا!

 

وأشار بيده فانفصل الوافد عن هذا المحيط إلى جهة ليست شرقية ولا غربية، ولا هي إلى الأعلى أو الأسفل، ورحل فيها محلقا يتقلب بدنه المضاء بهالة صارت حوله وترافقه في رحبة فراغ مظلم لا نهاية له، وحيدا لا يرى شيئا ولا يسمعه فارغ الأفكار أو الهواجس. لكنها وحدة لا تعني شيئا. فمن بحاجة إلى صديق هنا وماذا سيقول الصديق وما عساه يعي في هذا الفراغ الهاوية؟ فواصل الوافد غوره في المحيط حتى وصل حاجبا، أو ما افترضه حاجبا وقال كلمة السر الأولى فاخترقه ودونما تغير في بدنه إنما وعى أنه في المرحلة تالية من الرحلة.

 

وهناك انكشف له منظر أحداث كأنها جرت منذ زمن سحيق. تكاد الموجودات لا تختلف عنها في شطري المرحلة الأولى، إنما لا شيء له علاقة بما حوله. الكل صامت ميت أو محايد أو خالد لسبات عميق وعلامات هرم تبدو ظاهرة على شكله الخارجي. هنا لهب ذابل مرتمي جانبا كالخرقة البالية. وهناك أكداس من الفولتية الكهربائية صامتة لا خوف حتى من دعسها. الألوان فقدت مكنونها والأصوات متجمدة بعد تعب واضح طالها قبل ذاك. والإشارات والاهتزازات المغناطيسية والضوء راكد على قعر القرار أو عالق بالمحيط كأشرطة متجعدة مهترئة. الجبال التوت أعناقها ساكنة وما عليها أما ميت أو ذابل. والمياه متعبة والقيعان منخورة والكائنات بعضها هياكل أو هي مرمية بلا حول. والدهور والعصور عجفاء شمطاء متقرنة تنتشر بينها القروح، وقد جفت الأحداث في جوفها. والكتل الصماء من شدة السكون والحيادية تبدو كنفش من البخار يخترق الوافد منها ما يعترض مساره دون أثر، بينماه يتلمس دربه وسط الظلام.

-  ألا تعرفني؟! (صاح الوافد بذات تشبهه أو تشبه أصله الذي رآه للتو، لكنها مطروحة على الأثير) أنا أنت، انهض كلمني! أنا وحيد، آنس وحشتي! ما لك لا تتحدث؟ كل شيء فيكم يشبه القرار وما رأيته للتو، سوى أنكم ميتون سابتون. انهضوا من هذا السبات، من فعل بكم هذا!

لكن الشبيه والمحيط من الأحداث والنجوم والعصور وكل الموجودات بقي هامدا موحشا لا يستجيب إلى نداء بينما الوافد يخترقها كما يخترق الفراغ ويرى بواطنها ومحتوياتها الهامدة هي الأخرى، ثم ارتطم بسرمد مظلم صلد، بقي ينجذب إليه بقوة مرعبة حتى نطق كلمة السر الثانية فاخترقه. وكما حدث للتو، فما أن نطق كلمة السر حتى نساها تماما.

اخترق الحاجز الحاجب وواصل رحلة الموحشة هذه التي يتوجب عليه اجتيازها وحيدا أيضا. ولا شيء في هذا المحيط، يحتاج لعناء لرؤيته وإدراك معانيه، ولا حاجة لشارح أيضا. فلم يكن هناك غير سحابة سوداء محمرة على مشارف نهاية الأفق، تشبه الشطيرة، ما أن أقترب منها فإذاها تكوينان عملاقان غباريان تجمعا بمواجهة بعضهما البعض وبينهما فراغ مظلم. وجانباهما غير منتظمين بينما يتواجهان عبر الفراغ بشكل مستوي. وكأن أصوات حشرجة بدأت تزداد رويدا رويدا بينما الوافد يقترب بسرعة مهولة نحو خط المواجهة بين الغبارين مدفوعا بقوة  مجهولة تزيده تسارعا، إلى وسط خط فراغ المواجهة. وما أن توسط هذا الفراغ حتى ارتعد المحيط كله بفعل صيحة أيقظت الموجودات وجعلتها ترجف تهيأ لسباق مجهول. وحين توقفت الصيحة ومض الفراغ وراحت الموجودات تهوى على بعضها متسابقة نحو الوسط. الشيء يقع على الشيء فيعدمه والصوت يقع على الصوت فيسحقه، والنور على النور فيعميه ويلقيه في دوامة ترحل بالأشياء كلها بعنف لا إرادي إلى نقطة كانت قبل قليل بمنتصف خط المواجهة. وإذ بدا وكأن الدوامة غصت بما تحتويه، صدرت صيحة أخرى فتجارت الموجودات، التي تلوح وكأنها أزمان أو فراغات وأثيرات ومياه إلى نقطة الوسط مجددا، لتنسحق محدثة صيحة ثم تعود ثانية وتنجرف وتحرف آخرين مثلها معها كالخيط نحو هذه الهاوية. والدوامة كلما تغص تعود وتبتلع الأحداث والأزمان والأشياء وبصيحة إثر صيحة. وتتداخل الأصوات لتبدو كالرنين. ولازال الكل ينهار. وحتى ما سبق وانهار واختزل حجما إلى الحد الأدنى ما يلبث لحظة يرتاح فيها وينهار من جديد على بعضه ويذوب. والقدوح والشرر تكتم بعضها بعضا وتنسحق بلا رحمة، وبحالة يصعب حتى على أهل القرار وصفها.

ثم فجأة حل سكون.

حل السكون والوافد بين ركام هذا الانهيار العظيم لا يدري مخرجا ولا الشكل الذي آل إليه المحيط حوله. ونطق كلمة السر فلم تنفعه. وأراد تكرارها فلم يستطع، حيث لم يعد لها وجود عنده. إنما لم يهتم لذهابها أو بدا له أنه لو أراد الخروج، لخرج بلا عناء، من هذا الركام المطبق الذي يبدو كأنه ثقيل لكنه ليس بثقيل. ثم يلبث الحال سوى قليلا حتى دوّت صيحة جديدة مهولة انفك بها عنه المحيط، فتحرر مثل كل ما سبق وأنهار إلى هذه الهوة وبدأ يتطاير كشضايا حية نشطة نظرة ملونة إلى كل الاتجاهات، منها نظم ومنها سرامد وموجودات واثيرات وغيرها، ومعها وجد الوافد نفسه يسبح في حيز ككبسولة صغيرة بدت فارغة سوى من رنين خافت بالكاد مسموع.

-  ولكن أين أنا الآن، قال لنفسه، ومن يخبرني؟!

ولا شيء يجيب ولا أحد، سوى الفراغ والرنين في هذه الكبسولة الصغيرة التي هي كل ما تبقى من ذلك القمم المسحور الذي تجمع وانتشر قبل قليل. والوافد يسبح مخترقا هذه الكبسولة وما افترضها تحتويه من أشكال افترضها أو تحسسها، بتسارع خارق. وكلما بدت هذه الكبسولة صغيرة بدت أيضا رحبة مترامية الأطراف مطلقة السكون والظلام. والوافد ذاته لا يدري كيف تحسس ذلك الرنين وسمعه أو قلها كيف قرأ مضامين بعضه وافترضها اشكالا بعينها. وكأن الرنين شفرات سهلة الفكاك، أو كتابة ممكنة القراءة. فهذا يحكي عن حدث وذاك عن كائن وهذا عن نجوم ومجرات وعوالم من المحسوس ونقيضه، وهكذا. وكلما سار في الكبسولة تبين أنها لازالت مترامية الأطراف شاسعة، حتى ارتطم بجدارها الآخر واخترقه، وحين ابتعد عنها نظر إليها وقال:

-  أين أنا، وإلى م أتجه، وهل يمكن لكبسولة صغيرة أن تكون بهذه السعة؟؟!

-  نعم! (أجابه صوت من المحيط، واعترضته كتلة هلام أوقفت سرعته الجنونية) نعم أيها الوافد، وحتى هذه التي رأيتها واسعة شاسعة مترامية الأطراف، هي أصغر من غيرها بكثير

-  وما مبرر هذه المسافات ؟!

-  لا أدري!

-  أعطوني ثلاث (قال الوافد)،،

-  أنا (قاطعه الصوت) أرسلت كلمات السر إليك وأنا الذي نطق الثالثة عنك. أنا تابعتك منذ أول لحظة الوفود إلينا

-  غريب، فأنت تـرى،، !

-  نعم أنأ أيضا أرى كلامك قبل أن تنطقه. هذا من جبلة هذه المنطقة. أنا أضع كلامي في مخيلتك وأجعلك تقول وأرى ردك علي،

-  فمن أنت ؟!

-  أنا أصل أصلك أيها الوافد.

-  وأينك وما شكلك

-  أنا إلى جانبك وشكلي كشكلك وأصلك، (قال الصوت) سوى أنني صغير كالبذرة. أنت الآن في المرحلة الخامسة من رحلتك – أنت في منطقة أصول الأصول.

-  أي ؟!

-  أصول الموجودات. لقد جئتني من المرحلة الرابعة، منطقة الذكريات التي تخيلتها كبسولة. وقد اجتزت إليها من مرحلة رحلتك الثالثة - منطقة القيامة يوم انهار كل شيء على بعضه، والتي اجتزت إليها من مرحلة رحلتك الثانية – منطقة السبات، حيث كل شيء جامد ميت، حتى شبيهك أو أصلك الذي حادثته ولم يجبك

-  فكم  

-  لا أدري كم بقي من رحلتك

-  فكيف رفعتموني إلى هنا ؟

-  أمر موجود عندنا مسبق

-  فهل ،،

-  نعم سأحدثك بما عندي. الشطران الماضي والمستقبل اللذان مررت بهما في المرحلة الأولى هما جزءا الكون الذي جئتنا من قراره. والأمر يحدث هكذا

وأشار أصل الأصل بيده، فظهرت بلورة زرقاء بحجم يستطيع الوافد احتواءه بين يديه، وهي صلدة مطرزة دواخلها بنقط تبدو للمتمعن كبلورات بيضوية متغايرة الألوان متحركة بحرية تامة. ودفع أصل الأصل البلورة عبر حاجز رقيق جدا فخرج جزء منها محمرا محترقا مغبرا باهتا، وبقيت الأجزاء التي لم تجتز على وضعها ولونها، وقال:

-  ما تراه أيها الوافد مغبرا متعبا هو ذلك الشطر الغربي الذي زرته أولا في رحلتك هذه. وما بقي شرق الحاجز هو القادم من الحوادث والخالدات. وقد كنت هناك في اللجة وفصلك عن الماضي هذا الحاجز الذي هو الحاضر بمعاييرك

-  فما أقصر

-  نعم الحاضر قصير جدا، وهو هذا الحاجز الرقيق. وعمره قصير كالوهم.

-  فأين،،

-  الدنيا، هي هذا الحاجز الرقيق الذي تراه والذي يفصل بين الماضي والمستقبل

-  فنحن

-  نعم أنتم سائرون إلى الفناء. وتفنون يوم يجتاز الكون هذا الحاجز المستوي (وأشار إلى البلورة، أو بدا الأمر وكأنه أشار إلى البلورة، وإلى المستوى الذي تخترقه) فيهمد ثم يغلق. والتي تدعوها الدنيا، هي مرحلة نشاطكم، وهي هذا الحاجز الرقيق، أو هي سمكه الدقيق. ما أن تجتزه حتى تصبح ماضيا، وما أن يجتازه الكون حتى ينتهي

-  يا للظليمة

-  لا أفهم ما تعنيه.

-  فلو انكـسر،،،

-  نعم هناك إمكانية لانكسار الحاجز بين الماضي والمستقبل أو دماره قبل أن تمر الموجودات كلها عبره، وعندها سيختلط الماضي بالحاضر ويتحطم القرار كله قبل موعده، فينغلق، ويسري عليه ما سرى على الأكوان قبله. أي سيدخل المرحلة الثانية – السبات مباشرة، ثم يواصل الدورة.

-  وكم مـ،،

-  قد دارت الأكوان بعد الكون الأول مرتين حتى الآن، وأنت قد جئتنا من الدورة الثالثة. أي أن ما تراه هو الكون الرابع - الكون ابن حفيد الكون الأول.

-  يعسـر عليّ

-  نعم يعسر الفهم عليك. فكيف إذا أخبرتك بهذا وأنت على القرار؟! أنت في الكون الرابع الذي تعيش، قد ولد من الكون الثالث، واجتاز مرحلة الولادة وهو الآن في مرحلة النشاط وقد مر جزءه عبر الحاجز الرقيق. وكل كون يولد وينشط ويسبت ويموت لتستخلص النتائج منه كما رأيت في الكبسولة، ثم تعود الدورة من جديد. والدورات متشابهة ومغلقة. وما كنت ستعرف شيئا لولا كلمة السر التي أرسلتها أنا إليك.

-  وكوننا الحالي إذن،

-  لا أدري! (قال الصوت) أفان منته هو أيضا أم لا؟ فنحن نعلم الماضي وما يجب علينا فعله فقط. ولا علم لنا بالقادم من الحوادث بعد هذا الحيّز. هنا نحن نعمل فقط. وجل ما نعرفه حاليا هو إنه الكون الرابع في التسلسل وإنه يسير حاليا حسب المقرر، وهذا كل شيء

-  فأين هي الأكوان الثلاثة السابقة هل،،

-  من مادة الكون الميت يصنع الكون الجديد. وكل كون يموت تبقى ذكرياته وجيناته محفوظة فيما سميته أنت بالكبسولة التي جئتنا الآن منها. وفي المرحلة الثانية من رحلتك رأيت الكون في حالة الموت والبرزخ. وفي الثالثة رأيته في حالة القيامة والانهيار وتصفية الحساب. وفي الرابعة رأيت الذكريات في الكبسولة.

-  لكن متى ،،

-  ينتهي الكون الواحد حين يمر عبر المستوى ويهمد، ولا ينهض إلا حين يقترب من نقيض له ليتلاقحان وتختلط مادتيهما ليولد الكون الجديد. وتبقى الذكريات والخلود سابحة في أقيانوس مغلق كشفرات مختصرة. وهذا ما حدث للكون الأول الذي كان وليده الكون الثاني، الذي شب ونما ثم هرم وسكن وتبرزخ ثم نهض للاندماج مع نقيضه ثم مات وتكون منه الكون الثالث، الذي انكسر فيه مستوى الحاضر قبل موعده وقامت قيامته وتولد منه الكون الرابع الحالي.

-  وأين يوجد،

-  لا ندري أين يوجد نقيض الكون، (قال الصوت) نعلم أنه موجود مما نراه قد جرى على الأكوان السابقة. نحن نعلم أن لكل شيء قرين يولد معه وكل منهما قائم بذاته ويتقابلان فقط قبيل الانهيار والاندماج ليولد الكون الجديد. وجينات وذكريات الكونين النقيضين تجتمع في الكبسولة ولا يؤثران على بعضهما البعض ولا يتنافيان أو يندمجان. ونحن نعود إلى الذكريات عند الحاجة. والكون الثالث مات قبل موعده المعلوم لذا سددنا ثغرات تخليق الكون الرابع من معين ذكريات الكون الثاني.

-  عسير،،

-  نعم الفهم عسير والأمر مختلط.

-  فأين تقع،،

-  مرحلة أصول الأصول – هذه التي نتواجد أنا وأنت فيها الآن، تقع خارج الكون.

-  ماذا تعني بالأصـ،،

-  أصول الأصول يعني قالب الكون. هنا نشكل الكون الوليد ونعطيه جعله وملامحه وشكله

-  تقول نشكل،،

-  نعم نحن هنا مجموعة. ومهمتي هي تخليق أصول البشر. وحين تجهز مقومات الحياة في الكون الجديد، أصنع مُثلي التي هي أصولكم.

-  وكيف،

-  لا نعلم سوى أننا نعمله. وأصلك الذي قابلته في الشطر الشرقي من المرحلة الأولى، هو أصل حلولاتك المتكررة في ذلك الكون. ولكل واحد من أفراد عائلتك، وكذلك لكل بشر على القرار أصل هو مصدر حلولاته المتعاقبة. وأنا أصل كل هذه الأصول

-  لقد أعياني

-  نعم لقد أعياك التصور. هاك خذ! (وسرت في الوافد شحنة هزته، انطلقت مما وضع أصل الأصول هذا يده أو شيء من هذا القبيل عليه، فتوسعت مداركه وصار يستوعب ما يسمعه بسهولة، ثم واصل أصل الأصول شروحه) وأمثالنا التي هي أصولكم متشابهة في الأكوان. ولو فاتنا شيء نحن أصول الأصول ولو تكاثرت الحيثيات المطلوبة، فنعود إلى مرحلة الذكريات المتبقية من الكون السابق ونغرف منها ما نشاء من المعلومات. ولذلك ترى الأكوان وإن توالدت فكل كون يعاد كسابقه بخلائقه ومادته ونظامه، مع بعض التغاير

-  هل لي أن

-  لا هذا محال كبير! فبقاؤك مع أصلك يقتضي دورة حلول كاملة، أي موتك. وبقاؤه هو معي أيضا يحتاج إلى دورة حلول كاملة أي موته.

-  لكن بقائي ،،

-  نعم بقاؤك معه يقتضي أمرا مني

-  فساعدني! أنا أنشد الخلود، لا أريد الفناء! وهائنذا عندك وقد اجتزت المستحيل

-  ورودك إليّ استثناء محسوب سلفا

-  أبقني عندك!

-  هذا محال! أن تبقى معي فلابد أن تصلني عبر أربعة مستحيلات قدرية! فعليك أولا عبور مستوى الحاضر – القرار الذي هو الكون الرابع، وتعيش أحداث ماضيه جميعها وحسب معاييرها التي كانت فاعلة قبل مروره عبر المستوي. أي تعاد ولادتك وولادة والديك وأجدادك وهلم جرا حتى بدء الحياة وبدء القرار بكل جزئياته، وكل شيء يعاد بالمقلوب. وهذا أول المستحيلات بحكم القدرات المحدودة المخصصة لك. وبعدها عليك أن ترحل عبر مراحل دورة الكون الثالث وهذا المستحيل الثاني. وحين تخرج منه ترحل عبر الكون الثاني في السير المقلوب ذاته وهذا هو المستحيل الثالث، ثم تخترق الكون الأول، وهذا رابع المستحيلات. على أية حال سأفك بصيرتك لترى ما تريد!

ورُفعت غشاوة عن عين الوافد، فإذا به في ضبابة صغيرة تتداخل حدود مادتها البنفسجية الباهتة مع الفراغ المحيط، وتسبح فيها عالقة ملايين الأشكال المتباينة الألوان والحجوم والهيئة. بعضها مجتمع وبعضها فرادى، أكبرها أصغر من عين الوافد بكثير. ولا قرار ظاهر ولا سقف. والذات التي حادثته هي واحدة من هذه الذرات التي تتحرك كيف شاءت في هذا الفضاء المحيط.

-  لا أرى أية ،

-  طبعا لا ترى غرابة هنا. إنما السابحات أمامك هذه هي أصول كل شيء. أنا مثلا أصل أصول أنواع البشر. هذا أصل أصول أنواع الأسماك، وذاك أصل أصول أنواع الطيور وهذا أصل النبات، هنا أصول الأحياء كلها. والضبابة الثانية. نعم هناك ضبابات كثيرة، تعال! حجمك أكبر من حجمي بكثير، لكن تعال! (وجره بهدوء إلى الضبابة التالية) هذه أصول المعادن، هذه أصول المياه، هذه أصول التراب، وفي هذه الضبابة (وانتقلا إلى الضبابة أخرى) يا حفيدي، أصل أصول أنواع الصوت وهناك الضوء والحرارة والجذب. وفي هذه الضبابة أصل أصول أنواع الحوادث، وتلك الاقدار، وهنا أصل أصول أنواع السرمد. أنظر كم سرمد فيها ولا تعرفون!،، وكل واحد من أصل الأصول هذه هو كمية غاية في الصغر بها الشفرة فقط. وهذه البركة لو حولناها إلى المثل، لاتسعت لعشرات الألوف من مثل حجم قراركم

-  فإن تلف أحد هذه الذرات

-  سنعود إلى ما تسميه الكبسولة ونعيد تشكيله، وإن تعذر، فلن تولد الأصول ولا الأنواع التي له، وتنتهي من الوجود.

-  فأي خيار على القرار وكل شيء مقرر مؤصل سلفا؟!

-  لا أعرف الجواب. أنا أرى الحقائق وحسب.

-  كأنك تتكلم بمفردات القرار (وهذه من الجمل الفريدة التي استطاع الوافد إكمال معناها مذ بدء رحلته)

-  أنت الذي تعي كلامي بمعايير القرار. فلو أخبرتك كيف يتكون كلامي قبل أن تسمعه، وأخبرتك كيف تسمع كلامي قبل أن تعيه ثم كيف تعيه قبل الرد عليه، لاحتجنا الكثير مما أنت أصبحت الآن في غنى عنه. هنا في مرحلة أصول الأصول. أنا أزلي أدري ما أمامي ضمن رحلتك ولا أدري ما بعدي. أنا لي مُثل في منطقة الأصول، وهم لهم مُثل في القرار. مثُـلي متبدلة وأنا ثابت. ولتبدل مُثلي طريق واحد فقط مقرر ومحتوم سلفا. وتبدل مُثل مُثلي، أي تبدلكم أنتم على القرار، له صورة ومسلك واحد ويعطي نتيجة واحدة، ببعض فروق تحتمها المعلومات التي نستقيها من الوافد.

-  فكيف التكاثر ،،

-  التكاثر؟! هذا مفهومك. المعايير بيننا وبينكم ليست واحدة. نحن لا نتكاثر ولا مُثلنا تتكاثر. المثل كالصور للأصل، لا تنقص من جوهره شيئا مهما كثرت أو تلفت. جميع ما عشته وستعيشه من حيواتك هي صور منسوخة عن أصلك الذي قابلته. وجميع أصول البشر التي في القرار، أو أسلافه الأكوان الثلاثة، هي صور أو حلولات منسوخة عني. ومهما كثرت عكوسات وحلولات أو نسخ صورتي فلن تنقص من جوهري شيئا. وبمعاييركم القرارية، أنا كالمرآة أو قالب الصب، تأتيه المواد فيشكلها حسب هيئته وأبعاده، ولا ينقص منه شيئا.

-  لكن مرحلتكم فانية (قال الوافد)،

-  غريب من قال لك هذا أنا ذاتي لا أعرفه

-  أمر منطقي، أنت أصل أصول البشر، والبشر مادة، لابد وأن يكون لك أصل يربطك بالمادة الأصل،،

-  لا أعي ما تقول

-  كيف لا تعي ما تقول وأنت أصل أصول البشر الذين يعون، أليس لك عقل،،

-  لا!

-  ألم تقل أنك كالمرآة أو القالب، فكلاهما يحتاج لمن يصنعه ثم يستخدمه

-  لا أفهم، هذا غير موجود فينا، نحن نفعل ولا نعلم كيف.

-  فكيف عرفت أني قادم،

-  أنا من دعاك، وبأمر موجود عندي

-  فكيف اتصلت بي؟!

-  جعلت في مَثَلي الذي هو أصلك نسخة مصغرة جدا من جوهري، (بدأ الشيء الأصغر من الذرة هذا يشرح وكأنما هو مبهوت من معلومات الوافد) تنسخ ما فيه من مكونات دونما عودة إلي. وأصلك جعل فيك نسخة مصغرة جدا من جوهره تنسخ ما فيك من مكونات دونما عودة إليه. وعلى نسختي منطقة أتصل بها عبر خيط وأوعز أو استلم إذا ما جد أمر، وعلى نسخته فيك منطقة يتواصل مع هو الآخر وعبر خيط شبيه. وعبر هذا الخيط اتصلت به وهو عبر الخيط بينه وبينك اتصل بك. ونسختي التي فيه لا تكل ولا تتعب من عمل الحلولات، ونسخته التي فيك لا تكل ولا تتعب من عمل الحلولات. ولا ينقص من أي منهما شيء. وكم من مرة استجد أمر فجعل أهل القرار يتفانون وكم من مرة تفانى مُثلنا، لكنا أعدناها جميعا بعددها أو يزيد دونما إجهاد. للأسف، انتهى زمن وجودك عندي، أنت راحل

-  إلى أين،

-  لا أدري أكثر من أنك راحل (قالها بلهجة كامدة) وداعا !

وحذفه إلى جهة، بدت حين اقترب منها كنصف قرص أحمر جاثم على أفق أسود ارتطم بحجب شديد حوله، وارتد، ثم ارتطم ثانية وارتد، ثم ارتطم ثالثة، لكن بقوة هائلة فاخترق الحجب وعبر يتلقب جسده وهالته دونما إرادة وحول، حتى لاح بصيص باهت حين وصله وجد خمس كائنات لكل منها هيئة النجم الخماسي تحيط بحيز صغير لا شكل له عالقة في فضائه ذرات لا حصر لها يتغير لونها حسب شعاع لا مصدر محسوس له، بعضها متجمع والآخر منفرد يصدر منها رنين افترضه الوافد معلومات ترسلها أو تتبادلها هذه الذرات مع بعضها البعض أو مع الكائنات الخمسة. والكائنات هرمة وكل منها يشبه نجم البحر الصغير، وهي مرة تبدو هلامية وأخرى مضاءة لكنها عاقلة حتما. وهي مشغولة في أمر مبهم. تحرك هذه وتلك من الذرات وبترتيب ممل وآلية دقيقة.

-  المرحلة السادسة، محطة النواة، ترحب بك أيها الوافد. (قال أحد الكائنات الخمسة وهو يسحبه برفق أو شيء من هذا القبيل)

-  النو،،

-  نعم هنا نواة كل شيء، هنا المبتدأ والمنتهى،،

-  ماذا،،

-  سأخبرك بمعاييرك لتفهم! هاتان الذرتان اللتان تراهما متلامستين، هما مجرتان تبعدان عن بعضهما البعض بما لا تستوعبه من المسافات.

-  قلت مسافة، أنت تتحدث بمعاييرنا

-  ليس كذلك. فلكل منطقة من المناطق بينهما معايير للمسافات وأشكال. أراك تبتسم! قل لي (وتحول الكلام إلى معايير القرار) كم المسافة بين ما أسميتموه إلكترونين متجاورين على مدار ما تسمونه ذرة في قراركم؟! قليلة أليست كذلك، فما مقدارها بمعايير كائن يعيش على سطح أحد هذين الإلكترونين؟!

-  ومن أدراك،،

-  من أدراني أن عندكم إلكترونات (قال الكائن متهكما) وأنّ عليها كائنات؟! أنت الآن أيها الوافد المحظوظ، تقف عند نواة الأكوان بمجراتها وسرامدها كما كنت تقف على القرار قرب كرة صغيرة. النسق هنا وهناك واحد، وهو واحد لكل شيء. خذ من القرار الأرض التي تنام الآن على رملها عند الشاطئ، نسقها كنسق شيء أصغر منها وفيها، وهي ما تسمونه ذرة الهيدروجين. لهذه قمر واحد ولتلك إلكترون واحد. وما تسمونه المريخ نسقه من نسق ذرة عليه - الهيليوم، له قمرين ولها إلكترونين،،

-  أهنا،،

-  نعم! هنا سر الأسرار، وهنا نتحكم بكل شيء وبوازع في كل منا فيه نمط عمله. نحن أيضا أيها الوافد نؤدي عملنا وحسب. ونحن نعلم ما قبلنا، أما الذي بعدنا فنعلم منه الآن فقط أنك ذاهب إليه وتعود ،،

-  أهي،،

-  نعم هي مرحلتك الأخيرة – السابعة، وعنده

-  فكيف،،

-  لا تسأل !

-  لابد ،،

-  أنت الآن أمام أسرار الأكوان كلها وقد انكشفت إليك، وتتركها لتسأل عن سر واحد، هو علاقتنا بهذا الذي أنت ذاهب إليه بعد قليل؟! يا للهول؟! انتظر قليلا وحسب! اطلع على هذه الأسرار أولا، قد تراها تكفيك وتعود!

-  أطـّـلع!

-  نعم! (قال الكائن) اطلع وأنا أعينك وأفك لك الرموز فتعيها بمعاييرك. هذه الذرة الصغيرة، هم نجم عليه من الذهب المنثور ما يكفي مجموعتكم الشمسية كلها ولو أكلتموه بدل الخبز. وهذه، انظرها جيدا، إنها قريبة منكم وصغيرة وتطالونها لو شئتم، هذه النجيمة فيها من الطاقة ما لا تستنفذوه. وتلك هي نجوم من ماس. وهذا قمر صغير لكويكب قربكم، مادته من شيء خاص ستكتشفوه بعد دهور. إنه وبكل بساطة يجمد حالة التأين القصوى للذرة ويمكن به فصل اللهب عن فتيله والبلازما عن مصدرها وبلا حاجة لأوعية حافظة، وعندها ستطلقون القنابل النووية في أعيادكم بدل المفرقعات. لاحظ هذا المذنب! (بدأت ألغاز المفردات تنهار أمام الوافد، وصار يعي ما يقوله النجم الخماسي وكأنه قرين له في المفاهيم) كأنما تحسبونه من ثلج وهو من بلازما بيضاء، ويتجول في الكون كالمكنسة، يمتص الإشعاعات القاتلة لموجوداتكم فيحيدها ويكون منها نويات صغيرة ستتحول يوما ما إلى كويكب. أما ذاك فنجم خافت، فيه نفايات لو ابتلع أحدكم وزنة صغيرة منها لتغلب على الجذب، ولقَدِر على الفعل برغبة الفكر. وهذا نجيم إعتيادي لا يثير الإنتباه، لكن الكائن المحقون بجرعة صغيرة منه سيتمكن من تحويل ما يرطمه من ترددات مهما تغايرت أو ضعفت، إلى طاقة تعوضه عن الطعام والشراب والتنفس. ولو أخذت ذرة من نفايات هذا الكويكب وخلطها بمثلها من نفايات هذا النجيم وبلعتها لتحيّد التسارع عندك ودخلت معاييرنا في حساب الزمن. ومن يلغى عنه تأثير التسارع لا يهرم. ولم السفر بين المجرّات والكويكبات. اذهب إلى داخل الذرات على قراركم، وستجد فيها من الأجسام الأعاجيب، فهذا الجسيم لو لمسته تتحول الفكرة عندك إلى واقع بمجرد أن تصوغها في مخيلتك. لاحظ (وظهرت الذرة بكامل تركيبها أمام الوافد) هذا الجسيم! بواسطته ستنتجون المادة التي ترغبون بمجرد حساب الكمية المطلوبة منه لصدم كتلة واحدة من التراب،،

واستمر الكائن يشرح ويوضح مطمئنا إلى احتجاب ما كشفه للوافد من المعلومات بعسر الحال. فمن يصل إلى الأماكن بين الذرة، ومن يطال المجرات ليراها رؤيا العين أو يلمسها فيختار ما يشاء. فما يعيه العقل تمنعه المحالات، ما بالك مثل هذه المحالات التي يشير إليها الكائن 

-  أنت تطلعني،،

-  نعم أنا أطلعك على أخطر الأسرار. خذ ما شئت،،، إن استطعت. لا تحتاج سوى لسلطان، اصنعه أو اعمله وحسب. فهذه النجمة التي أخبرتك عنها تبعد عنكم مئة مليون سنة ضوئية كما تقيسون، وذلك الشهاب الأبيض يبعد عنكم مليار سنة ضوئية، وهذا الكوكب عليه حجب مغناطيسية تطحن الحجر، وذاك يبتلع من يصله. وتنقلك بين مكونات الذرة أيضا يحتاج إلى سلطان، فسافر بين هذه المكونات وخذ ما شئت وما استطعت!

-  هذا،،

-  نعم هذا مستحيل، لكنه ممكن ومتاح لكم، مجرد اعملوا السلطان. ونحن لا نخاف ولا نهتم أن تعرفوه. أما الآن (قال الكائن دون أن يلتفت إلى الوافد) فسأكف، أعلم أن قد أعياك التصور،

-  فأين،،

-  الفردوس والجحيم؟ الأول مررت به عند اللجة حيث أصلك والطيور والثاني لم تره لأنه في الكون النقيض،

-  وأين الكون النقيض؟

-  هنا!

- أين!

-  هنا مع هذه الذرات التي تراها عالقة، ها هي

- لا أرى

-  فهو محجوب عنك وممنوع أن تراه إذن

-  لماذا (قال الوافد بحزن)

-  أما كفاك أنك رأيت اللجة الشذرية وطيورها ذات الوجوه البشرية الجميلة؟!

-  فما سر هذه الطيور ولماذا هي منفردة بهذه الخلقة

-  إنها كانت بشرا وارتقت بأعمالها على القرار،، وهي الوحيدة بين ما رأيت ممن له حرية المجيء والعبور أيضا إلى المرحلة التالية. وهذا كل ما ندريه. الآن قل لي هل قنعت بما عرفت من أسرار لنعيدك إلى القرار؟!

-  لا، لابد من العبور إلى هناك!

-  فهو يطلبك! تهيأ! وداعا! (وكأنما أفلته من يده فتسامى نحو جهة ما،، ووصل)

                 *****

-  مرحبا بالوافد (تناهى صوت من غمر غير معلوم لا متناه ليس فيه شيء) أنت،،

-  توقف (قاطع الوافد محتدا ذلك الصوت الآتي من الغمر) قد عبرت الأكوان إليك، وجردوني من مشاعري وكينونتي وتحملت الأهوال والمحن. من رأيته في الطريق يعرف حدوده وينفذ مهماته بطاعة عمياء دون خوف. وأنا الآن وفي وضعي هذا أيضا لا أخافك وإن أطعت. لذا، لي شرط قبل بدء الحوار

-  لا تريدني (أجاب الصوت) أن أقرأ، كما فعل السابقون معك، سؤالك من مخيلتك، تريد أن تنطقه بنفسك!

-  نعم! وتجيب عنه أيا كان!

-  قبلت!

فالتفت الوافد إلى المكان الذي جاء منه، فلم يجده. وكل ما في المحيط هنا أرضية من شيء أشبه بغبار دقيق حنطي باهت راكد ويتراكـــم عليه ضــــوء أصفــــر ضعيف كأنه كتل من رهام الغيوم. ويعلو الضوء شفق رفيع بنفسجي، ينتهي أعلاه كما ينتهي فتيل يحترق ويتصل بدخان كخصلات من شعر طويل داكن إلى الأعلى السحيق. وبين الخصلات وبعدها دوامات من الظلام تتحرك كعكر الماء غائرة إلى الأعالي. والوافد الفكر يرى كل شيء بلا حاجة للالتفات. والمكان موحش ولكنه لا يثير رهبة أو غرابة.

-  شرط آخر! (قال الوافد)

-  قله (أجابه الذات!)

-  أنت الغمر، أنت الفيض، أنت الجوهر، هذا معلوم. ورؤياك جملة محال. فليتجل لي بعضك أستقبله وأحادثه!

-  أتشك أني سامعك؟! (قال الصوت)

-  لا، إنما لا أريد أن أخاطب اللاجهة كما كنت على القرار.

وعندها بدأ يتشكل فوق الغبار الراكد مجلسٌ من ماء شذري يتموج سطحه بهدوء وبطء، مالبث وتراكم عليه هلام أبيض ربما أكبر من حجم بشرين معا، وبدأ يسبح عليه ولا يلمسه. ثم تشكل ثانية فصار كهيئة البشر واستقر على المجلس ووضع أشبه باليدين على مسنديه. ومادة هذا الشيء من دقائق ملحوظة ربما يمكن لمسها. كل دقيقة منها منارة بضوء خافت أبيض ناصع لا يوصف مقدار نصاعته. ثم بدأ بدن الهلام يتحول لأخضر فاتح ثم لأزرق ثم لألوان الطيف، ثم عاد إلى البياض الناصع. وكأنما لاحت على هذا التطوين رقيقة حنونة، كإيماءة لبدء الحديث. وعندها ورغم تجرد الوافد الفكر من المشاعر تماما، ورغم تحجر إحساسه بالمحيط، اضطر للقول:

-  ياه ما أجملك!

-  أتدري (أجاب التكوين في حنو) لم أتيت؟!

-  أتيتك بوازعين، واحد منك أشكرك عليه، والآخر مني باحثا في شأنك فلا تخيبه!

-  لا بأس، استمر!

-  أيها، (وتوقف محتارا ماذا يسميه، إنما عاجله التكوين طالبا منه مواصلة كلامه)،، وأنا هناك على القرار علمتُ التواتر وأن شيئا لابد آت من شيء. وعشت التواتر وأنا قادم إليك، فعرفت أصلي وأصله، وأن الأكوان وليد من أب وأب من جد وهكذا. وأعرف أنك نهاية رحلتي وأعرف أن كل هذا الذي مررت به لك وحدك وأنت صاحب القرار عليه، ورأيت أن كل ما عداك فيما مررت ينفذ واجبه دون خوف، وبدوري أسألك ودون خوف، أأنت مثل أم أصل، وهل ينطبق التواتر عليك أيضا؟!

-  أكان يضيرك في قرارك لو ما عرفت هذا؟

-  ما ضارني هناك على القرار شيء

-  فما شأنك وهذا السؤال؟

-  لا تنقض الاتفاق وأجب! (قال الفكر الوافد بدماثة ودون تحرّج)

-  أنا الأصل ولا أصل لي!

-  أتدري ما هو جوهرك؟

-  نعم! إنماه سرّ أحجبه لا ويعرفه غيري مطلقا. وهو قديم سحيق أبدلت خلاله سرامد وسرامد، وخضت معارك طاحنة علوت فيها على الجميع وتحكمت بالجوهر والرغبة والفعل والنتيجة،،

-  اعتراض (قال الوافد فتوقف الذات عن السرد احتراما) هذا محال! هذا يساوي بين الوجود والعدم! (وتحول الجدل إلى معايير بشرية بحتة، وصار إلى سؤال وجواب واعتراض واعتراض مضاد، كما في محكمة أو دفاع عن نظرية)

-  نعم. أنا الغي وأنشئ، أجعل من اللاشيء شيئا وألغي الشيء إلى اللاشيء! ولا أصل لي ولا مثل ولا نقيض! جعلت النقائض لما هو دوني أولا، ثم غيرت وجعلت النقائض لما بعد النواة وأوكلتها بما دونها.

-  فمرحلة النواة تشاركك الفعل؟!

-  ولكن بأمري

-  ولا نقيض فيها يفنيها عند الاضطرار (قال والوافد مفحما الذات)،،

-  نعم!

-  فإن انقلبت عليك

-  لن تنقلب

-  من يدري؟!

-  أنا أدري! (قال الذات مبتسما)

-  ألم تعتبر مما كان؟!

-  أعتبر مماذا؟!

-  مما جرى لك مع إبليس يوم الخليقة، أم تحسبنا غافلين؟!

-  وهل يصل هذا الذي تسمونه إبليس إلى هنا؟

-  فأنت تعرفه (قال الوافد وكأنما اصطاد حجة على الذات) فهو موجود إذن؟!

-  موجود موجود، وله أسماء شتى. لكنه في القرار فقط، وهو النقيض أو المضاد الذي تعرفون.

-  وخلقه مرهون برغبة طبقة الأصول، وأصولها إذن؟

-  نعم!

-  فإن خلقت هذه المرحلة أمثاله،

-  لن تستطيع، لا تخف! (وظهرت ابتسامة عابرة على الذات) ففعل هاتين المرحلتين وفعل مرحلة النواة، محكوم بكلمة الخلق،،

-  تقصد الفعل - كن!

-  لا تقاطعني كما لا أقاطعك (قال الذات بهدوء ثم استطرد) نعم، سمّها ما شئت، إنماها رهن مشيئتي

-  ونحن، ألسنا منك ويشدنا آخر الخيط إليك؟!

-  نعم! (قال الذات) لكن التواتر والتبدل ينتهي عند أصول الأصول!

-  فنحن فقط المحكومون بالتواتر؟

-  نعم!

-  أهي حكمة أم قضاء؟

-  كلاهما!

-  وفي كليهما مصائرنا ومحازننا. أراك تلهو بالحكمة والقضاء إذن؟!

-  ليس لهوا (قال الذات وأرسل للوافد نظرة فاحصة)

-  ليس لهوا وفيه المصائر والمقادير! (تمتم الوافد، وشعر بغصة سدت عليه حلقومه) كم حزين مات كمدا من قضائك؟ كم صرخة نتجت عن لهوك؟ كم فاجعة لم نعرف مبررها،، ولن نعرف؟!

-  لم أله. على الأقل فيكم أنتم!

-  وهل نحن سوى مسيّرين مكبلين بقراراتك!

-  مكبلون مسيرون وها أنت وصلتني!

-  يا لها من مكرمة؟! (قال الوافد وقد احتد الجدل وتسارع)

-  كنت قادرا على إلغائك من الأكوان وإلغاء أصولك أيضا لو كنت أتوخى اللهو في خلقي.

-  قد جعلتها أشد ألما علي. حياة ثم موت بحزن، ثم حياة ثم موت وحزن، وهكذا، لا أنا ميت مرة واحدة فأنسى، ولا أنا خالد فلا أعرف الموت. لم كتبت علينا الفناء؟!

-  أنت تسميه الفناء، وأنا جعلته تجددا. قل لي أتحتمل منظر أمّك لو بلغت قرنين من العمر، هل تتحمل منظر رضيعتك لو بلغت من العمر دهرين ودون أن أجردك من المشاعر؟!

-  فجردني منها!

-  فهل يحلو لك العيش بلا مشاعر؟! (رد الذات بعجالة، صارت معها سحنته تتبدل حسب رد وبجد ظاهر)

-  فوفق إذن بين الاثنين؟!

-  قد فعلت ووفقت وأعطيتكم أجمل ما أراه، وأنتم الفائزون.

-  كيف، وبم فزنا؟!

-  حيث جعلت الأمر في المراحل الأولى كلَّ كون قرينين واحد خالد ساكن وآخر فان متجدد، فالخالدون لا يعرفون الولادة ولا الصبا والفتوة والكبر ولا البحث. كل شيء مجعول في بديهتهم وهم جوامد وإن أدوا فروضهم متحركين. والتجدد أفضل من الخلود. والمعمرات من أشجار روضتك تهرم وتدرن ولن تعيد لها نظرتها مهما شذبت، ما لم تقلعها وتغرس غيرها من بذرها أو من عودها. وهي كشجرة باقية، ولم يحدث غير أنها تجددت. وبيتك الذي من تراب وماء هو يهرم مهما عدلته ورممت ولو ألف مرة، ولن يقر لك العيش فيه ما لم تعيد بناءه. والتراب والماء خالدان في الكون الواحد. وأنت تخلطها مرة فتبني بيتا ثم تعود وتخلطها مجددا فتعيد بناء البيت جديدا نظيفا زاهيا، ثم تعيد خلطها ثالثة فتبني من جديد. وأنت تهرم وتذهب ليخلفك نسلك، فكيف تحسب إنك فان بينما نسلك الذي منك ورأيته وكوّنته، هو الذي يخلفك ودمه وروحه متواتران منك؟ ومع كل ولادة وتجدد نُظرة، ومع كل صبا ويفاعة نشوة، ومع كل كد بحث ومع كل عيش لذة، ومع كل موت أمل بحياة جديدة. فأيهما المغبون حقا؟! ذلك الخالد الجامد المأمور العارف فقط بما دونه، أم المتجدد الباحث المسموح له بمعرفة كل شيء دونه وفوقه؟؟ (وبدت ابتسامة انتصار على الذات وقد أفحم الوافد)

-  ها (ولمّ الوافد شتات عقله ثانية) كيف لي بالرد بلا قياس؟ أنا لم أعش الخلود لأحكم، بل كيف بالقياس والمقارنة وأنت الحاكم والحكم؟!

-  أنت تكابر! (قال الذات شامتا)

-  لا والله!

-  ماذا قلت؟!

-  قلت الله، ألا تعرف هذا الاسم؟!

-  دعك من علمي (قال الذات بحدة) أنت أردتها سؤال وجواب واحتكام، فأجب؟!

-  إنها كلمة نكنّيك بها وعلمتنا إياها الدهور، ونقسم عليها لنؤكد ما نقول ونضمر. أتمنعنا من هذا؟!

-  ليس هكذا، فقط لا تتوخ التأكيد والقسم أمامي،،

-  نعم نعم! لا حاجة بي للتأكيد أمام من يعلم الدخيلة قبل تكونها،،

-  لنعد الآن إلى تظلـّمك، قل لي: على فرض أن ما قررته لك هو إجحاف بحقك، وأنك متأفف من أنك قد وجدت نفسك في القرار بلا إرادة كما يحلو لك القول، أترى التأفف والحنق نافعك وأنت تدري مصيرك؟!

-  فأين السعادة؟!

-  أليس في قرارك سعادة أ مبعث للسعادة، ألم تسعد مرة؟!

-  أسعدت، وأعرف، إنما ليس كسعادة الخلود.

-  فهل أنت واثق من أن الخالدين الذين رأيتهم في طريقك إلي سعداء؟!

-  لا أدري، رأيتهم يعملون برضى ولا ملل، فافترضتهم سعداء.

-  هل رأيت مشاعر السعادة عليهم

-  نعم،  أعني على أهل لجة الشرق من الأصول، أو على مجموعة تشبه الطير بينهم

-  لهؤلاء شأن آخر، لكن الذين يفعلون، هل لمحت سعادة عليهم

-  لا،، ربما كان لسعادتهم ملمحا آخر لا أدركه،

-  ليس لهؤلاء مشاعر، فلا سعادة لهم إذن. المشاعر عندكم أنتم فقط، فاشكرون!

-  نشكر، وقد أقرنت السعادة بالمصير والمصير بالكد والكد بالخير والشر؟!

-  وما أدراك ما الخير والشر؟!

-  عفوا (وضحك الوافد متهكما) ماذا تقول؟!

-  أتتهكم! (سأل الذات محتدا)

-  لا أخفي عليك (قال الافد جادا) نعم أتهكم. لأن ما تقوله يلغي مقاييسك عن الخير والشر التي كلفت من يخبرنا عنها.

-  كلفت فأخبركم، أو تكهنها أحدكم لا يهم، لكن ما هي تلك المقاييس بنظرك؟!

-  كأنك جاهل بها، أو التبست عليك؟!

-  قلت دعك من علمي! (قال الذات بجد) لنلتزم بما اتفقنا عليه، سؤال وجواب صريح مني ومنك،،

-  أنا أعتذر! (قال الوافد وطأ رأسه خجلا)

-  مقبول، ولا تطء رأسك وأنت هنا ولا ترفعها. لكن اعتذارك لا يعفيك عن الجواب، قل ما هي مقاييس الخير والشر عندك؟!

-  كلما زدنا التعبد أثِبتنا، وما فاز عندها غير المحظوظين!

-  أي محظوظين تقصد؟!

-  الذين يجدون من يعمل لهم وعنهم، بينما هم يتفرغون لعبادتك الليل والنهار!

-  ما هذه الترهات؟! (والكلمة لم تكن "ترهات" إنما معبرة عن رموز هذا الطيف)

-  فلماذا فضلتهم بالأرزاق؟!

-  وهل كل مرزوق يتعبد؟! وما فائدة الزيادة بالتعبد ولمن؟! قد أقرنت الرزق بالسعي، ومن سعى يرزق ومن لم يسع لا. فأيكم منعته عن السعي؟ بل كيف أمنع أحدكم عن سعي العيش بينما منحته سعي العلم لما دونه وفوقه؟!

-  هناك حالات فاز فيها اللاساعون!

-  تبّا! (قال الذات ونفض يده)

-  لا تغضب! (قال الزافد محتدا) أم تراني أفحمتك !؟

-  عذرا عن الغضب. أما عن الإفحام، فدون كل الموجودات وضعت فيكم فقط مما عندي من علم إدارة الأكوان. أنتم وحدكم وضعت فيكم العقل والميزان والحكمة والتمييز. ليس بين من رأيت وأنت في طريقك إليّ من يفهم الخير والشر ولا العدل والظلم ولا الشروع ولا إعادة النظر. هؤلاء يعملون بما هم مجعولين ومجبولين عليه. أما أنتم ففيكم جذوة مني تبحثون وتستنبطون وتعالجون وتقيسون. وهذا الذي جاءه الجاه بلا سعي كما تفهمون، أمره أيضا بين أيديكم، فعادلوا واعدلوا وقاصصوا وساووا وتشارعوا وراجعوا ما تصنعون وتجدون حالكم عليه. أم أنك لا ترى هذا فيكم؟!

-  أراه واشهد لك عليه،،

-  فلكل حال حكم ولنقيضها قصاص، والقصاص في أيديكم

-  لكن ليس دائما!

-  دائما دائما، لكن للساعين وليس القاعدين!

-  وما المتاح للسعي وكل شيء مقرر سلفا؟!

-  مقرر نعم. لكن فيكم جبلة البحث والاستنباط. وفيها لكم خيار مشروط،

-  أفسدت الخيار إذن

-  ليس كذلك. أنت تكد باختيارات كثيرة جدا، لكن نتيجتها واحدة مشروطة وهي إشباع الرغبة. ولك الخيار في التفكير لتصل عبر شتى السبل إلى حقيقة واحدة. لك خيار لكن ضمن قرارات سابقة، نتيجتها مهما اختلفت واحدة. المقرر سلفا هو الموجود، وكل موجود حقيقة، تصله عبر مسالك لا حصر لها تحت خيارك. لكل مسلك خصائصه المقررة سلفا، بعضها تراه سهلا والآخر تراه وعرا، وهذا كل ما في الأمر. وإن لم تصله أنت يصله غيرك. وما لا تعرف قوانينه تراه حظّا. ونتاج الخمول مثلا مقرر سلفا، ونتاج طريق السعي أيضا مقرر سلفا، والخيار في يديك لأنك مجبول على تجدد يحتاج للسعي.

-  وهل من ضمان للسعي؟!

-  لا يسأل الساعون عن الضمان، والقرار المسبق هو أن لا يخيب من يسعى، وقد سخرت لكم وأذللت كل شيء

-  أترى كل ساع سعد؟! (سأل الوافد)

-  نعم إذا أدرك. وكل الغايات حقائق موجودة، وهي أمامكم

-  والمَلـَكات؟!

-  كل ملكة تنمّى أو تعوض بأخرى، والمدد كاف والمعين كبير

-  حتى الإثابة مقررة سلفا إذا

-  نعم!

-  فمن هم أكثر المثابين؟!

-  الهادون الحياة لأجلي!

-  أعطنيها بأعرافي؟! (رجا الوافد الذات) فسّر لم أفهم، أتقصد الاستشهاديين!

-  نعم هم، ومن أختارهم مرسلين، لا يدخل حضرتي غيرهم، وهم الطيور المطوقة في لجة الشرق التي رأيت

-  فحتى هؤلاء بقدر مسبق؟!

-  نعم! وهذا شأني!

-  فأين العدل، أنت تختار وأنت تثيب!

-  لا اختار بغير امتحان، سوى من أجعلها فيهم جبلة فيحملوها طائعين

-  لكنك لم تعدل في غيرها!

-  أين؟!

-  كوكب من تراب وكوكب من ماس، هذا ظالم وذاك مظلوم، نفس قاتلة وأخرى مقتولة، مقربن وقربان!

-  أها (رد الذات وشيء من الحزن خالط جوابه) فلنفترض أنكم وحدكم الساكنون الأكوان، وأن الأمور تسير فقط بما ترضون من معايير، فقل لي إن كنت زرعت أو جنيت سنبلة أو وردة أو تفاحة من أرض من ماس مهما سقيت؟! هل نبت بستان على أرض من الذهب أو الفضة. أنا بالعكس فضلتكم على الموجودات بهذا التراب وأكرمتكم، وهو أحسن الموجود. كما ولأنكم ساعون فلن تحيوا بلاه ومنه النبت والزهر والزرع والحصد. وإذ جعلت فيكم جذوة مني، فأصبحتم تميزون، فأنتم تدركون الآن أن الشيء ونقيضه على القرار قرينان. وما من شيء تبغون إلا ومعه قرينه، أي توفرت لديكم خصلة اجتناب الخطر مسبقا. وهي ليست عند غيركم. وهل تدخلت يوما ومنعت قصاصا (سأل بحزن) أو خيرا أردتموه؟! والكل متكامل لا غبن فيه ولا جحف. وإذ جعلت فيكم السعي، أعطيتكم وزاع التواصل مع أصولكم واللاحقين تأخذوا منهم ويأخذون منكم ما تشاءون من المعرفة فما لكم لا تستفيدون؟! (وتوقف قليلا ثم استطرد) أما القتل فبينكم، وقد بينت لكم الحق وعكسه وعليكم أن تأخذون أو لا تأخذون. والحال هنا كما ترى، لا صحون ولا أسمطة للآكل ما تقربنون. أنتم القاتلون وأنتم المقربنون وأنتم الآكلون، فعلام ألام؟!

-  كأنك تتأسى، وأنت الخالق لكل هذا بما فيها الكوارث!

-  وهل رميتكم بالكوارث لهوا؟!

-  من يدري؟!

-  لا أيها الوافد. الكوارث تسري بقوانين وشروط، أعلموها وادرأوها، ولن أعترض لو تبحثوا فيها وتعرفون!

-  اعرفوها! (تمتم الوافد متندرا)

-  هل مانعت أو حجبت عنكم؟! أتريدونها جاهزة، فهي أصلا جاهزة، أسعوا قليلا وترون!

-  في الواقع (وخفت روح الهجوم عند الوافد، وتريث لحظة، بينما علائم الحزن لازالت تلف بعضا من سحنة الذات) لم نعرف إن كنت تسمح أو تمانع. أنا أعتذر عن حدة الأسئلة!

-  لا يهم! اتفقنا على وجوب الرد، فواصل!

-  اقبل اعتذاري أولا!

-  قبلت!

-  فقل لي (وتريث الوافد قليلا قبل هذا السؤال الذي نطقه في تضرع) أتراك حقيقة تعرف دقائق أكوانك ما سلف منها وما خلف؟!

-  نعم!

=  مبالغة!

-  لا ليس مبالغة! (وعادت إلى الذات سحنة البهجة بسبب هذا السؤال الدهرى من الوافد) أنت مثلا تعرف أوضاع جسدك وتدرك أين علته رغم العدد الهائل الذي به من كائنات، كل كائن قائم بذاته، كما تعلمون. وتعـرف حال مركبتك وهي مما لا حصر له من المكونات. وكائن أصغر من أن تراه، يعرف طريقه ليصيب كائنا في جسم نون ولا تعجبون. ولاشيء إلا ويعرف طريقه ومحيطه وعدوه ومأمنه صغر عن الرؤيا أو كبر. وكل حي يحلم ويفكر ويعشق ويحيى،،، وكل أمر من هذه له آلية معقدة فوق التصور ويديرها عقل أصغر من حجمها بكثير (وقد تحول الجدل إلى المعايير البشرية نهائيا) وأنتم خلال فترة قصيرة صنعتم عقولا أقل من أظفر الإصبع وتفعل الكثير، فكيف بي وأنا الأزلي الذي صنع هذا الكون وما قبله وعلم خواصه ودقائقه، أتسكثر علي إدارته؟!

-  فكيف تعالجه؟!

-  لكل حي مقتل ومحيى، ولكل أمر مفتاح ولكل شيء قرين أصغر منه بما لا يقاس. ألم تمر قبل قليل بمرحلة النواة، فكم يحتاج مني لأعالج هذه النواة، التي هي قرين كل شيء مضى عليكم وآت؟!

-  أتنو تغيير هذا، لهوا أو تحسينا

-  هذا مناط بي.

-  فهناك احتمال أن تغير إذن؟!

-  وكيف عرفت؟!

-  من جوابك الموارب، فلو لم تتوفر النية لقطعت، ولو حتم التغيير لأخبرت

-  يا للإنسان! (قال بشيء من الزهو والاعتزاز) كنت أعرف أنك ستصل إلى هذا الاستنتاج الجميل!

-  فهل هناك احتمال بالتغيير أم لا؟

-  حتى الآن لا! فهو نظام انتقيته بعد تجارب وحقب ويعمل على خير وجه، ويشغل أقل حيز ممكن، ولا أرى ضرورة للتغيير

-  أها! (قاطعه الوافد) فالضرورة قد تحتم عليك تغيير الخلق والأقدار حقا؟!

-  نعم! (أجاب الذات بهدوء)

-  فقدرتك ليست مطلقة إذن وإنما وعيتها بالتجربة! أي أنك لست علاّم الغيوب مسبقا، وإلا ما حاجتك للتجربة

-  أنت تخلط

-  فافصح!

-  قل لي أيها الإنسان الملحاح، أيهما الأكثر سطوة، باني الصرح أم هادمه؟!

-  رب هادم أسطى من بان (أجاب الوافد) إنما البناء أصعب، فلا يبني سوى الأشداء

-  أتدرك بأن باني الصرح عالم بما سيؤول إليه صرحه؟

-  أدرك

-  فكيف بمن يغير شكل الصرح وهيكله وهو مبني؟!

-  لابد ذو بأس وإبداع

-  فمن رب هذه الأكوان وبانيها؟! (صار الذات يرفد الوافد بالأسئلة على عجالة وكل الجد على ملامحه، بل لم يبد عليه أنه يجادل واحدا من صنع يده)

-  أنت، وأشهد وأقرّ

-  وكيف بنيتها؟

-  لا أعلم الكيف، إنما بنيت بفعل التكوين!

-  وتدرك أني لو شئت لهدمت البنيان أو غيرته كله أو جزءه

-  نعم!

-  كيف!؟

-  لا أعلم الكيف، إنما لابد وبفعل التغيير

-  فإذا كان صاحب الصرح وبانيه وهادمه أو مغيره إذا بدا له، واحدا أحدا، وهو،،

-  أنت (قاطعه الوافد) نعم أنت، فسبحان قدرتك!

-  اقتنعت؟! جيد. ليس تغيير الخلق وقسطاسه ينفي العلم المسبق، إنماه قدرة مطلقة مع قدرة مطلقة، وفعل تكوين مطلق مع فعل تغيير مطلق وتخليق مطلق مع تخليق. ومجموع المطلقات مهما كثرت هو مطلق واحد! وكله في يدي، فما أخلقه أعلم نتائجه لذا أغير حسبما أقتضيه.

-  وقد تأخذ البريء بذي الذنب خلال التغيير

-  ما أن يجتمعا على الجرم. فمن سوّد الجاني جناة، ومن اتبع الجاهل جهلة، ولا تؤخذون إلا وأنتم مبطلون، ولا ضير.

-  لا ضير وأنت المصدر وواضع الديدن؟!

-  وقد يسرت لكم فاعلموا وادرأون!

-  حلا لي الآن (وتريث الوافد ثم أضاف بخشوع) أن أدعوك باسم طافني في القرار يوما ما، وهو - السيد العلي، فهل تعارض؟!

-  أعارض! (قال وضحك، ثم انتقل إلى الهجوم الودود) حسبي أن تكفوا بعضكم البعض الشرور

-  أيها السيد العلي! (قاطعه الوافد) صارعت غيرك وانتصرت ولكن لا وريث لمجدك، وأنت صاحب السطوة الأعلى وحرمت نفسك الأهل والعشير، وفي كونك ما لا يعد ويحصى من الجمال وأنت عاف عاكف عنه، ولك الملك المطلق بكل زروعه وجنانه بينما أنت منزو في قفر عمائي موحش كهذا، أتراك سعيدا لوضعك؟!

-  هذا شأني! (وبدا كما لو إنه تنهد) لن تدرك ولن تفهم وإن أخبرتك!

-  حقا لن أفهم! فلكل منا، أنا وأنت، معاييره. إنما لو منيتني، أيها السيد العلي، لما تمنيت وضعا كوضعك - عاط مجحود، وعادل ملام، وعلاّم مغبون، ومالك مستوحش، وخالق عازف، وعليه أيها السيد العلي، اعذرني إنّي لا أحسدك على مأساتك هذه!

-  جميل!

-  سيدي العلي، (قال الوافد بخشوع وفرحة عارمة) أنا راض بما قسمته لي، أنا لا أرغب أكثر من هذا، أنا سعيد وأقسم بك أني سعيد. وأجمل ما في سعادتي وأقوى مبعث لها هو أن أمرها رهن يديك!

وعرفانا بالجميل على هذه الكلمات، وضع السيد العلي راحته على صدر الوافد، فإذاها رقيقة خفيفة لطيفة باردة، نفضت عن الوافد تبعات ما سحره به أصله في أول الرحلة. وبدأت المشاعر الأليفة تعود إليه، ثم سرعانما انفتق شق لاحت عبره كائنات جميلة، ليست من ذلك العالم المسحور المخيف المجرد، واتسع الفتق رويدا، وعملت البصيرة، ثم أزاح الكتاب عن وجهه، فوجد ابنته دجيلة مبتلة، وقد جاءت من الشط للتو تجلس على بطنه وتحتضن أختها روز الرضيعة، وتأكل بقية العنب الذي على صدره.

                             *****

عاد إلى وعيه، وفاق من غفوته، وبلع ريقه، وتحسس المحيط،، هذا الدنيوي الجميل، ثم التفت جانبا فملأ عينيه جسد زوجته شيماء الحنطي وشعرها الأسود المسدول وعينيها الواسعتين تجلس إلى جانبه بملابس الشاطئ تقرأ باهتمام كتابا عن الطبخ. ورأى ابنته البكر نجدانة ليس بعيدا ترسم على الرمل وتحادث صبية أخرى، ورأى الناس تسبح وتلعب، والألفة والسعادة تغمر الألوان والزرع والطيور والسماء الصافية، والشمس تغمر رافعة الكوكمز البيضاء، وتغمر الجسد البرونزي الباهر للصبية لاعبة الكرة وقد انكبت على وجهها تتشمس.

كل شيء يبتسم ويتحرك ويصخب ولا يذكر بتلك العوالم الموحشة. فابتسم أولا، ثم أخذته رعشة قوية ما لبثت وعمت جسده من الرهبة. فتلمس المحيط مجددا خوف أن يكون لازال هناك، أو ليثبت أنه حقا في هذا العالم السعيد الجميل. وقامت دجيلة عنه حاملة أختها روز، فنظر إلى الكتاب، وقال في نفسه يخاطبه: " لن أقرأك ثانية، كل هذا من معراج إيتانا ومسلة حمورابي، ومن ذلك المقال الذي قرأته عن الثقوب السوداء " 

ومشى إلى الماء، ليغسل وجهه، لكنه رفع رأسه إلى السماء، كأنما يعتذر على التجاوزات التي صدرت منه خلال رحلته الطيفية تلك، وقال:

-  أيها السيد العلي! قد تطاولت أنا على الأسرار بلا إرادة، فاعذر!

-  بابا ! (صاحت دجيلة) لا تنظر إلى الأعلى وأنت تسير! ستسقط!

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث