الحلقة الثالثة الفريق أول ركن نزار الخزرجي يتذكر

المتواجدون الأن

389 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

الحلقة الثالثة الفريق أول ركن نزار الخزرجي يتذكر

الفريق أول ركن نزار الخزرجي يتذكر : وزير الدفاع ورئيس الأركان أبلغا باجتياح الكويت بعد حصوله ! قلت 
سنخسر الحرب فأنهى صدام الاجتماع غاضباً واتخذ قرار عزلي
الحلقة  (3)
هذا يَحدث في العراق وحده. صباح الثاني من آب اغسطس 1990 رن الهاتف في منزل الفريق اول ركن نزار الخزرجي رئيس اركان الجيش العراقي. كان المتحدث سكرتير عام القيادة العامة الفريق علاء الجنابي الذي طلب من رئيس الاركان التوجه الى مقر القيادة. وفور حضور الخزرجي عاجله الجنابي بكلمات ثلاث: "اكملنا احتلال الكويت". وبعد ربع ساعة وصل وزير الدفاع عبدالجبار شنشل فزف اليه الجنابي النبأ. هذا يحدث في العراق وحده. يأمر الرئيس باجتياح بلد مجاور ولا يعرف وزير الدفاع ورئيس الاركان الا بعد اكتمال المهمة. روى الخزرجي ان خروج العراق منتصراً من حربه مع ايران شكل نقطة تحول خطيرة في شخصية صدام حسين المسكون بهاجس صورته في التاريخ. وقال ان صدام شعر بالخيبة من مواقف الدول القريبة والبعيدة معتبراً ان العراق الذي منع ايران من تصدير ثورتها وارغمها على الانكفاء الى الداخل لم يعامل بعد الحرب بما كان يستحقه. واضاف ان الخيبة تحولت مرارة وغضباً بعدما اعتبر صدام ان جهات دولية شجعت الكويت على المساهمة في رفع اسعار النفط. وحكى قصة اللقاء الاول مع صدام بعد الاجتياح وملابسات عزله من رئاسة الاركان بعد اسابيع عندما قال: "لن نتمكن من القتال وسنخسر الحرب" فرد صدام بانهاء الاجتماع وارسل اليه كتاب عزله. وقال الخزرجي ان صدام تولى شخصياً وضع خطة اجتياح الكويت في حضور صهره حسين كامل وابن عمه علي حسن المجيد.
وهنا نص الحلقة الثالثة:
* ماذا تغير بعد وقف الحرب العراقية ـ الايرانية وشعور صدام انه خرج منتصراً؟
- طبعاً نهاية الحرب بالشكل الذي حدث لم تكن متوقعة حتى من قبل صدام حسين. لهذا حصل عرس في العراق استمر فترة. نهاية الحرب على هذه الصورة كانت نقطة تحول خطيرة في شخصية صدام حسين. شعر انه بطل الامة وحاميها وليس حامي العراق فقط. اعتبر نفسه حامي الخليج.
* كم كان ناقماً على سورية بسبب موقفها من الحرب؟
- كان ناقماً بشدة ويصنف نظامها في طليعة الاعداء. لم يكن يشرك العسكريين في الاحاديث السياسية التفصيلية. لكنه كان يمرر عبارات تعبر عن ألمه من موقف بعض الدول العربية خصوصاً انه وضع الصراع في سياق الصراع بين الامة العربية والفرس. لومه يشمل سورية بالدرجة الاولى ثم ليبيا والجزائر. كان يعتبر السعودية والكويت ودول الخليج والاردن والى حد ما مصر، بعدما عمل على اعادتها الى الجامعة العربية، دولاً ذات موقف جيد.
350 بليون دولار
* ماذا حدث بين 1988 وغزو الكويت وقد كنت رئيساً لاركان الجيش؟
- كان صدام يعتبر ان نجاحه في اضعاف الثورة الايرانية وقدرتها على الامتداد الى خارج حدودها عملا وفّر الحماية للعراق ودول الخليج واقطار عربية اخرى. كان يتحدث عن اهمية المحافظة على البوابة الشرقية للامة العربية. اعتبر ان هذا الدور الذي كلف العراق كثيراً يجب ان يقابل بشعور عميق بالعرفان والامتنان من الدول العربية. توقع ان يهبّ العرب لمساعدة العراق بعد الحرب وان يقدموا مساعدات هائلة. توقع ايضاً ان يشعر العالم الغربي نحوه بالامتنان لان هذه الثورة معادية له. وتوقع الشيء نفسه من المعسكر الاشتراكي لان الثورة الايرانية كانت تنذر بزعزعة استقرار الجمهوريات الآسيوية السوفياتية. لفهم هذا الشعور يجب ان نتذكر ان العراق دخل الحرب ولديه فائض مقداره 43 بليون دولار وخرج منها مديناً بحوالى 70 بليون دولار نحو نصفها للدول العربية. كان يتوقع مساعدة اكبر. خرج العراق منتصراً من الحرب لكن بمشاعر الجريح. على مدى ثماني سنوات توقف كل تطور وعادت قطاعات كثيرة الى الوراء. ديون ضخمة والمشاريع متوقفة والبطالة عالية. اصيب صدام بخيبة عميقة من العرب والعالم وتحولت الخيبة مرارة. كان يتوقع ليس فقط ان تقوم الدول بالغاء ديونها بل ايضاً ان تقدم مساعدات. العراق انفق في الحرب اكثر من 350 بليون دولار قدمت الدول العربية منها 40 بليوناً. اعتبر صدام ان العراق تحمل العبء نيابة عن الآخرين ايضاً. رأى صدام ان العراق هو السد امام حلم ايران بتصدير الثورة وان انهياره سيسقط الانظمة في المنطقة. واعتبر العراق نقطة توازن ومصدر مناعة للعرب. في هذا الجو بدأ الحديث عن خروج دول عربية عن الحصص المحددة لها في سوق النفط ما ادى الى هبوط الاسعار. ردد ان عائدات العراق من النفط لا تكفي لخدمة فوائد الديون. استغرب اقدام الكويت والامارات على زيادة الانتاج مع علمها ان المتضرر الكبير هو العراق. بعدها تصاعد الحديث عن قيام الكويت بسحب النفط من الجزء العراقي من حقول الرميلة مستفيدة من طبيعة الارض هناك. امتعض بشدة وادعى ان الكويت تسرق النفط العراقي. توصل الى استنتاجين: الاول ان ثمة جهة تستخدم خفض سعر النفط لاضعاف العراق، واتهم اميركا والدول الغربية بالايحاء بهذه السياسة. والثاني اعتبر الخطوة الكويتية بسحب النفط العراقي طعنة له. 
* كيف لمستم التغيير؟
- منذ الساعات الاولى لوقف اطلاق النار، احتشدت الجماهير للاحتفال وأطل عليها بالملابس العربية ونظراته تتجه الى ما بين الارض والسماء. تغير تغيراً حاداً. لدى صدام عقدة بطل الامة. الخلود هاجس عنده. يريد دخول التاريخ واحتلال موقع استثنائي فيه حتى وان دخله بشكل سيئ.
دروس ستالين
* بمن كان معجباً من الزعماء؟
- كان معجباً بستالين واسلوب ادارته للحرب العالمية الثانية. وزع على القادة العسكريين كتاباً سوفياتياً عن تلك الحرب يتحدث عن براعة ستالين في ادارتها. الحقيقة ان صدام كان يعتبر نفسه قائداً عظيماً. حاول ان يقلد قسماً من خطوات ستالين خلال الحرب لكنه قلدها بشكل مشوه. وضع كل الامور الاستراتيجية في يده على غرار ما فعل ستالين. كان يعتبر انه قادر ان يكون اكبر من جمال عبدالناصر.
* عقدة التاريخ كبيرة لديه؟
- يعيشها في شكل يومي. لا تستغرب ان يكون يعتقد انه ابرز قائد منذ ايام صلاح الدين.
* ولديه مخاوف امنية ووساوس كستالين ايضاً؟
- ليس هناك في العالم من هو ابرع منه في موضع الامن وضرب الاخطار المحتملة ضده وضد نظامه. انه يحب هذه المسألة وتأخذ جزءاً غير يسير من وقته. انه بارع وخبير ومجدد.
* من يضمن امنه؟
- الاقارب واصحاب الولاء المضمون الذين اغرقهم بأفضاله ومع ذلك يبدلهم باستمرار. اقرب الاشخاص لديه لا يعرفون بتنقلاته واماكن وجوده. انا كنت رئيساً لاركان الجيش. كنا نستدعى لمقابلته فتأخذنا سيارات معينة مع ستائر ومن ثم يسيرون في اتجاهات معينة ثم نجد انفسنا في قصر او مقر. يهوى هذه الاشياء. يمكن ان يستقبلك في القصر او في البر او في كارافان او في بيت شعر. لا يقيم في مقر واحد. اذا اراد الانتقال يبلغ الحراس في الوقت المناسب. اعطى الشوارع ارقاماً وصار يقول لحراسه ان يأخذوه الى الشارع 47 ومنه الى 25 وهكذا. وحين يخرج تخرج في الوقت نفسه مجموعة مواكب متشابهة. احياناً يدير امنه شخصياً.
* هناك من يلعب دور البديل لصدام؟
- نعم هناك اكثر من واحد. لكن اذا اقتربت منهم تعرف انهم ليسوا صدام. هناك مبالغات في شأنهم. يستخدمون في مواكب التمويه لا في استقبال وفود.
* يخاف من ان يدسّ له سم في الطعام؟
- لا يأكل الا من الاكل الذي يصطحبه معه وهناك من يفحص الاكل ويتذوقه. هو بالمناسبة يحب الطعام. لاحظته يأكل ببطء وشهية.
* هل يمزح؟
- يحب الضحك والنكات. وفي الغالب يمازح المقربين منه مثل عزة ابراهيم ولطيف نصيف جاسم ويضحك وتهتز اكتافه. ليس مزعجاً في الجلسة. بالمناسبة انه رجل صبور يستمع في الاجتماعات حتى للكلام المكرر.
* هل يستخدم تعابير قاسية؟
- لا. انه مؤدب لا يستخدم الالفاظ الخشنة. لائق لكنه مهيمن وصاحب سلطة.
* متى شعرتم ان الكويت يمكن ان تستهدف؟
- قبل ما يزيد على شهر خرج التوتر الى العلن. الغريب انه خلال مؤتمر القمة العربي الذي عقد في بغداد قبل الحرب بنحو اربعة شهور منح صدام امير الكويت الشيخ جابر الاحمد ارفع وسام عراقي.
* لكنه تصرف في القمة وكأنه عبدالناصر الجديد؟
- تصرف وكأنه اكثر من عبدالناصر. قلت ان التوتر ظهر. بدأ الاعلام يكتب عن زيادة اسعار النفط وسرقة النفط. جرت اتصالات لم تبدد التشنج. لكن لم يدر في خلد احد ان العراق الذي يدعو الى وحدة الامة ويدعي انه دافع عن الامة يمكن ان يقوم بغزو الكويت ويشطب دولة عربية من الوجود.
* هل لاحظتم كرئيس للاركان تحركات عسكرية؟
- بحسب التقسيم المعروف فان الحرس الجمهوري يتبع مباشرة القائد العام اي صدام. الحرس الجمهوري كان يتدرب عادة في مناطق مختلفة في العراق. في تلك الفترة كانت التدريبات تجري في منطقة البصرة وفي اطار التدريبات السنوية. لذلك اجتاح الكويت مستخدماً الحرس الجمهوري. لم يتنبه احد لان التدريبات اعتبرت عادية.
* متى عرفت بالغزو؟
- كنت نائماً في منزلي ليلة الاحداث. اتصل بي صباحاً سكرتير عام القيادة العامة الفريق علاء الدين الجنابي وطلب ان اذهب الى القيادة العامة وحين دخلت مكتبه قال: "اكملنا احتلال الكويت". سألت كيف؟ فقال: "الحرس الجمهوري والقوة الجوية وطيران الجيش انهوا احتلال الكويت". بعد ربع ساعة وصل وزير الدفاع عبدالجبار شنشل وتم ابلاغه بالطريقة نفسها. تصور ان الجيش يدفع في مغامرة من هذا النوع من دون علم وزير الدفاع ورئيس الاركان.
موعد مع القائد
بعد ثلاثة او اربعة ايام حصل اللقاء الاول مع صدام حسين. استدعينا، وزير الدفاع وأنا، إلى لقاء ونقلتنا السيارات إلى منطقة الرضوانية. وبعد دوران في شوارع جانبية كان هناك كارافان. دخلناه فوجدنا خرائط معلقة على جدرانه. بعد ربع ساعة دخل صدام حسين. قال: "أرجو أن لا تزعلوا، أنا لم أخبركم بعملية تحرير الكويت وهذا لا يعني انني لا اثق بكم. فعلت ذلك لسببين: الأول هو انني لو ابلغتكم لقمتم بسلسلة من الاجراءات من بناء الخطط إلى الاستعداد كوزارة وهيئة أركان وكان من شأن ذلك أن يلفت النظر ويكشف السر، وأنا أردت أن تكون العملية مفاجئة. الثاني انني حررت الكويت بالقطعات التابعة لي مباشرة وليس قطعاتكم. بعدها قال لي: "فريق نزار، اريد أن أسحب الحرس الجمهوري وأريد منك استطلاع منطقة الكويت ووضع قطعات من الجيش مكان الحرس الجمهوري الذي سنسحبه إلى المنطقة الحدودية ليكون احتياطاً". لم يبد صدام مبتهجاً في الاجتماع، كانت ردود الفعل الدولية شديدة.
حين يغضب الرئيس
وبعد أربعة أسابيع من الاجتياح كتبت تقريراً عملياتياً بينت فيه كيف ستحدث المواجهة والاتجاهات التي ستسلكها قوات التحالف، مقارنة بين إمكانات الجانبين. وأشرت بشكل واضح إلى أن الحرب واقعة بنسبة مئة في المئة، وسنخسر هذه الحرب. ووضعت في التقرير توصية بأن ننسحب ونحل المشكلة بالوسائل الديبلوماسية. في 18 أيلول سبتمبر 1990، أي بعد نحو ستة أسابيع من الاجتياح، استدعانا صدام إلى اجتماع حضره وزير الدفاع وأنا وقائد القوة الجوية ومدير الاستخبارات، كما حضر سكرتير عام القيادة العامة الجنابي. منذ بدء الاجتماع بدا صــدام منزعجاً. قال صدام: "فريق نزار أنت أعددت تقريرين اريدك أن تناقشهما". بدأت في عرض التقريرين وأشرت إلى أن الإمكانات ليست متكافئة أبداً، ما يعني أن ليست هناك فرصة للقتال وسندمر في اماكننا. قلت إنه ستكون هناك غارات شاملة تستهدف تدمير المواقع الحساسة والبنية التحتية لفترة لا تقل عن شهر قبل أن يبدأ الخصم بضرب القوات عبر هجوم بري. انفعل صدام وقال: "شنو، ليس هناك هجمات جوية تدوم شهراً، مجرد يوم أو اثنين وتبدأ المعركة الأرضية وفيها سنلقنهم الدرس". أجبته: "سيدي، لن تتاح لنا فرصة مثل هذه المواجهة، سيدمرون الجسور والثكنات والمصانع وفي النهاية سيرتدون على القوات الأمامية". كنت لا أزال في الجزء الأول من حديثي حين وقف مستاء، فوقفنا كلنا وخاطبني قائلاً: "فريق نزار لماذا لا تقول صراحة أنك لا تريد أن تحارب". آلمني الكلام وأنا ضابط محترف أتحدث بصراحة عن موضوع يطرح مصير البلد. قلت له بعدما فاجأني كلامه: "سيدي، أنا عسكري وأمضيت عمري في الجيش ورئيس أركان الجيش ولهذا السبب يجب أن أقول لكل الحقيقة. سيدي الحقيقة أسوأ مما ذكرت". فرد: "إذاً ينهى الاجتماع". ظهر الغضب واضحاً في عينيه. خرجت من الاجتماع متعباً ومتألماً. بلد يندفع نحو الحرب والرجل المسؤول لم يأخذ في الاعتبار انني أتكلم انطلاقاً من حبي لوطني واستناداً إلى خبرتي. خاطبني صدام وكأنني خائف. في الحقيقة كنت خائفاً على بلدي،   في اليوم التالي، وبعد الدوام، جاءني أحد الأشخاص الذين يعتمدهم صدام في نقل رسائله الشخصية واسمه ماجد ويعمل في القصر. سلمني رسالة اقالتي من منصب رئيس أركان الجيش. جاء في الرسالة ما أذكره: "من صدام إلى الفريق أول نزار الخزرجي، يصعب عليّ تبليغ الرجال والعسكريين منهم بصفة خاصة بتغيير مواقعهم. المرحلة الحالية تتطلب تغيير موقعك. نشكرك على كل الجهود والفعاليات التي قمت بها في حرب القادسية. عينت الآن في منصب مستشار في رئاسة الجمهورية. نتوقع أن تقوم بهذا الواجب كما عهدناك سابقاً. صدام حسين". الحقيقة أن المنصب الجديد رمزي وبلا أي قيمة ولذلك لم أدوام. اتصلت بالسكرتير العام للقيادة العامة وقلت له: "أنا موجود في البيت إذا كان لديكم ما تريدون رأيي فيه ارسلوه إليّ أو احضر اليكم إذا كان هناك ما يمكن أن أعمله". وهذا كان وضعي، مستشاراً عسكرياً في رئاسة الجمهورية، إلى أن غادرت البلد في 1996.
* أين كنت خلال الحرب؟
- كنت في بغداد. ولم استشر بشيء.
* من وضع خطة غزو الكويت؟
- ما عرفته هو أن صدام وضع الخطة شخصياً في حضور حسين كامل وعلي حسن المجيد. ربما استعانوا بآخرين من المقربين لمسائل تفصيلية، لكن الخطة كانت بين الثلاثة.
* ماذا تغيّر في تعامل النظام معك بعد اقالتك؟
- سحبوا الحرس الخاص الذي كان بين عناصره أقارب لي وكان يتولى حراسة منزلي. نقلوا حراسي إلى مكان آخر وجاؤوا بحراس من "الأمن الخاص" الذي كان يديره قصي. ووظيفة الحراس الجدد كانت متابعتي ومراقبة حركاتي. وضعوا سيارات من "الأمن الخاص" في أول الشارع وراقبوا هاتفي. عملياً صرت في ما يشبه الإقامة الجبرية من دون الإعلان رسمياً عن هذا الاجراء. كانت المراقبة شديدة.
* ماذا كان شعورك وأنت ترى الجيش العراقي يهزم؟
- صدقني لا اريد أن أذكر تلك الأيام الصعبة. أيام مؤلمة ومذلة توفر درساً كبيراً. دمر البلد وأهين الرجل لا يهمه شيء.
* هل تعتبر قصة الكويت برمتها خطأ فادحاً؟
- اعتبرها خطأ مرعباً.
* كم مرة زرت الكويت قبل اقالتك؟
- ثلاث مرات على ما اذكر.
* هل خطط لاحتجاز العائلة الكويتية الحاكمة؟
- طبعاً كان يتمنى.
* تصور ان المسألة تصل الى شفير الحرب ثم تحصل تسوية؟
- نعم. عندما طلب وزير الخارجية الاميركي جيمس بيكر الاجتماع بطارق عزيز لم يفهم ان هذا الانذار ستتبعه الحرب. اعتبر اميركا ضعيفة وبدأت ترضخ وان الوقت مناسب للتشدد وتحسين الشروط. اعطى تعليماته الى طارق عزيز بالتصلب. بيكر لم يخف نوايا بلاده قال لعزيز ان العراق سيدمر وسنعيدكم الى عصر سابق.
* ما قصة تنقله بين الملاجئ؟
- هذا اسلوبه. لا احد يعرف مكانه.
* وفوجئ بموقف السوفيات؟
- نعم، قال له السوفيات كيف تريدنا ان نجازف بحدوث حرب عالمية وانت لم تستشرنا حتى في عملك هذا.
* ما قصة انتفاضة الجنوب والشمال بعد حرب الكويت؟
- كان القدر مضغوطاً جداً وحين رفع الغطاء حدث ما حدث. حتى الشعور الوطني لا بد من توجيه التعبير عنه وضبطه كي لا يذهب في مسارات مخالفة لما هو مقصود. للاسف استهدف المنتفضون في الجنوب الجيش والمؤسسات. وبدلاً من ان ينضم الجيش الى الانتفاضة تم التعرض له فاشتبك مع الناس. استهدف الجيش للاعتقاد بانه على ولائه لصدام في حين انه كان مهيئاً للانتفاض. معلوماتي ان قادة وآمرين قرروا الزحف على بغداد لاسقاط صدام رداً على مشاعر الذل وممارسات الخداع لكن حدوث الانتفاضة وتأخر التنفيذ فضحا الخطة.
* من قاد عملية قمع انتفاضة الجنوب بعد حرب الكويت؟
- تولى قمع الانتفاضة في الجنوب الحرس الجمهوري وقوى امنية وقسم من قطعات الجيش. في تلك المرحلة وزع صدام حسين اعضاء مجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية للحزب على المناطق واعطاهم صلاحيات. وبين هؤلاء عزة الدوري وطه ياسين رمضان وحسين كامل. الى الجنوب ذهب محمد الزبيدي الذي تولى لاحقاً رئاسة الحكومة. الى الشمال ذهب عزة الدوري، الى كربلاء والنجف طه ياسين رمضان وحسين كامل. وزع صدام اعضاء القيادة في اتجاهات عدة. ووقعت صدامات في مدينة صدام في بغداد ادت الى خسائر في صفوف الطرفين لكنها قمعت في النهاية..
 
الفريق أول ركن نزار الخزرجي يتذكر :خرجت لأشارك في التغيير ومئات الضباط مستعدون للتحرك .. ما أصعب ان تكون جنرالاً في بلد يملك رجل واحد فيه حق دفع البلاد إلى الحرب
الحلقة الأخيرة
ما اصعب ان تكون جنرالاً. فالقيادة فرصة وعبء في آن. وما أصعب ان تكون جنرالاً في بلد يملك رجل واحد فيه حق دفع البلاد الى الحرب. وما اصعب ان تكون جنرالاً في عهدة القائد العام الممسك بكل الخيوط والقابض على كل الحقائق والمصائر.وقصة الفريق ركن نزار الخزرجي تروي قصة عقود من عمر العراق. ويقول الرجل الجالس في المنفى ان الحلم الاخير لديه هو رؤية عراق ديمقراطي مزدهر يعيش كسائر الدول، ولشعبه ما لسائر الشعوب من حقوق وتطلعات. ولد نزار الخزرجي في 17/11/1938 في الموصل في عائلة عسكرية. والده عبدالكريم كان عميداً في الجيش، وعمه ابراهيم فيصل الانصاري تولى رئاسة الاركان 1967 - 1968. دخل الكلية العسكرية في 1955 وتخرج في 30 حزيران يونيو 1958 قبل اسبوعين من الثورة التي غيّرت وجه العراق. لقاؤه الاول مع صدام حسين كان في موسكو في 1971. راجع السيد النائب بخصوص مشكلة عمه الذي حكم بالاعدام فوعده، وقال صدام لمعاون الملحق العسكري ان البلاد تحتاج الى امثالك من الضباط. عاد نزار الخزرجي وحلّ صدام مشكلة عمه الذي أُطلق بعد اسبوعين. شارك في حرب 1973 في الجولان وتسلّم قيادة لواء وفرقة. ثم بدأ عهد صدام حسين واندلعت الحرب العراقية ـ الايرانية التي حسمت في عهده في رئاسة الاركان.
وهنا نص الحلقة الاخيرة.
* أخرجك صدام من رئاسة الأركان بعد غزو الكويت ثم استدعاك مجدداً بعد اندلاع الحرب؟
- كلفني صدام حسين ان اذهب الى الجنوب لتشكيل خط دفاعي على نهر الفرات، خاف ان تتقدم قوات التحالف الى الناصرية بعدما تمكنت من احتلال قاعدة علي بن ابي طالب الجوية القريبة. كلفني هذه المهمة وابلغني ان الفيالق الخمسة التي ستنسحب من الكويت ستوضع تحت امرتي. مساء 27 شباط فبراير وصلت الى الناصرية وكان تم التوصل الى وقف اطلاق النار. وهنا بدأت قصة اخرى. في الاول من آذار مارس على ما اذكر، جاءني محافظ الناصرية الى مقري في اطراف المدينة وقال ان السكان تمردوا في ناحية الفهود في اهوار الجبايش وقتلوا مدير الناحية وعناصر حزبية. واخبرني لاحقاً ان الثوار سيطروا على كرمة بني سعيد وبعدها على قضاء سوق الشيوخ واقتحموا دار القائممقامية وقتلوا القائممقام وعناصر حزبية وان تصفيات تحصل. كنا في الناصرية في حدود 23 ضابطاً وجندياً. الوحدات التي كان مقرراً ان تلتحق بنا لم تصل. قصفت القوات المنسحبة من الكويت وكانت الجسور محطمة. في اليوم التالي وصل المشاركون في الانتفاضة الى الناصرية وقتلوا المحافظ واعضاء قيادة الحزب فيها، هوجم مقرنا، علماً اننا لم نقاتل، واصبت بأربع رصاصات في بطني. اندلعت النار في المبنى ونقلني الضباط الى السطح مغمياً عليّ. بعدها توصل الضباط الى تسوية مع مهاجمي المقر ونقلت الى مستشفى صدام في الناصرية حيث خضعت لعملية جراحية. كان وضعي الصحي سيئاً جداً نتيجة تسمم الجرح. في الثامن من آذار مارس وصلت وحدات من الحرس الجمهوري، ففر الثوار من المدينة ونقلت الى بغداد بطائرة هليكوبتر. ادخلت المستشفى العسكري ثم مستشفى ابن سينا الخاص بكبار المسؤولين.
الرئيس والجنرال الجريح
زارني صدام في المستشفى يرافقه سكرتيره عبد حمود. اراد ان يستفسر عما حدث وكان وضعي الصحي سيئاً وحالتي النفسية سيئة. كلّمته بشدة. سألته لماذا كل هذا الذي يحدث؟ ألم أبلغك ان العراق سيدمر؟ لماذا يهاجمنا الناس؟ لماذا يهاجمنا الفلاحون؟ ولماذا يهاجمنا جنود هاربون؟ لماذا كل الناس ضدنا؟ ولماذا حل بالجيش ما حلّ به؟ بدا صدام متأثراً وفي وضع سيئ كان يكتفي بالرد بعبارات قصيرة من نوع يمكن في مثل هذه الظروف ان يحدث ما يحدث؟ الحقيقة انه ما كان ليقبل مثل هذا الكلام لو لم يكن الوضع كارثياً ولو لم اكن مصاباً. مكث صدام نصف ساعة وبعدما طلب من الاطباء الاهتمام بي غادر المكان. امضيت شهرين في المستشفى وبعدها نقاهة لخمسة اشهر.
* متى التقيته لاحقاً؟
- حين كنا ندعى في المناسبات الوطنية والاعياد. باستثناء ذلك لم اداوم في اي مكتب لا في الرئاسة ولا الحزب. لم يتعلم صدام من العبر وازداد الوضع تدهوراً فشعرت ان العمل الوحيد المجدي هو العمل لتغيير النظام برمته.
* هل كانت هناك مؤشرات تململ داخل الجيش العراقي؟
- أعود وأقول إن الجيش جاهز للقيام بهذا الدور، إذا تغير الخطاب الأميركي والدولي وطمأن العراقيين إلى مستقبل بلدهم.
* هل لديك شعور بالخيبة مما رأيته من المعارضة في الخارج؟
- أنا خارج هذه الاطر. اعتقد بأن القوات المسلحة تمثل كل الشعب العراقي. وأعتقد أيضاً أن على القوات المسلحة أن تكون بعيدة عن السياسة. أقول هذا على رغم علاقاتي المتميزة مع قوى موجودة على الأرض، خصوصاً القوى الكردية التي نثق بها وتثق بنا، وهي تعتقد أننا يجب أن نكون معاً لتفادي الأخطار والنزاعات.
* من يفترض أن يقود التغيير حينها؟
- أرى أن التغيير يجب أن تقوده حكومة انتقالية مدنية من العناصر الوطنية في الداخل، وأن تكون ممثلة لكل الطوائف والاتجاهات. وأرى أن تدعم القوات المسلحة هذه الحكومة لإزالة آثار المرحلة السابقة وما أحدثه صدام، وإعادة العلاقات مع دول المنطقة والعالم وإعادة بناء المؤسسات الدستورية واعطاء الحرية للأحزاب والصحافة وبناء قضاء مستقل. وهذه الفترة قد تستمر عامين ثم يذهب الشعب إلى صناديق الاقتراع لاختيار برلمان عراقي حقيقي.
* ماذا عن الموضوع الكردي والفيديرالية؟
- أنا كعربي اعتز بقوميتي وكذلك العراقي الكردي والتركماني. يجب أن يمنح العراقيون حقوقاً متساوية، أي أن يكون الناس كأسنان المشط في ظل نظام ديمقراطي. وأنا أؤمن أن النظام المركزي متخلف. العالم اليوم يعيش عصر اللا مركزية. يجب أن يترك للشعب العراقي أن يقرر أي نوع من اللا مركزية.
* والحل الفيديرالي؟
- أي صيغة يعتبرها الشعب العراقي هي الأفضل يمكن أن نسير بها. اللا مركزية واسعة الحدود وتصل إلى حد الفيديرالية. يجب أن يكون هناك مشروع دستور واضح يطرح على الشعب ويقر ويبنى المستقبل على أساسه. أنا لا اضع حلولاً، أنا أتحدث في مبادئ عامة. الحلول يضعها الشعب. من يرسم حلولاً جاهزة يضع نفسه مكان الشعب.
* هل تخشى من أدوار للدول المجاورة داخل العراق اذا ضعف؟
- بصراحة، العراق كان يعيش بلا سيادة أو استقلال أو كرامة. موضوع تحت الانتداب الكامل بقرارات أممية. لقد خسر العراق استقلاله وسيادته وهو ممزق عملياً. ما بقي حينها هو رجل على كرسي الرئاسة اسمه صدام حسين يمسك بالاجهزة الأمنية.
* هل أعجب العراقيون في البداية بصدام حسين؟
- نعم، في المراحل الأولى رأوا فيه شاباً متحمساً متعلقاً بالمثاليات. كثيرون اعجبوا به ورأوا فيه القائد المقبل الذي يحتاجه العراق. كانوا يفضلونه على أحمد حسن البكر. كان صدام يستقبل ويحاور ويشارك في مؤتمرات. يجب ألا ننسى ان العراق أمم النفط وازدادت المداخيل وحلم الناس بالرخاء واعتقدوا بأن صدام رجل بناء.
* هل كان البكر محبوباً داخل الجيش؟
- لم تكن لدى البكر الكاريزما الموجودة لدى صدام. كان متحفظاً ويخشى على البلد والجيش. ولا يغامر. كان نظيف الكف يعيش من راتبه وفرض الانضباط على أولاده وأبعدهم عن التجارة. كانوا يقدرون نزاهته.
* في الثمانينات، كانت العلاقات متوترة بين سورية والعراق، هل تخوفتم من اندلاع حرب؟
- كان هناك توتر في العلاقات بفعل حساسيات حزبية قديمة أضيفت اليها خلافات حول الأدوار وحول الموقف من ايران ما بعد سقوط الشاه ومسائل أخرى. لم يكن الخلاف سراً، لكن الأمر لم يصل الى حد التسبب بحرب. نحن في الأساس لم نكن نتصور ان يقاتل الجيش العراقي يوماً بلداً عربياً. لهذا السبب بدا غزو الكويت غريباً، اذ ان هذه الأساليب لا تتوافق مع الشعارات التي رفعت سابقاً.
* كانت علاقة صدام حسين قوية بياسر عرفات؟
- نعم. عرف ياسر عرفات شخصية صدام حسين ونقاط الضعف فيها وكان يخاطبه بما يناسب لجعله سخياً. كان يسميه القائد ويتحدث علناً عن دخول القدس معاً على حصان ابيض لتأدية الصلاة في المسجد الأقصى. وكان صدام يشعر بزهو كبير.
* هل كان صدام راغباً في خوض حرب ضد اسرائيل؟
- طبعاً، موقف صدام المعلن من اسرائيل معروف. لكن حتى ولو كان راغباً فإن الفرص انعدمت بعد الحرب العراقية - الايرانية. كلامه العام هو انه لا يعترف باسرائيل ويدعو الى إزالتها.
* هدد ذات يوم بــإحراق نصف اسرائيل؟
- هذه للأسف كانت بداية استدراجه الى الاصطدام بالإرادة الدولية. نقلت أطراف الى صدام حسين معلومات تفيد ان اسرائيل ستقصف مؤسسات التصنيع العسكري، فرد بتحذير اسرائيل قائلاً انه في حال ضربت اسرائيل مؤسساتنا العلمية والصناعية سيحرق نصف اسرائيل. منطق التصعيد هذا أوصل الى غزو الكويت، وكانت تلك التحذيرات بداية الصدام مع الغرب.
طائرة عدنان خيرالله
* ما حادث الطائرة الذي أودى بنائب القائد العام وزير الدفاع الفريق أول ركن عدنان خيرالله في 1989؟
- كان عدنان خيرالله ضابطاً محترفاً وصاحب رصيد في الجيش وبينه وبين كثير من الضباط شعور تقدير متبادل. كان يتبنى الضباط وكانوا يشعرون بالأمان بسبب وجوده. عدنان خيرالله شقيق زوجة صدام ساجدة وابن خاله. وفي الحرب العراقية - الايرانية اهتم بالجيش بحكم موقعه وكان عملياً الرجل الثاني. ابتداء من العام 1986 راحت الصورة تتبدل. حسين كامل صعد وتزوج ابنة الرئيس ووسع صلاحياته ليحتل موقع الرجل الثاني ساعياً الى ابعاد صدام، قدر الإمكان، عن عدنان. سعى فعلياً الى احداث فجوة. ذات يوم في 1989 عقد اجتماع في وزارة الدفاع لكبار العسكريين. دخل ضابط وسلم وزير الدفاع كتاباً من القائد العام. كانت هناك في وزارة الدفاع هيئة علمية لضباط علماء مرتبطة بوزير الدفاع وتهتم بتطوير الأسلحة. جاء في مضمون الكتاب ان على كل أعضاء الهيئة الالتحاق خلال 24 ساعة بهيئة التصنيع العسكري والالتحاق بملاكها ايضاً، وتصبح علاقتهم مع حسين كامل. اعتبر وزير الدفاع الخطوة بمثابة ضربة فانفعل وبدأ القول: "ما هذا العمل؟ سيخرب الجيش والبلد، ماذا يفعل صدام حسين؟". قلت له: "سيدي لو سمحت رجائي ان لا يكون هذا الكلام أمام الضباط فقد ينقله أحد ويحدث مزيداً من التباعد". نحن كنا نريده ان يبقى وكنا نعتبره ضمانة. ذهبت الى مكتبي واذ بعدنان يلحق بي ويقول: "ما الذي يجري، ومن هو حسين كامل؟ هذه خطوات تدمر البلد، هذا الشيطان سيدمر الجيش. انت عاقل يا صدام حسين فكيف يلعب بك هذا الشخص؟ كيف يُصدر أمراً بإلحاق كل علماء وزارة الدفاع بحسين كامل؟". طبعاً هذا الكلام خطير في بلد مثل العراق. قلت له: "يا سيدي أرجوك، ان كان هناك شيء فتكلم مع الرئيس ولا تتكلم امام الآخرين. نحن نريدك ان تبقى سنداً لنا" فأجاب: "يا فريق نزار هل يتركني حسين كامل أراه. لا يخليني أشوفه من خلال زوجته. هل تتصور انني أقدر ان أراه دائماً؟". هذه حادثة شهدتها انا وهي تدل كم كانت العلاقات متشنجة بين صدام حسين ووزير الدفاع بسبب حسين كامل. ذات يوم ذهب صدام مع العائلة الى مصيف في الشمال وذهب عدنان خيرالله. وحصل كلام في هذا اللقاء وتضمن نوعاً من التراضي. استقل عدنان خيرالله طائرة هليكوبتر وعاد الى بغداد فسقطت الطائرة. انا هنا لا استطيع ان اجزم ما إذا كان الطقس السيئ هو السبب أم ان عدنان خيرالله راح ضحية قصة مدبرة. أحدث موت عدنان خيرالله صدمة في صفوف الجيش والمدنيين. كان شخصاً جيداً ويحب الخير. الضابط الجيد لا يكون مؤذياً ودموياً. هذه الممارسات للمتسلقين بلا كفاءة.
* لماذا اتخذت قرار الخروج في 1996؟
- كنت اتوقع بعد النكبة التي حلت بالعراق بفعل اجتياح الكويت ان يعيد صدام حسين النظر في مواقفه وسياساته. كل ذلك لم يحدث، وصلت الى قناعة ان الرجل لم يفهم الدرس ومستمر في اسلوبه وازداد عنفاً. اجرى استفتاء وكانت النتيجة 99.99 في المئة اي ان اربعة آلاف شخص لم يصوتوا له. تصور انه على شاشة التلفزيون قال انه بعد اعلان النتائج يأمل ان يكون هؤلاء الاربعة آلاف يكونوا فهموا الآن. شعرت ان واجبي تجاه بلدي يلزمني بالتفكير في تغيير في العراق وان الخروج صار حتمياً.
خطة الخروج
* كيف خرجت؟
- تبلورت الفكرة قبل ستة اشهر من موعد التنفيذ. اعتقد ان بيتي كان مزروعاً بالميكروفونات لهذا كنا نتعمد الصعود الى السطح والهمس هناك للتفكير والتخطيط. الحقيقة ان عدداً من الضباط تركوا العراق قبل ذلك واقاموا في انحاء مختلفة وبعضهم في الاردن. اعتبر هؤلاء ان العمل للتغيير يستلزم وجود شخصية عسكرية معروفة وذات رصيد داخل الجيش، ورأوا انني الشخص المناسب. اتصل هؤلاء بجهات كانت لهم علاقات بها فباركت واقترحت عليهم مفاتحتي بالامر. انها جهات دولية. كنت حاولت في 1995 ارسال ابني الى الخارج للاتصال ببعض العناصر. لدى وصوله الى الحدود اخرجت عناصر من "الامن الخاص" قائمة سرية بالممنوعين من السفر وكان اسمه فيها بوصفه ابن احد المسؤولين. لم يتمكن من السفر. حصل الاتصال من خلال زوج ابنتي الصغرى المقيم حالياً في الولايات المتحدة. ابنتى الصغرى تمكنت من المغادرة على اسم زوجها. جاء صهري وقال ان هناك مجموعة من الضباط العراقيين في الخارج يريدون القيام بعمل في العراق، ولديهم تفاهمات مع جهات دولية، وينتظرون ردك اذا كنت مستعداً. شعرت انني كعسكري عليّ ان اتابع تنفيذ واجبي تجاه وطني، فوافقت وبدأت التخطيط للخروج. وخرجت في 14 آذار مارس 1996.
 
* وطريق الخروج؟
- كانت الرقابة شديدة فعلاً. وكان علينا ان لا نثير اي شبهة. في المرة الاولى اتفقت مع ابنائي على سيناريو يقول اننا سنذهب لزيارة شخص وقد نتأخر قليلاً. وطبعاً عرف الحرس وكان يهمنا ان يعرفوا. ذهبنا في ذلك اليوم لكن خطأ في التوقيت حال دون التقائـنا بمن كان يفترض ان ينتظرنا. اضطررنا الى العودة الى البيت. ترافق ذلك مع عودة حسين كامل من الاردن. وساورتني مخاوف من ان يكون تمكن من معرفة شيء وعاد ليبلغ. ثم سمعنا نبأ مقتله فتبين ان مخاوفنا غير صحيحة. بعد ثلاثة اسابيع اسمعنا الحراس ان قريباً لنا توفي في منطقة ديالى وان علينا القيام بواجب العزاء. ذهبنا في سيارتين وقمنا بحركات تمويه ثم اتجهنا شمالاً الى الموصل. اعتقد الحراس انني ذاهب للتعزية وسأعود وكنت ابلغتهم ان التقاليد العربية قد تفرض بقائي يومين في ديالى. وصلنا الى الموصل وهناك التقينا بأحد المسؤولين وانتقلنا الى عقره في المنطقة الكردية. لم نحمل معنا اي ورقة او وثيقة او جواز سفر حتى لا نثير الشبهات في حال توقيفنا. امضينا ليلتين في عقره وانتقلنا بعدها الى زاخو ثم الى تركيا وفي 21 من الشهر نفسه وصلت الى عمان.
* من التقيت في كردستان؟
- لا اريد الخوض في الاسماء. لا اريد ان يتأذى احد بسببي. خرجت عبر المنطقة الكردية وبحماية.
* كيف استقبلت في الاردن؟
- كان موقفهم جيداً، أمنوا لي مسكناً وحراسة. بقيت حوالي سنتين، تعرضت لخمس محاولات اغتيال، اكتشفت قبل تنفيذها باستثناء واحدة حين مرت سيارة واطلقت النار على مقر اقامتي والحمد لله لم يصب احد. في 1998 صار واضحاً ان عليّ ان اغادر الاردن فقد كانت المخابرات العراقية ناشطة. اصر رفاقي ان اغادر، فذهبت كي لا يخطف احد اولادي وأجد نفسي في وضع صعب. ذهبت الى اسبانيا وبقيت نحو ستة اشهر. ذات يوم اتصل بي مسؤول في المخابرات الاردنية وقال ان فريق اغتيالات عراقي وصل في اليوم نفسه الى اسبانيا لاغتيالي. طالبني ان اغير مقر اقامتي فوراً ففعلت ثم غادرت الى الاردن. مرة جديدة بدأت الملاحقة في الاردن فجئت في 1999 الى الدنمارك.
* هل جرت معك بعد خروجك اتصالات من جهات عربية ودولية؟
- حصلت اتصالات لكن الاتجاه العام اقليمياً ودولياً كان الى احتواء صدام حسين لا اسقاطه. لم يتحقق الهدف من خروجي ما ولّد لدي خيبة كبيرة. انا خرجت للعمل على اسقاط النظام.
* هل عرض عليك صدام العودة؟
- لا، اتصلت اجهزته اكثر من مرة. مارست الترغيب والترهيب واطلقت تهديدات لكنهم يعرفون انني ايضاً من الرؤوس الحامية..

Comments are now closed for this entry